العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

رسائل

الاستعدادات الإستراتيجية لخوض الحرب..
«أسرار وتكتيكات» أربكت إسرائيل في حرب أكتوبر

القاهرة: خاص

الخميس ٠٦ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



تعددت أسباب وملابسات اندلاع حرب السادس من أكتوبر التي أدت في نهاية الأمر إلى تحرير الأراضي المحتلة في سيناء وبعض أجزاء من هضبة الجولان، وأظهرت فشل القوات الإسرائيلية وعدم قدرتها على الصمود طويلا وصد الهجمات التي قام بها الجيش المصري والسوري بالتعاون مع القوات العربية، حيث كان من بينها ملابسات سياسية ودبلوماسية وأخرى عسكرية، تجسدت في إجراء القيادة المصرية على الصعيد السياسي عدة مقابلات واجتماعات سرية مع مجموعة من دول العالم، لبحث كيفية حل النزاع بينهما، الأمر الذي كان بمثابة تمويه للتغطية على الاستعدادات العسكرية للجيش المصري، كما قامت مصر بإرسال رحلات دبلوماسية للتفاوض غير المباشر مع الجانب الإسرائيلي خارج البلاد، وإطلاق تصريحات من شأنها إظهار عدم نيتها للدخول في حرب لتحرير الأرض المحتلة وانتهاجها للمسار السياسي والمفاوضات، كذلك أكدت من خلال الممارسات عدم قدرة قواتها على صد الهجمات الإسرائيلية، وأن الأسلحة التي يمتلكها الجانب المصري لم تكن كافية للدخول في حرب بهذه الضراوة، في الوقت الذي كانت تستعد فيه مصر وسوريا والأمة العربية بأسرها ميدانيا وعسكريا لخوض حرب الكرامة، وكان من ضمن خطة التمهيد للمعركة، إطلاق شائعة بأن ثمة فيروس انتشر بين الجنود، وعليه لا بد من إخلاء المستشفيات لاستقبالهم وتلقي العلاج بها، الأمر الذي كان من أهم الاستعدادات السرية لخوض الحرب واستعادة الأرض المحتلة.
ومن أبرز الأسرار التي كشف عنها مؤخرا، أن مصر مررت بعض المعلومات لجهاز الموساد الإسرائيلي عبر جواسيسها داخل مصر بصورة غير مباشرة أنها ستبدأ هجماتها على قواتها المتمركزة في سيناء منتصف شهر مايو، وذلك بعد فشل المباحثات السرية غير المباشرة التي أجراها الجانبان، ساعد في ذلك الجيش السوري، حيث قام بتأكيد النبأ أيضا عبر مجندي إسرائيل داخل الجولان، ومنها اعتمد الموساد في تقاريره أن هناك هجمات محتملة من مصر على قواتهم في سيناء والجولان، ولكن توقفت تحركاتهم بشأن ذلك عندما أدركت سكون القوات المصرية على الحدود بينهما، حيث لم تكن هناك تدريبات عسكرية تدل على الاستعداد للهجوم، وعليه اجتمعت «جولدا مائير» رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك وبعض قيادات الموساد بشأن التحقق من المعلومات الواردة إليهم، وتبعا لاختلاف آرائهم حول ذلك وكيفية الاستعداد لصد الهجمات المحتملة، لم يتوصلوا إلى قرار نهائي، الأمر الذي أفاد مصر كثيرا في استعداداتها مع الجيش السوري لتنفيذ الهجمات في الموعد المحدد، حيث قام أحد الصحفيين بالتعرف على مضمون الاجتماع الذي عقدته «مائير»، من خلال أحد العاملين بالموساد المكلف بتدوين الملاحظات حول الاجتماع، ونقلها إلى وزير الدفاع الإسرائيلي «موشيه ديان»، ومن ثم قرر نشر هذه الملاحظات ومنها علمت مصر بذلك، وقامت بتعزيز استعداداتها بناء عليها، لا سيما بعدما أدركت من خلال هذه الملاحظات أن إسرائيل تستبعد وجود تحالف عسكري عربي بين مصر وسوريا للهجوم على القوات الإسرائيلية، مما اعتبرته مصر من أهم الركائز التي يمكن الاعتماد عليها وإرباك القوات الإسرائيلية في سيناء.
ويقول اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، عن خطة الخداع التي وضعتها مصر للتمويه بعيدا عن تأكيد نيتها للدخول في حرب مع الجانب الإسرائيلي: كان أهم ركائزها اعتقاد إسرائيل أن مشاركة الجيش السوري في الحرب المحتملة مع مصر تكاد تكون معدومة، كان ذلك لعدة مؤشرات لديهم، أبرزها المعلومات التي وردت إليهم بعدم مشاركة القوات السورية في تدريبات مشتركة مع الجانب المصري، كما أن استعدادات وقوة الجيش السوري حينها لم تكن بالصورة التي تؤهله للدخول في حرب شاملة لتحرير الأرض المحتلة، وهو ما قام بعض القادة بتصديره إلى إسرائيل لتأكيد هذا الاعتقاد، كما أن مصر أعدت عدة أماكن غابت عن علم الموساد الإسرائيلي استخدمها الجيش المصري في استكمال تدريباته المهمة والتي اعتمد عليها في هجماته الشرسة على القوات الإسرائيلية، وكذلك جاءت تعاقدات مصر مع بعض الدول بشأن التزود بأحدث الأسلحة بصورة سرية تماما، الأمر الذي فاجأ إسرائيل أثناء الحرب، وكان من أهم أسباب فشلها في صد الهجمات، حيث أصيبت بارتباك أحدث شللا عسكريا لم يكن متوقعا، وعانت انبطاحا ظهر جليا خلال تحرير القوات وسيطرتها بسهولة على ثكنات ودشم العدو في خطوط المواجهة الأمامية.
