العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

تيريزا مــاي.. صوت العقل والحكمة



تولت تيريزا ماي رئاسة الحكومة البريطانية في ظروف صعبة حرجة تمر بها بريطانيا في الداخل وفي علاقاتها بالعالم. من المهم أن نعرف كيف تفكر هذه السيدة التي ستقود بريطانيا في الفترة القادمة.
نشير هنا إلى خطاب في غاية الأهمية، ألقته ماي في عام 2014 في مؤتمر حزب المحافظين، تحدثت فيه عما يسمى «الدولة الإسلامية»، يكشف عن جوانب مهمة في تفكيرها. من المهم أن نتوقف عند ما قالته في هذا الخطاب.
قالت ماي: إن المتطرفين يعتقدون حتمية الصدام بين الحضارات، وإن هناك تناقضا حادا لا يمكن تجاوزه بين القيم الإسلامية والغربية، وانقساما حادا لا يمكن تجاوزه بينهم وبيننا. إنهم يطالبون بإقامة الخلافة الإسلامية، أو دولة إسلامية جديدة، يحكمها التفسير المتشدد المتطرف للشريعة الإسلامية. إنهم يرفضون تماما القيم البريطانية والغربية، بما في ذلك الديمقراطية وحكم القانون والمساواة بين المواطنين، بغض النظر عن جنسهم أو انتمائهم العرقي أو الديني. إنهم يعتقدون أنه من المستحيل أن تكون مسلمًا جيدًا صالحًا وبريطانيًّا جيدًا صالحًا في الوقت نفسه. وهم ينظرون إلى أي شخص آخر لا يتفق معهم في أفكارهم ومواقفهم، بمن في ذلك المسلمون الآخرون، على أنه غير مؤمن، أي كافر.
ومضت ماي في خطابها قائلة: إن هذه الآيديولوجية الكريهة لا علاقة لها بالإسلام نفسه. وهي آيديولوجية ترفضها غالبية ساحقة من المسلمين في بريطانيا والعالم كله.
وأضافت ماي: يقول القرآن: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا». ويقول القرآن «لا إكراه في الدين».
وقالت: «لهذا، فإنّ الرسالة التي يجب أن تنطلق من هذه القاعة، هي أن المتطرفين لا يمكن أن ينجحوا في تفريقنا. لتكن الرسالة هي أننا نعرف أن الإسلام هو دين سلام، وأنه لا علاقة للإسلام بآيديولوجية أعدائنا هؤلاء».
هذه التعليقات والآراء التي عبّرت عنها تيريزا ماي في خطابها، وحرصها على الاستشهاد بآيات القرآن الكريم تؤكد أنها سيدة على درجة عالية من المعرفة والوعي، وتؤكد ثقافتها الواسعة وانفتاحها العقلي والفكري والسياسي وحكمتها السياسية.
إننا لم نسمع أبدا من قبل الساسة الغربيين وهم يتحدثون بهذه الطريقة ويقولون مثل هذا الكلام.
ولهذا، فإننا في العالم الإسلامي نرحب بتعيين ماي في هذا المنصب الرفيع؛ لأن القرارات التي سوف تتخذها لن تؤثر في بريطانيا فقط، ولكن في العالم كله.
وما قالته يؤكد أنه كلما كان القادة الغربيون لديهم مثل هذا التفهّم والوعي، زاد الأمل في أن يسود التفهّم المشترك بيننا.
وبعيدا عن الجماعات المتطرفة التي تقتل باسم آيديولوجيتها المدمرة، فإنّ غالبية ساحقة من المسلمين في هذا العالم هم على أعلى درجة من النضج، وهم مسالمون ويؤمنون بأننا جميعا يجب أن نعيش معا في سلام ووئام.
بالطبع، علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت تيريزا ماي ستنجح سياسيا في الفترة القادمة أم لا، لكن الأمر المؤكد أنها تمتلك كل المقومات والكفاءات والقدرات التي تؤهلها لأن تكون زعيمة عظيمة.
في الأسبوع الماضي فقط، صدر تقرير شيلكوت. وإذا أردنا المقارنة بينها -بناء على تعليقاتها وأفكارها هذه- وبين توني بلير، فإنها ستكون أشبه بالمقارنة بين الأرض والسماء.
لقد مرغ بلير سمعة 10 داوننج ستريت في التراب عندما قاد بريطانيا إلى ارتكاب جريمة الحرب ضد العراق. ونحن نأمل مخلصين أن تقوم تيريزا ماي بمحو هذا الماضي المظلم الكئيب.
ومع هذا، أؤكد مرة أخرى أن علينا أن ننتظر ونرى.
لقد قال بلير نفسه في معرض تبريره غزو العراق: إن التاريخ سوف يحكم.
لكن التاريخ أصدر حكمه بالفعل. من الواضح الآن أن الجرائم التي ارتكبها بلير لن تمحى أبدا من ذاكرة ملايين المسلمين. لا يمكن أبدا أن ننسى كيف تسبب هذا الرجل في كل هذا القتل والدمار والتقسيم الطائفي والإثني، وغير هذا كثير، ما أدى إلى تشريد ملايين وتحويلهم إلى لاجئين.
إن كثيرا من التحديات التي تواجهها تيريزا ماي اليوم، من داعش إلى اللاجئين السوريين الذين يطرقون أبواب أوروبا، هي نتاج لسياسات بلير وما ارتكبه من جرائم. هذا على الرغم من أنه ترك السلطة منذ أكثر من تسع سنوات.
وفي الوقت الذي نرحب فيه بتولي تيريزا ماي منصبها الجديد، فإننا مازلنا نأمل أن يلقى بلير العقاب الذي يستحق، وألا يُترَك الأمر لحكم التاريخ فقط. نتمنى أن يتم تقديمه إلى المحاكمة ليحاكم على كل الجرائم التي ارتكبها ضد العالم العربي.








إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

aak_news