العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

أمريكا في حاجة إلى «تقرير شيلكوت»

بقلم: تريفور تيم

الأحد ١٠ يوليو ٢٠١٦ - 03:00



لم يكن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير المهندس الرئيسي للغزو العسكري الكارثي للعراق في سنة 2003. لذلك يتعين اليوم فتح تحقيق رسمي بشأن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لدخول الحرب في العراق.
مع صدور تقرير «شيلكوت» الذي طال انتظاره في البرلمان البريطاني بتاريخ 6 يوليو 2016 تعالت الأصوات مجددا في مختلف أنحاء المملكة المتحدة للمطالبة بمحاكمة توني بلير بتهمة ارتكاب جرائم حرب. هذا يجعلنا نتساءل في ذات الوقت: ماذا عن جورج بوش؟
يتحمل الرئيس الأمريكي السابق المسؤولية الأكبر عن الكارثة السياسية الخارجية الكبرى التي ارتكبها وهو اليوم يعيش عيشة الهدوء والراحة والرغد منذ ترك المكتب البيضاوي في واشنطن في سنة 2009. لم يفلت جورج فقط -بعد خروجه من البيت الأبيض- من أي تحقيق بخصوص مسؤولياته عن الحرب في العراق، بل إن معدلات شعبيته وأسهمه قد ارتفعت رغم أن الأخطاء التي ارتكبها عندما كان في مقعد الرئاسة قد ظلت تتفاقم ،وما الفوضى العارمة التي يعيشها العراق وبلدان الجوار -وخاصة سوريا- إلا دليل على التركة الثقيلة التي تركها وراءه.
يتولى جورج بوش جمع التبرعات للجمهوريين الذين رشحوا دونالد ترامب للانتخابات الرئاسية القادمة، كما أنه يتقاضى مئات الآلاف من الدولارات كي يتحدث في الفعاليات التي تنظمها الشركات. يجب ألا نتوقع أن يفعل بوش ما فعله توني بلير يوم 6 يوليو 2016 عندما قال علنا عقب صدور تقرير شيلكوت: «إن القرار الأكثر صعوبة الذي اتخذته، وقمت بذلك بحسن نية.. أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي». أما مع جورج بوش فإن إمكانية تقديم مثل هذا الاعتذار العلني تبدو معدومة تماما؛ فالرجل لن يعتذر أبدا.
في سنة 2008 أصدرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي نتائج التحقيق الذي طال انتظاره حول مواطن فشل أجهزة المخابرات في فترة ما قبل غزو العراق سنة 2003. كان ذلك التحقيق أقرب شيء ممكن لتقرير شيلكوت من دون أن يصل إلى مستواه.
يذكر أن لجنة التحقيق التي قادها الديمقراطيون في مجلس الشيوخ قد حملت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (السي.آي.إيه) المسؤولية عن الفشل الاستخباراتي الذريع كما اتهمت إدارة جورج بوش بالتلاعب بعمل أجهزة المخابرات من أجل الاستهلاك لدى الرأي العام. لم يحقق ذلك التحقيق أي شيء يذكر، حيث إن نتائجه تصدرت العناوين الصحفية على مدى يومين اثنين وأثارت إدانة وانتقادات إدارة بوش الذي مازال في الرئاسة ثم انتهى كل شيء ولم يترك التحقيق أي أثر.
بعد ذلك راحت اللجنة نفسها تغدق الثناء على أدارة السي آي إيه ورفعت حجم ميزانيتها ولم تشأ أن تشدد الرقابة على عملها رغم سلسلة الفضلة التي سبقت وتلت التقرير المذكور. عندما تولت اللجنة نفسها التحقيق في لجوء السي آي إيه إلى استخدام أساليب التعذيب بشكل غير قانوني -وتوجهت أصابع الاتهام لكبار المسؤولين في إدارة جورج بوش الذين وافقوا على ذلك- لم يتم التركيز على صغار المتورطين الذين كانوا مجرد أدوات تنفيذية فيما أفلت الكبار.
لم يطل أي شيء يذكر جورج بوش، بل إنه لجأ إلى زيادة عدد القوات الأمريكية وراحت إدارته تعزف على هذا الوتر وتعبر أن هذه الورقة بارعة وحقق النجاح، علما أن الأمر لا يعدو أن يكون مخرجا لمخادعة الرأي العام والتغطية على الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها سلطات واشنطن في العراق.
عدما انتخب الرئيس باراك أوباما ودخل البيت الأبيض استبعد من أجندته الرئاسية مسألة ملاحقة ومقاضاة أي من المسؤولين في إدارة جورج بوش، كما أن الإدارة تعمدت تحويل مسألة التعذيب من جريمة حرب إلى قضية سياسية خلافية. انتهى كل شيء عند ذلك الحد.
في مجلس النواب أجرى الجمهوريون تحقيقات حول أحداث بنغازي التي أودت بحياة السفير الأمريكي وبعض مساعديه، وقد طالت تلك التحقيقات أكثر من التحقيق الذي أجري بشأن الحرب الكارثية في العراق، رغم أن كل الأدلة تثبت أن ذلك الغزو العسكري مثل أكبر كارثة سياسية خارجية خلال هذا الربع الأخير من القرن.
تسبب الغزو في مقتل أكثر من مليون شخص فيما بددت إدارة جورج بوش تريليونات من الدولارات في حرب اتسعت عواقبها الوخيمة إلى منطقة الشرق الأوسط ومازالت تتصدر السياسة الخارجية الأمريكية.
أما التطور الأكثر خطورة فيتمثل في التربة الخصبة التي خلقها الغزو العسكري الذي أدى إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، وقد تمضي الولايات المتحدة الأمريكية الجيل القادم من الزمن في محاربة هذا التنظيم المتنامي والمتمدد.
شاءت الصدفة أيضا أن يجدد هذا الجدل مع صدوره كتاب السيرة الذاتية الذي ألفه المؤرخ المعروف جان إداورد سميث والذي تطرق فيها إلى الرئيس السابق جورج بوش. هذا الكتاب أقرب ما يمكن إلى الإدانة من أي كتاب أو تحقيق آخر صدر في الأعوام القليلة الماضية.
خصص المؤلف جزءا كبيرا من كتابه للحديث عن فترة ما قبل الغزو والمرحلة التي تلت الغزو وقد خلص إلى القول: «سواء كان جورج بوش أسوأ رئيس على الإطلاق في التاريخ الأمريكي فإنّ الجدل حول هذه النقطة سيطول غير أن القرار الذي اتخذه بغزو العراق كان أسوأ قرار سياسة خارجية على الإطلاق يتخذه رئيس أمريكي».
أفلت جورج بوش وبقية أركان إدارته ورمز النخبة السياسية التي أيدت قرار الحرب من أي عقاب. فنائب الرئيس ديك تشيني وبقية شلته ينعمون الآن بحياة التقاعد بل إن كلا الحزبين –الجمهوري والديمقراطي– قد رشح كلا من دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، اللذين أيدا غزو العراق سنة 2003.
ويستبعد أن يتخذ أي قرار إدانة بشأن توني بلير أو أي من بقية مهندسي حرب العراق في المملكة المتحدة، رغم الحقائق الدامغة التي خلص إليها التقرير. سيمضي توني بلير في ممارسة عمله في العلاقات العامة لحساب الحكام المشمولين في العالم وكأن شيئا لم يكن.
الجارديان






كلمات دالة

aak_news