العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

رسائل

ماذا بقي من مدن المثلث السني في العراق؟

رسالة بغداد: د. حميد عبدالله

الخميس ٠٣ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



دخل اصطلاح المثلث السني إلى القاموس العراقي في الأشهر التي أعقبت احتلال العراق في ابريل 2003، أما قبل هذا التاريخ فلم يعرف العراق التسميات الطائفية حتى ان احد الباحثين المعنيين بعلم الاجتماع والميثلوجيا وصف العراق قبل الاحتلال وبعده بالقول: كان دولة بلا مكونات فأصبح مكونات بلا دولة!
المعنى الآخر لهذه العبارة يعني ان الدولة العراقية التي بنيت على ركيزة المواطنة في مطلع القرن العشرين اخفت تحت هويتها الكبرى الهويات الأصغر أما حين انهارت دولة المواطنة في نيسان 2003 طغت تلك الهويات على الهوية الأم فبرزت المسميات الطائفية والدينية والاثنية التي عرفت بالمكونات!
في هذا السياق برز مفهوم المثلث السني الذي يدل على المنطقة التي تسكنها الأغلبية السنية أو المدن التي يقطنها أهل السنة حصرا وتمتد من أطراف بغداد الغربية والشمالية الغربية مرورا بالأنبار وديالى وتكريت والموصل.
هذا المثلث كان نقطة انطلاق العمليات المسلحة ضد الاحتلال الأمريكي ثم تحول إلى مسرح للجماعات المتطرفة من القاعدة وأنصار السنة وصولا إلى داعش.
يقول الباحث العراقي عماد صادق العلوان ان ما يدعى بـ(المثلث السني) هو مصطلح مستحدث لا دلالة سياسية أو جغرافية له بقدر ما له من دلالات طائفية استخدمت لأغراض الشحن والتجييش الطائفي تصب في مصلحة قوى مفلسة سياسيا وفكريا فاستعاضوا بما هو أسهل لكسب النفوس!
لنبدأ بمدينة الرمادي مركز محافظة الانبار التي تعد الأكبر مساحة بين محافظات العراق قاطبة ونجيب عن التساؤل الذي يتردد على لسان كل مواطن أنباري وهو: ماذا بعد تحرير الرمادي من داعش؟
ربما يكون أدق جوابا عن ذلك السؤال هو مقدمه وزير الدفاع العراقي السابق خالد العبيدي بقوله: لم نجد بناية مرتفعة نرفع عليهم العلم العراقي عند تحرير الرمادي، موضِحًا أن الرمادي تبدو مدينة أشباح بسبب الدمار والخراب وعمليات التلغيم من جانب عصابات (داعش) الإرهابية.
أما أسوأ صورة قاتمة تنتظر إعمار الرمادي وغيرها من المدن الكبرى التي سيتم تحريرها هي مخاوف معظم السكان من أن يتعرضوا للانتقام بعد تحريرهم من داعش بعد الحملة الواسعة التي انطلقت لتشويه سمعة بعض العشائر بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش، إما لتصفية حسابات من جانب البعض، وإما للحصول على النفوذ والزعامة على حساب عشائر أخرى يجري اتهامها، والدليل على ذلك ما حدث من عراك بين ممثلي تلك العشائر في مؤتمر عقد للمصالحة بينها تحت رعاية الحكومة.
هذه المخاوف لن تحل إلا بدور تقوم به الحكومة وأدوار تقوم بها العشائر نفسها، ومن أهم هذه الأدوار العودة إلى الاتفاق الذي سبق إبرامه بين زعماء العشائر التي تصدت للإرهاب والذي يتمثل في قيام كل عشيرة بمحاسبة أفرادها الذين تورطوا مع تنظيم داعش. هذا الحل يفترض توافر قناعتين، الأولى، أنه لا توجد عشيرة لم ينخرط بعض أبنائها في صفوف داعش. الاعتراف بذلك هو الخطوة الأولى للحل. أما القناعة الثانية، فهي أن قيام كل عشيرة بتحمل مسؤولية محاسبة أبنائها سيحول