العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

شرق و غرب

ما لم يذكره تقرير شيلكوت عن تدمير العراق

بقلم: باتريك كوكبرن

الأحد ١٠ يوليو ٢٠١٦ - 03:00



شاءت الصدفة أن يصدر تقرير «شيلكوت» في مرحلة حساسة من التاريخ البريطاني الحديث. كانت الحرب العراقية أول اختبار رئيسي في هذا القرن الحادي والعشرين على قدرة النخب والقوى البريطانية على ممارسة الحكم وهو الاختبار الذي فشلت فيه فشلا ذريعا. لقد واجهت نفس هذه القوى البريطانية الحاكمة الأزمة الثانية الرئيسية المتمثلة في الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لقد أثبتت هذه القوى البريطانية الحاكمة مرة أخرى أنها غير قادرة على التكيف مع الأوضاع.
يعرف الساسة وكبار المسؤولين البريطانيين تقليديا بقلة الأخطاء التي يرتكبونها مقارنة بخصومهم، غير أن عجزهم عن التعامل مع هذه الأزمات قد يؤشر إلى نهاية هذه المرحلة في عمر السياسة والدبلوماسية التقليدية البريطانية.
حاول تقرير «شيلكوت» أن يقدم بعض المعطيات حول الأسباب التي التي جعلت بريطانيا ترتكب كل هذه الأخطاء قبل الحرب في العراق وخلالها، غير أن التقرير لم يحاول أن يفسر لنا السبب الذي جعل بريطانيا تكرر الأخطاء نفسها في ليبيا وسوريا.
يعتبر الساسة البريطانيون بين الحين والآخر أنهم فعلوا أشياء كثيرة خاطئة، غير أنهم لا يدخلون في التفاصيل ويبقون على حالة من الغموض، ولم يشرحوا لنا هذه الأخطاء التي يتحدثون عنها، كما أنهم لا يتحدثون عن الدروس العملية المستفادة من المشاركة البريطانية في العراق ما بين سنتي 2003 و2009 على سبيل المثال.
إن هذا الغموض مبيت ومتعمد؛ لأنه ينبع من الاعتقاد أنَّه إذا اعترفت بريطانيا بنقاط ضعفها ومواطن فشلها فإنّ ذلك قد يضر بمكانتها كدولة حليفة سواء في نظر الولايات المتحدة الأمريكية أو في نظر أولئك الذين تحاول السلطات البريطانية أن تقنعهم بأنها لا تزال محافظة على قوتها العسكرية والسياسية.


