العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

التزامنا الوطني وهذه العقول الضيقة



يبدو ان بعض الدبلوماسيين الأجانب في البحرين، وخصوصا الدبلوماسيين الغربيين، لديهم حساسية مفرطة تجاه أي نقد نوجهه في صحافتنا الى سياسات بلادهم. هم لا يكفّون عن التذمر والشكوى من هذا النقد، الى درجة انهم لا يترددون في اعتبارنا «معادين» لدولهم.
هناك عدد من الحقائق هنا يهمني توضيحها.
بداية، وقبل كل شيء، يجب ان يعلم الجميع ان مؤسستنا الصحفية ليست مؤسسة أيديولوجية، والمبادئ التي تقوم عليها أفكارنا السياسية والمواقف التي نعبر عنها مستمدة من كلمتين فقط، هما «الالتزام الوطني».. الالتزام الوطني تجاه وطننا وأمتنا. وبالتأكيد لسنا المؤسسة الصحفية الوحيدة في البحرين التي يحركها هذا الالتزام. وهناك عديد من المؤسسات الاعلامية المستقلة في الغرب والشرق يحركها نفس المبدأ.
وكمجرد مثال على ذلك، لنا ان نتأمل ما فعلته الصحف البريطانية في الفترة الماضية بعد صدور تقرير «شيلكوت». الصحف البريطانية شنت هجوما ضاريا على توني بلير ومزقته إربا بسبب الجرائم التي ارتكبها في غزو العراق والتي وردت تفصيلا في التقرير. هل يعني هذا ان الصحف البريطانية أصبحت معادية لبريطانيا؟ بالطبع لا.
أيضا الصحف الأمريكية التي نادرا ما تتطرق الى الجرائم البشعة التي ارتكبها جورج بوش الابن في العراق.. هل هذه الصحف تعتبر إدانة بوش جريمة؟
ان معظم الدول الغربية دول متحضرة، شعوبها تعمل بجد وتلتزم بالقانون. ونحن من جانبنا نكنّ احتراما وتقديرا عاليا للاسهامات التاريخية التي قدمتها هذه الدول في خدمة البشرية منذ عصر النهضة حتى اليوم. نكنّ تقديرا عاليا لاسهاماتهم في مجالات التكنولوجيا، والطب، والعلوم، والتعليم، والعمارة، وغيرها كثير.
لكن الحادث انه رغم هذا، فإن الساسة الغربيين والسياسات التي يتبعونها لا يمكن أبدا ان ندرجها في اطار السعي إلى خدمة البشرية. هؤلاء الساسة تدفعهم أهداف ونوازع استعمارية تجاه الدول والأمم الأخرى. وبالتأكيد، فإن واجبنا في الصحافة يحتّم علينا ان نكشف ما يرتكبه هؤلاء من جرائم بحق أمتنا ودولنا والعالم.
إن جورج بوش وتوني بلير، ومعهم باراك اوباما بـ«ربيعه العربي»، لم يجلبوا لدولنا الا الدمار والفوضى والخراب والبؤس، وكنا نحن ضحايا سياساتهم الاستعمارية وسعيهم الى الهيمنة. لقد قاموا مثلا بغزو واحتلال العراق وتسببوا في كل ما شهده ويشهده من فوضى وخراب ودمار ومن غياب لأي استقرار أو أمن. واوباما فعل نفس الشيء في ليبيا وسوريا تحت شعار: «الربيع العربي».
من واجب الصحافة العربية وكتابها ومحلليها ان يناقشوا مخططات هذه الدول وسياساتها وما سببته من مآس مروعة لدولنا وشعوبنا، الله وحده يعلم الى متى سوف تستمر، وان يحذروا منها دفاعا عن دولنا.
عندما نفعل ذلك في صحافتنا، هل من المقبول ان يقال عنا اننا معادون لبريطانيا أو أمريكا؟
إن المرء يتصور ان الدبلوماسيين الغربيين هم بالضرورة أناس متعلمون، واسعو الاطلاع، واقعيون، وليسوا ضيقي الأفق، متعصبين، عنصريين، يعيشون في فقاعات من الأنانية والتعالي والغطرسة.
أم ان علينا ان نصدق «الحكمة» التي عبر عنها هنري واتون، عندما قال ساخرا: ان السفير هو شخص نزيه صادق يتم إرساله الى الخارج كي يكذب بالنيابة عن بلده؟
إننا نؤكد لكل الدبلوماسيين الغربيين ان الكتاب والمحللين والصحفيين في مؤسستنا الصحفية هم أناس على أعلى درجة من الكفاءة والالتزام، وهم لا ينجرفون أبدا وراء العواطف أو الغضب وليس في ذهنهم أبدا تشويه سمعة أي بلد. هم كما ذكرت مدفوعون فقط بالتزامنا الوطني.
في الوقت نفسه، فإننا نتوقع من الدبلوماسيين في البعثات الدبلوماسية الغربية ان يتحلّوا بقدر من الصدق مع النفس وان يدركوا ما ارتكبته دولهم من جرائم بحق الدول الأخرى.
إن أخلاقيات وقيم الفلسفة الغربية مستمدة بالأساس من «الماجنا كارتا»، وهي الميثاق السياسي الذي وقعه الملك جون في عام 1215. وهذه الوثيقة تنص من بين ما تنص على ان العدل والانصاف هما حق لكل البشر بلا أي استثناء او تمييز. اذا كان الأمر هكذا، لماذا اذن يتجاهلون في الغرب حقوق الآخرين على هذا النحو؟!
إننا نعتبر ان الصحافة هي جسر يربط بين الأمم والشعوب. لكن هذه الرابطة تعتمد على الطرفين معا.. تعتمد على أن يسعى كل طرف الى ان يمد يده إلى الآخر، وان يحرص على تفهمه والحوار معه.
نعلم اننا مختلفون. القيم الغربية تختلف عن القيم الشرقية. لكن الفضيلة والعدل والحق هي قيم واحدة في كل اللغات والتقاليد والثقافات في العالم.
الأمر المحزن انه رغم كل ما حققته البشرية من انجازات وتقدم، فإننا نعيش في وقت مازال البعض فيه يتجادل ويختلف حول: هل يجب السماح بالبكيني والبوركيني أم لا؟
هل إلى هذا الحد أصبحت العقول ضيقة وعنصرية؟







إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

aak_news