دون تفجر حرب تخوين شعواء بين العشائر، وهذا التخوين المتبادل سيكون بمثابة نار سوف تقضي على كل ما تبقى من الأخضر واليابس من الحياة والعلاقات الاجتماعية بين أبناء هذه المحافظات. أما الخطر الآخر الذي لا يقل أهمية عن السابق فهو ضرورة التحرك على مستوى النظام العراقي كله لمحاصرة صراعات الهوية والمليشيات بين الحشد الشعبي وفصائله، والعشائر السنية والمنتسبين إليها. فالصراع ليس فقط بين ما هو حشد شعبي مدعوم من إيران، وعشائر سنية مدعومة من الأمريكيين، لكنه أيضًا صراع داخلي بين تنظيمات الحشد الشعبي، وصراع داخلي بين القبائل، ومن ثم سيجد العراق نفسه متورطًا في صراعاته الداخلية، ويعود مجددًا مخطط التقسيم الذي يتزعمه الأمريكيون، وفي مقدمتهم جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي وصقور الجمهوريين الأمريكيين!
أما في تكريت فإن ما حدث بعد تحريرها كاد يكون شرارة تحرق جميع المكاسب التي تحققت على الأرض ورسمت بالتضحيات والدم!
انتهت المعارك الفعلية في تكريت ليلة الأول من نيسان 2016 ودخل الجيش العراقي ومعه فصائل الحشد الشعبي المساحات الشاسعة لموقع القصور الرئاسية التي بناها صدام حسين، وبدأوا النبش عن جثث جنود عراقيين قضوا في واحدة من أكبر جرائم القتل الجماعي، والتي عرفت بـ(مجزرة سبايكر).
وشكلت الحكومة العراقية لجنة خاصة لنبش 4 مقابر جماعية غالبية الجثث فيها لأشخاص يرتدون الزي البرتقالي الذي يجبر داعش أسراه على ارتدائه قبل إعدامهم.
وأظهرت صور تداولتها وسائل الإعلام المختلفة، جثثًا متفسخة ظهرت أجزاء منها، كالأصابع والرؤوس، بارزة على سطح الأرض.
وقال جواد الطليباوي المتحدث العسكري لـ(عصائب أهل الحق) أن المعلومات التي حصلت عليها اللجنة تشير إلى أنه تم قتل جميع جنود قاعدة سبايكر، وأقام الجيش العراقي، في حضور عدد من ذوي ضحايا سبايكر، مراسم جنائزية، لفتح القبور، والتعرف إلى هوية الضحايا.
كانت عملية نبش القبور تماهي عملية نبش الثارات مجتمعيا وكأن من نبشوا القبور قد عمدوا إلى نبش الماضي المفخخ برمته بما يزيد الكراهية عمقا والتخندقات كراهية!
بعد تحرير المدينة توالت أنباء عن ارتكاب جماعات مجهولة عمليات سلب ونهب للممتلكات العامة في مدينة تكريت، وأفادت المعلومات بأن هذه الجماعات المسلحة ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان خلال استعادتها السيطرة على المدينة من تنظيم داعش، وقالت منظمة العفو الدولية إنها تحقق في انتهاكات، قد تكون ارتكبتها القوات العراقية والحشد الشعبي المتحالف معها أثناء الهجوم لاستعادة المدينة. وكادت صور حرق المحال، وسرقة محتوياتها تتحول إلى إعلام مضاد يجهض خبر تحرير المدينة، ويجره إلى هاوية النزاع الطائفي.
وظهرت لاحقا مقاطع فيديو لعدد من مسلحي الحشد وهم ينقلون أغراضًا من محال عامة وسط المدينة، لكن من الصعب التأكد من هوية الأشخاص الذين ظهروا في جميع المقاطع المرئية التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي.
يقول سكان من تكريت إن عمليات انتقامية حدثت بين عشائر مناهضة لداعش وأخرى مؤيدة لها، ظهرت للعلن في شكلها كنهب وحرق.