يمكن أن ننظر إلى الصراع في العراق على أنه كان محاولة كارثية قامت بريطانيا من أجل خوض حرب محدودة الكلفة كما تهيأ لها في البداية لكن اتضح فيما أن الحرب في العراق باهظة الثمن. وسعيا للحيلولة دون تراجع التأييد للحرب تم التعتيم عمدا على الأنباء السيئة أو تشويه الحقائق من أجل الدعاية للغزو على حساب حقيقة الواقع.
من المضحكات المبكيات أن نرى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في السنوات الأولى للحرب بصحبة وزراء بريطانيين آخرين وهم يضعون خوذات على رؤوسهم ويرتدون سترات واقية من الرصاص وهم يتنقلون على متن المروحيات من مطار بغداد الدولي إلى المنطقة الخضراء، وكان قطع تلك المسافة القصيرة على متن السيارة محفوفا بمخاطر كبيرة على حياتهم.
رغم أنه كان من الضروري اتخاذ تلك الإجراءات الأمنية الاحترازية في قلب العاصمة العراقية فقد كان المسؤولون البريطانيون وغيرهم يصيحون ويزعمون أن الجماعات المسلحة في تقهقر وتفكك وأن السلام بات يعم أغلب المحافظات والأقاليم العراقية، من دون أن يحاولوا أن يبرهنوا ذلك على أرض الواقع من خلال القيام بزيارات شخصية، وهم يعلمون جيدا أن الصحفيين لن يعترضوا على كلامهم خوفا من الموت.
بعد مرور سنة واحدة من الغزو –أي في عام 2004– لم تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلا على جزر معزولة تستهدف الهجمات المتكررة. كانت القوات البريطانية أصغر بكثير من المهمات التي أوكلت إليها وهو ما جعلها تفشل في إحكام السيطرة على البصرة، ووجدت نفسها في نهاية المطاف حبيسة في معسكرها على تخوم مدينة البصرة في جنوب العراق وهو ما مثل إهانة كبيرة لها وأظهر فشلها.
تم نقل عديد من الجنود البريطانيين من ذلك المعسكر إلى صراع آخر يصعب الانتصار فيه أو حتى فهمه في إقليم هلماند في أفغانستان في سنة 2006 وقد كانت النتيجة قاتمة والتداعيات وخيمة.
كان يجب على الساسة في موقع السلطة في بريطانيا أن يتوقفوا عند هذه الانتكاسات ويتمعنوا في العواقب الوخيمة الناجمة عن المغامرات العسكرية الخارجية التي تسببت في زعزعة استقرار دول كثيرة ورمت بها في أتون الحرب والصراعات والعنف من دون التفكير في الأنظمة التي ستحل محل تلك التي أسقطت بالقوة العسكرية.
في سنة 2011 لم يتردد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في الانضمام إلى الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في عملية عسكرية تستهدف الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، وهو ما حول ليبيا إلى مرتع لأباطرة الحرب وتجار السلام والبشر، وهو ما أدى إلى تدفق تلك الأعداد الهائلة من المهاجرين اليائسين الذين يهلك أغلبهم عند العبور من ليبيا إلى إيطاليا.
في سوريا، قامت السياسة البريطانية على السقوط المتوقع والوشيك لنظام بشار الأسد رغم أن ذلك كان مستبعدا؛ لأنّ نظام دمشق ظل يسيطر على المناطق المأهولة بالسكان كما أنه ظل يحظى بدعم قوي من روسيا وإيران.
في سنة 2012. وفيما كان تنظيم «داعش» بصدد إنشاء فرعه في سوريا كان كبار الدبلوماسيين البريطانيين يقولون في السر إن المخاوف من توسع نطاق الصراع في سوريا مبالغ فيها.
في سنة 2013، قال ديفيد كاميرون إنه يدعم توجه بلاده لتنفيذ ضربات جوية ضد القوات العسكرية النظامية السورية، رغم علمه بعدم جدوى مثل هذا التوجه ذلك أنه لو سقط نظام بشار الأسد فإن الجماعات المتطرفة هي التي ستحل محله وتملأ الفراغ، بما أنها هي التي تشكل الأغلبية في المعارضة السورية.
ومن حسن الحظ أن مجلس العموم البريطاني هو الذي تدخل وأحدث التغيير المطلوب في السياسة الخارجية إدراكا منه للأخطار الجسيمة التي قد تنجم عن مثل هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر. مع ذلك يبدو أن الحكومة البريطانية لا تزال تحمل صورة فنتازية عن الحرب السورية عندما شرعت في شهر ديسمبر الماضي في توجيه ضربات جوية لمواقف تنظيم «داعش» في سوريا، رغم علمها أن هذه المشاركة العسكرية البريطانية رمزية أكثر من أي شيء آخر.
سعيا منها لتفادي السقوط في الاختيار ما بين نظام بشار الأسد من ناحية وتنظيم داعش من ناحية أخرى، زعم ديفيد كاميرون أن القوات البريطانية توجه تلك الضربات الجوية دعما لأكثر من سبعين ألفا من المقاتلين السوريين المعتدلين المستعدين لمقاتلة القوات النظامية السورية من ناحية وتنظيم «داعش» من ناحية ثانية.
كانت الحرب العراقية صغيرة مقارنة بالحروب التي خاضتها بريطانيا خلال القرن الماضي. فقد قتل 179 جنديا بريطانيا في العراق في الفترة ما بين سنتي 2003 و2009، مقارنة بما لا يقل عن 455 قتيلا في أفغانستان ما بين 2001 و2015، علما أن أكثر من 40 ألف جندي بريطاني وهندي قد قتلوا في ما أصبح يعرف باسم العراق اليوم، وذلك خلال الحرب العالمية الأولى بين 1914 و1918.
لا شك أن غزو العراق سنة 2003 كانت له تداعيات سياسية كبيرة سواء في بريطانيا أو في الولايات المتحدة الأمريكية أكبر من تداعيات ناجمة عن أي صراع آخر. فقد تسببت الحرب في العراق في تلطيخ سمعة توني بلير إلى الأبد رغم أنه نجح في انتخابات 2006، كما أن تصويت باراك أوباما في مجلس الشيوخ ضد الحرب قد لعب دورا كبيرا في فوزه بمقعد الرئاسة سنة 2008 على حساب منافسته هيلاري كلينتون التي أيدت الغزو.

كورييه إنترناشيونال




كلمات دالة

aak_news