العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

دونالد ترامب وواقع الشرق الأوسط

بقلم: ستيفن كنزر

الأحد ١١ ٢٠١٦ - 03:00



أنا أشفق كثيرا على ضابط المخابرات المكلف بإطلاع دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2016 في الولايات المتحدة الأمريكية، على كل ما يحدث في العالم من مستجدات. يزداد إشفاقي على هذا الضابط الاستخباراتي إذا ما تعلق الأمر بالمنطقة الممتدة من الشرق الأوسط والشمال الإفريقي.
في هذه المنطقة من العالم تنشر الولايات المتحدة الأمريكية القوات الخاصة والطائرات من دون طيار والقاذفات وهي تشارك في أربعة حروب على الأقل. لعل ما يزيد في صعوبة مهمة هذا الضابط الاستخباراتي ما تشهده هذه المنطقة من العالم من تقلبات وتحولات وسقوط لتحالفات قديمة وقيام تحالفات جديدة في توليفة تصيب المرء بالدوار والغثيان.
كيف يمكن أن نفسر لدونالد ترامب كل هذه الصراعات المعقدة، الدائرة رحاها في سوريا والعراق والتي تتداخل فيها دول عديدة وخاصة إيران وتركيا وروسيا والدول الخليجية، إضافة إلى لاعبين آخرين من غير الدول، مثل الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش» وتنظيم القاعدة ومليشيا «حزب الله» اللبناني وغيرها من العناصر والمكونات واللاعبين الآخرين؟
قد يستسهل هذا الضابط الاستخباراتي وغيره من المحللين الأمر ويقول لدونالد ترامب إن ما يحدث من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة الشمال الإفريقي لا يعدو أن يكون قصص ثأر وتصفية حسابات متداخلة ومعقدة وموروثة من ماضي القرون والسنين أو أن الأمر يتعلق بقصص الخيانات كما أنهم قد يقولون له إن ما يحدث هو نتاج «الاستراتيجية الكبرى» ويسقطون بعد ذلك في فخ إحصاء قائمة «الرابحين والخاسرين» مما يحدث الآن في هذ المنطقة الحيوية من العالم.
يمكن لهذا الضابط الاستخباراتي أن يبدأ بأن يروي لدونالد ترامب قصة بشار الأسد، رئيس عائلة مجرمة تحكم سوريا. لقد ورث عن والده رئاسة سوريا مدى الحياة وبدأ بداية الخاسرين منذ الوهلة الأولى رغم أن البعض قد انخدع بكلامه في البداية وراحوا يثنون على الطبيب الحداثي الذي سيسعى إلى تحديث سوريا.
ما إن نزل الناس إلى الشوارع يطالبون نظام دمشق بالكف عن تعذيب وقتل الأطفال السوريين حتى أسقط قناع دعاة الحداثة والتحديث. سعيا منه للاستمرار في الحكم. قتل نظام الأسد وحلفاؤه قرابة نصف مليون سوري من دون أن يرف له جفن.
يعود الفضل في بقاء بشار الأسد في منصبه حتى الآن إلى نظام الملالي في طهران وقادة الحرس الثوري والذين يعتبرون أن بقاء مافيا النظام العلوي في دمشق كضرورة تخدم المصالح الحيوية الإيرانية قبل كل شيء.
اعتمدت سلطات طهران على ميلشيات «حزب الله» التي تعتبر ذراعها في المنطقة من أجل دعم ومؤازرة النظام البعثي والحيلولة دون انهياره وسقوطه. مع تزايد أعداد القتلى الإيرانيين بدأ نظام طهران ينقل المقاتلين الشيعة من العراق المجاور، إضافة إلى أفغانستان وباكستان.
إذا ما وجد دونالد ترامب بعض الصعوبة في فهم السبب الذي يجعل بشار الأسد يبدو كأنه سيكون في النهاية المنتصر في هذه الحرب، فيجب على من يقدم له المشورة أن يشرح كيف أن اللاعبين المختلفين في الأزمة السورية (طهران، إسطنبول، موسكو، وواشنطن) قد تآمروا جميعا حتى يصل إلى خيارين لا ثالث لهما: إما بقاء نظام بشار الأسد وإما التنظيمات الجهادية، وفي مقدمتها تنظيم داعش.
لا شك أن بشار الأسد سيخرج منتصرا في نهاية المطاف إذا ما نجح فلاديمير بوتين في إقناع الرئيس أوباما بأن مافيا بشار الأسد شر لا بد منه أو أنه يمثل الشر الأصغر.
لن يكون من السهل على المستشارين أن يشرحوا لدونالد ترامب كيف أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي بدأ حياته السياسية في ثوب المنتصر بفضل اللعبة الديمقراطية والذي انتهج سياسة «صفر مشاكل» مع دول الجوار، دخل بعد ذلك في صراع مع كل دول الجوار تقريبا.
استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوجان فرصة الانقلاب الفاشل من أجل إطلاق عملية تطهير واسعة النطاق في صلب المؤسسة العسكرية، كما شملت حملته التطهيرية المدارس والجامعات والصحافة والشرطة والقضاء، الأمر الذي أثار انتقادات بقية الدول الأعضاء في الحلف الأطلنطي.
سعيا منه لكسر عزلته الإقليمية فقد سعى الرئيس أردوجان إلى المصالحة مع روسيا وإسرائيل. فقد تلاشت تلك التصريحات النارية التي كان يطلقها والمبادئ التي كان يعبر عن تمسكه بها أمام إغراء أنابيب الغاز الطبيعي والعائدات السياحية.
إذا كان هناك من لاعب في المنطقة قد برز في الآونة الخيرة فهو قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي يمثل جناح العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني. فقد ظل يتنقل ما بين سوريا والعراق ويدير العمليات ضد تنظيم داعش وأعداء الأسد الكثيرين.
في الصيف الماضي طار قاسم سليماني إلى موسكو واصطحب معه الخرائط السورية وعقد اجتماعات مكثفة مع الجنرالات الروس من أجل التخطيط للحملة العسكرية الروسية في سوريا والتي بدأت في شهر سبتمبر الماضي. لا تملك إيران قوة جوية غير أن الطائرات الأمريكية هي التي تقصف بالنيابة عن طهران أعداء إيران في العراق بالقنابل والصواريخ مثلما أن الطائرات الروسية تقصف أعداء إيران في سوريا.
قد يفهم دونالد ترامب منطقة الشرق الأوسط والشمال الإفريقي بتعقيداتها الكبيرة إذا ما اعتمد مستشاروه في حديثهم معه كلاما مفهوما بعيد عن التعقيد.
بوسطن جلوب






كلمات دالة

aak_news