وقال أحد السكان المحليين إن عملية سرقة المنازل تنتهي بحرقها في الغالب ويقول أستاذ جامعي في جامعة تكريت إن مختبرات ضخمة ومجهزة في الجامعة لم تتعرض للضرر خلال معارك التحرير، لكن بعد 3 أيام من إعلان التحرير، دخل مسلحون وحرقوا المختبرات بالكامل، والقصة ذاتها حدثت مع مختبرات طبية في مستشفى تكريت، التي كانت سليمة حال انتهاء المعارك!
محافظة ديالى هي الأخرى أخذت حصتها من التفكيك والتدمير حتى ان الكثير ممن زاروا بعقوبة مركز محافظة ديالى وبعض أقضيتها قالوا ان (ديالى هي نموذج للعراق الذي يتصارع عليه الجميع) الجغرافية جارت على اهالي ديالى كما جارت عليها التركيبة السكانية المتنوعة طائفيا وعرقيا، فبدلا من ان يكون ذلك التنوع مصدر انسجام وتوافق وقوة تحول إلى سبب للتناحر والفرقة والتشظي!
بعد أن سيطر تنظيم داعش في العاشر من يونيو 2014 على مدينة الموصل، شمالي العراق، تمدّد نحو ديالى فشهدت المحافظة عمليات عسكرية واسعة، وكانت من أولى المحافظات التي حررتها القوات الأمنية العراقية.
خلال عمليات التحرير اتهم نواب سُنّة قوات الحشد الشعبي بارتكاب انتهاكات ضد مدنيين وتفجير مساكن ودور عبادة في ديالى، من أجل إفراغها من السُكان السُنّة، في 22 أغسطس شهدت المحافظة أبرز حادثة قتل جماعي في جامع مصعب بن عُمير عندما قامت جماعات مُسلحة قيل إنها موالية للحكومة العراقية بقتل 73 شخصًا في هجوم على مسجد غربي ناحية السعدية شمال شرق العاصمة بغداد.
ومن التفجيرات الكبيرة التي تشهدها ديالى تفجير انتحاري نفسه في 29 فبراير 2016، داخل مجلس عزاء في منطقة برشتة شرقي قضاء المقدادية وقتله 34 شخصًا وأصابته 43 آخرين أغلبهم من الشيعة.
الحديث يدور اليوم داخل الأوساط السياسية السُنّية عن سعي إلى إحداث تغيير ديموغرافي في محافظة ديالى تقوم به جهات موالية لإيران.
ولم يكن التغيير الديموغرافي وحده حاضرًا في ديالى القريبة من إيران. فهنالك مناطق مُتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية في بغداد، وحكومة إقليم كردستان العراق في أربيل، ومازالت هذه المشاكل قائمة.
النائب السُنّي عن محافظة ديالى، رعد الدهلكي يتحدث عن وجود تغيير ديموغرافي مستمر في المحافظة تُنفّذه جهات موالية للحكومة الإيرانية، وهذا أمر أصبح واقعًا وليس حديثًا عابرًا بحسب تعبيره.
وقال الدهلكي إن جهات تعمل لمصلحة إيران على إحداث تغيير ديموغرافي في محافظة ديالى، إذ تقوم بقتل السكان السُنّة وتهجيرهم من هنالك، بينما تأخذ الحكومة العراقية دور المتفرج على ما يحدث.
أما الموصل رابع مدن المثلث السني وأكبرها فلها قصة بعض فصولها كتبت قبل احتلالها من قبل داعش وبعضها مؤجل إلى مرحلة ما بعد داعش الموصل، ثاني اكبر مدن العراق سكانا ومساحة بعد بغداد، أحدثت الكثير من الانعطفات الحادة في تاريخ العراق السياسي!
جرب الموصليون حكم السلاجقة والمغول والصفويين لكن مدينتهم عادت بعد كل احتلال واحدة من حواضر العرب المهمة، لكنها في ظل احتلال مركّب ومزدوج، ووسط تجاذبات إقليمية ودولية ومحلية، طائفية وعرقية وإقليمية ليس من السهل ان تعود كما كانت عليه قبل 9 حزيران 2014 وهو تاريخ سقوطها بأيدي تنظيم داعش وانسلاخها عن العراق!
باختصار فإن مدن المثلث السني وقعت بين فكي التخريب والتفكيك وإن عودتها إلى سابق عهدها ربما يستغرق زمنا من الصعب التكهن بأمده.








كلمات دالة

aak_news