وأضاف سالم: خطة تأهيل الجنود نفسيا وعسكريا لم تعتمد فقط على بُعد أماكن التدريب، وإنما اعتمدت على عدم معرفة الجنود بحجم الخطة الحقيقية لعملية الهجوم سوى قبل الحرب بوقت قصير، الأمر الذي أسهم في تسهيل مهمة هجوم الجنود على قوات الاحتلال، بعكس ما كان يعتقده البعض بأنها ستكون نقطة سلبية في خطة الهجوم، وسيكون لها تأثير سلبي على الروح المعنوية للجنود لجهلهم بالخطة الموضوعة والموعد النهائي لبدء الهجمات العسكرية، حيث إن عدم اطلاعهم انتزع من داخلهم حاجز الخوف الذي أصابهم لا سيما بعد هزيمة 1967، التي هزت قواهم النفسية، وجعلتهم غير موقنين بقدراتهم العسكرية على تحقيق النصر، وبالتالي كانت عدم المعرفة هي السبيل الوحيد لضمان نجاح الحرب وتأهيل الجنود نفسيا لتنفيذ مهامهم.
بدوره، يؤكد اللواء حمدي بخيت، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن استقبال قادة الجيش الإسرائيلي للمعلومات الواردة إليهم عن تحركات الجيش المصري وبقية الجيوش العربية، لا سيما الجيش السوري، لم تأخذ على محمل من الجدية، باعتبارها تحركات غير جادة وغير مؤثرة، كما أنهم شككوا في صحة المعلومات الواردة إليهم، حيث جاء في تقرير استخباراتي أعده الموساد، أن ثمة تحركات عسكرية للجيوش العربية، ولكن خلال الاجتماع الذي عقدته «جولدا مائير» بقادة الجيش الإسرائيلي، كانت الخلافات بينهم بشأن جدية التحركات العسكرية العربية، والاستعداد لوضع خطة من شأنها صد الهجمات المحتملة من الجيش المصري، إلا أنهم لم يتطرقوا سوى لتحرك بعض الوحدات الخاصة ومنها وحدة «48» للجيش السوري، رغبة منهم في حماية الجولان.
وتابع بخيت: أصر رئيس قسم البحوث بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، ويدعى عاموس جلبوع على أهمية هذه التحركات، ولكن تم تهديد من قبل «مائير» وبقية القادة بالطرد إذا لم يكف عن التأكيد بأن ذلك مقصود من قبل سوريا، وهنا كانت الفائدة للجيش المصري، حيث علمت القيادة أن تحركاتهم التي تم كشفها من قبل الجانب الإسرائيلي، لم يتم التصديق عليها والتحرك ضدها، الأمر الذي عزز من رغبة الجيش المصري والسوري على حد سواء في الاستمرار في تلك الاستعدادات وخوض معركة التحرير في الوقت المحدد لها.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، يشير د. حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى أن الأساس الذي اعتادت عليه القيادة السياسية المصرية في حرب أكتوبر، وكان من معززات نجاح استعدادات الجيش المصري في حربه ضد إسرائيل، هو موافقة مصر على حضور الاجتماعات السرية التي أقيمت بينها وبين الجانب الإسرائيلي للوصول إلى حل نهائي للنزاع، كما أنها أطلقت تصريحات سياسية من شأنها التأكيد على عدم وجود نية للدخول في حرب ضد القوات الإسرائيلية في سيناء، لا سيما بعدما ورد إليها تقارير تفيد باستبعاد قادة الجيش الإسرائيلي لدخول مصر في حرب بمشاركة الجيش السوري، هذا بجانب الرحلات الدبلوماسية التي أرسلتها مصر إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول للمشاركة في مباحثات تجمع بينها وبين إسرائيل، للخروج من مأزق استيلاء إسرائيل على بعض الأماكن الحيوية داخل سيناء، والتحكم في الشواطئ الرئيسية، حيث إن ذلك يزيد الأمور بينهما تعقيدا على الصعيد الدبلوماسي، ويغلق كافة الأبواب التي يمكن من خلالها الدخول إلى طريق الحل السياسي، وكان ذلك من أهم الاستعدادات الدبلوماسية على المستوى الدولي التي أجرتها مصر، لتصدير فكرة انشغالها بالخطوات السياسية والدبلوماسية، ورغبتهم في الحل السياسي وليس العسكري، وأيضا إبعاد أنظار العالم عن أماكن تدريب الجيش وتحركاته على المستوى العربي والدولي، لا سيما بعد اتفاق مصر على شحنة أسلحة ثقيلة مع روسيا، بالإضافة إلى السر الأهم وهو زرع بعض العناصر المصرية داخل الموساد الإسرائيلي، للتعرف على مستجدات الوضع السياسي والعسكري هناك، الأمر الذي أسهم في إعداد خطة هجوم دقيقة، ساهمت فيها التقارير التي أرسلت بتلك المستجدات إلى قادة الجيش على الجبهة، مما رجح كفة القوات المصرية والسورية وكان الانتصار المؤزر للعرب على إسرائيل.








كلمات دالة

aak_news