العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

الاستفتاء البريطاني .. عرس ديمقراطي أم خطوة كارثية؟

بقلم: ران هلفي j

الجمعة ٠٨ يوليو ٢٠١٦ - 03:00



ما الذي تعلمناه من دروس مستفادة ومفيدة لديمقراطياتنا من الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟
«مهرجان كبير للديمقراطية» – ذلك ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في تعليقه على الاستشارة الوطنية التي هزت بريطانيا والعالم وحكمت على المملكة المتحدة بالخروج من الاتحاد الأوروبي.
لقد أطاحت نتائج الاستفتاء برأس رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي أعلن تنحيه من منصبه في شهر أكتوبر 2016 ومزقت حزب المحافظين الذي يتزعمه، ودفعت حزب العمال المعارض إلى حافة الانفجار وهو ما بات يهدد وحدة المملكة المتحدة نفسها.
منذ البداية أثار القرار الذي اتخذه ديفيد كاميرون باللجوء إلى الاستفتاء على بقاء المملكة المتحدة أو خروجها من الاتحاد الأوروبي عاصفة من الانتقادات في الأوساط الاقتصادية التي نددت بما أسمته لا مسؤولية رئيس الوزراء البريطاني، كما أنها حذرت من تداعيات وخيمة إذا ما فاز معسكر الخروج وانهزم معسكر البقاء – وهو ما تم فعلا.
في هذه الأثناء انبرى تيار آخر يقول –على العكس من ذلك «انه لايمكن منع الشعب من إبداء رأيه في هذه المسألة الجوهرية. هذه الديمقراطية المباشرة التي جاءت بها الثورة الفرنسية لا تغري كثيرا البريطانيين الذين استنبطوا النظام البرلماني».
عندما قرر ديفيد كاميرون إجراء الاستفتاء، فإنه لم يخض البتة في المسائل النظرية، بل إنه أخذ في الاعتبار الضغوط والقيود من ناحية والفرص الممكنة من ناحية ثانية. فقد ظل المحافظون المشككون في جدوى الاتحاد الأوروبي، والذين ظلوا يقوضون عمل الحكومة البريطانية، من دون أن ننسى حزب استقلال المملكة المتحدة بزعامة نايجل فرج الذي ظل يتغنى بمسألة استعادة السيادة والحد من تدفق الهجرة حتى أنه بات يهدد بعض المعاقل الانتخابية التي كانت دائما تصوت للمحافظين.
بطبيعة الحال سرت هذه الأفكار الشعبوية سريان النار في الهشيم ودغدغت مسار الناخب البريطاني، الأمر الذي جعل ديفيد كاميرون يدرك أنه لا مناص من إجراء الاستفتاء، وخاصة أن مختلف استطلاعات الرأي ظلت تظهر أن أغلبية كبيرة من الناخبين ستصوت ضد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

كان ديفيد كاميرون يأمل أن يبستم له الحظ مرة ثانية بعد نجاحه سنة 2014 في جمع أغلبية كافية مناهضة لاستقلال اسكتلندا وانفصالها عن الممكلة المتحدة، كما أنه فاز في سنة 2015 في الانتخابات التي ضمنت لحزب المحافظين الأغلبية المطلقة في مجلس العموم. لو صوت الناخبون بنعم لكان ديفيد بلير قد وجه ضربة موجعة الى زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فرج.
خلال الفترة الماضية التي سبقت إجراء الاستفتاء بدا ديفيد كاميرون تكتيكيا أكثر من اللزوم وهو ما أعاقه عن الاقناع، فهو الذي قال علنا في أحد تصريحاته أنه لا يحب بروكسل، حيث يوجد مقر الاتحاد الأوروبي، كما ظل يردد بأن بريطانيا ستكون قادرة على النجاح بمفردها خارج الاتحاد الأوروبي، غير أنه لم يقرأ حسابه للهزيمة ولم ينبه الشعب البريطاني إلى العواقب الكارثية التي قد تنجم عن الطلاق مع الاتحاد الأوروبي.
لم ينجح ديفيد كاميرون أيضا في الفصل، في أذهان الرأي العام، ما بين أوروبا من ناحية والهجرة من ناحية ثانية. لا شك أن الدفاع عن الاتحاد الأوروبي في هذه الفترة الراهنة يمثل عبئا ثقيلا. فهذا التكتل تشوبه الانقسامات، كما أنه يبدو مشلولا في مواجهة الأزمات السياسية والمالية، إضافة إلى تداعيات أزمة الهجرة، حيث يعاني الاتحاد الأوروبي من ناحية ثانية من تفاقم البيروقراطية.
استقبلت بريطانيا أكثر من مليوني مهاجر خلال الخمس عشرة سنة الماضية، وقد جاؤوا أساسا من الدول الأوروبية. صحيح أن الأرباح التي كسبتها بريطانيا من هؤلاء المهاجرين تفوق بكثير كلفة وجودهم على الأراضي البريطانية، غير أن ضحايا الكساد الاقتصادي يلمسونه، وخاصة الضغوط المتفاقمة على نظام الصحة، والخدمات الاسكانية والاجتماعية الأخرى.
لقد أساء ديفيد كاميرون - مثل غيره من الساسة الآخرين - تقدير تأثير هذه التداعيات والشعور بانعدام الأمن الاقتصادي والاغتراب الثقافي وباستلاب الهوية الثقافية الناجم عن استفحال وتوحش العولمة، إضافة إلى سياسة التقشف. ربما كان يراهن على دعم حزب العمال للبقاء في صلب الاتحاد الأوروبي، لكنه قد يكون نسي العداء الذي عبر عنه زعيمه جيريمي كوربن لأوروبا الواحدة - أي «أوروبا الراسمالية» والهجرة الجماعية- وهو ما يرفضه عديد الناخبين المؤيدين لحزب العمال. أساء ديفيد كاميرون تقدير الدور المؤثر الذي تلعبه الصحافة الشعبية التي أيدت الانسحاب وعزفت على أوتار المخاوف.
لا شك أن الخطأ الفادح الذي ارتكبه ديفيد كاميرون – والذي أطاح برأسه وزعزع المملكة المتحدة – إنما يتمثل في اعتماده على سياسة الاستفتاءات – أي دعوة الشعب بمختلف مشاربه لحسم مسألة في مثل هذه الحساسية والخطورة، علما أن عامل المزاج يؤثر كثيرا في مثل هذه الانتخابات. جاءت الحملة الانتخابية التي سبقت الانتخابات فارغة من أي جدال أو نقاش بنّاء بعيد عن الخطاب السفسطائي والديماغوجيا. كان يفترض أن يقرر «مهرجان عرس الديمقراطية» مستقبل بريطانيا غير انه تحول إلى تصويت ضد المؤسسات القائمة.
j مدير المركز القومي للبحوث والدراسات.
لوفيجارو






كلمات دالة

aak_news