العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسقوط الأساطير

بقلم: روس دوثات j

الجمعة ٠٨ يوليو ٢٠١٦ - 03:00



لا شك أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي مثل زلزالا سياسيا يؤذن بتغيير كبير وانتقال من عصر إلى آخر. خلافا لما ذهب اليه البعض، فإنّ الاعتبارات الاقتصادية قد لعبت دورا ثانويا في خروج المملكة المتحدة من حظيرة الاتحاد الأوروبي، لأنّ البعد السياسي هو الذي لعب الدورالحاسم.
صحيح أيضا أن مسألة الهجرة وعدم قدرة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على الإيفاء بالتزاماته وتعهداته من العوامل المهمة التي كان لها ثقل كبير في الدفع باتجاه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لا شك أيضا أن تلاشي النسيج الصناعي التقليدي وازدياد حدة الاستقطاب ما بين المدن التي زحفت عليها العولمة وبقية المناطق الأخرى ذات الطابع الريفي قد لعبت أيضا دورا كبيرا، إلى جانب عديد التراكمات التاريخية الأخرى، في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
في الحقيقة، انّ الانجليز يقطعون بخروجهم من الاتحاد الأوروبي مع الأساطير التي ظل يعيش عليها الجيل السابق ليسجلوا بالتالي عودتهم إلى ثقافتهم الأخرى العريقة التي تقوم على الديمقراطية والحريات السياسية – حتى إن تطلب الأمر التضحية بقليل من الثروة من أجل الحصول على قدر أكبر من الحرية، وهو ما كان تخلى عنه جيل السبعينيات من القرن الماضي، الذي حكم بريطانيا، باسم الطوباوية السياسية الأوروبية.
هذا الدرس البليغ ينطبق أيضا على فرنسا. فبعد فترة سياسية طويلة نسبيا امتدت على مدى خمس وثلاثين سنة وسادتها الهيمنة الاديولوجية جاء إعلان خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في أعقاب الاستفتاء الذي أجري يوم 23 يونيو 2016 ليؤذن بنهاية العديد من الأساطير التي ظلت تعشش في الخيال السياسي الفرنسي.
بعد مرور أربعة عشر عاما على تحرير فرنسا من النازيين الذين احتلوها لإبان الحرب العالمية الثانية (1939-1945) تولى الجنرال شارل ديقول مقاليد الحكم في قصر الاليزيه. يومها قيل إن جيل «المقاومة» هو الذي أصبح يحكم الجمهورية الفرنسية بما له من شرعية نضالية.
بعد مرور 13 عاما على أحداث مايو 1968 التي أسقطت الجنرال شارل ديجول انتخب مرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي فرنسوا ميتران رئيسا ليقال هذه المرة أيضا ان جيل «الطفرة الإنجابية» هو الذي بات يحكم الجمهورية الفرنسية. ظلت أساطير هذه الأجيال منذ تلك الحقبة تطغى على المشهد الآيديولوجي الفرنسي على مدى العقود الماضية، وقد ترجمت إلى أفكار وكتب ومؤلفات وروايات وأفلام سينمائية وغيرها من الأنماط الفكرية والثقافية والفنية الأخرى.
مع كل جيل يظهر، تظهر معه أساطير جديدة. فبعد نهاية الحرب الكبرى – أي الحرب العالمية الأولى (1914-1918) رفع شعار «ألمانيا ستسدد الثمن» مثلما رفع شعار «فرنسا ستكون أقوى». عقب نهاية الحرب العالمية الثانية رفع شعار «فرنسا المقاومة».
كل جيل من الأجيال يحمل أساطيره معه – ليس في أوروبا أو الغرب فقط، بل في كل دول العالم. أما الجيل الذي ظل يحكم فرنسا وعديد الدول الغربية الأخرى على مدى أكثر من 35 سنة، فهو يحمل أساطير تتعلق ببناء عالم ما بعد الأنظمة الشمولية والحركة الاستعمارية. لاشك أنه ستأتي أجيال متعاقبة وستسعى للتحرر من الأساطير الموروثة من أجل بناء اساطير جديدة خاصة بها. هكذا تتحرك الدول وتتقدم الشعوب. أما الدول والشعوب التي تظل تتمسك بذات الأسطورة، فإنّ مآلها الجمود والتكلس.
ما هي الأساطير التي يبدو ان فرنسا وغيرها من الدول الأوربية الأخرى تريد أن تتخلص منها؟
1ـ الأسطورة الأولى: «أوروبا ستحمينا وهي التي ستضمن لنا السلام». هذا الكلام ليس خاطئا في حد ذاته، غير أن الحدود الجنوبية والشرقية للاتحاد الأوروبي باتت اليوم مطوقة بحزام من نيران الحروب والصراعات المتصاعدة – في ليبيا والساحل الإفريقي ولبنان وسوريا والعراق وكردستان وكوسوفو وأوكرانيا. مع دخول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام – داعش الإرهابي – أصبح للحروب وجه جديد قابل للتسويق والتصدير.
2ـ الأسطورة الثانية: «اليورو» – أي القول بأن الوحدة النقدية الأوروبية – اليورو – هي التي تحمي الاقتصاد وتضمن النمو وتخلق الثروة. إذا ما استثنينا ألمانيا وبعض الدول التي تدور في فلكها في شمال أوروبا، فإنّ اليورو قد عطل النمو في بلدان وسط وجنوب أوروبا وعمق من معضلة البطالة وتسبب في تآكل النسيج الصناعي مع رحيل العديد من المصانع وألحق الضرر بالقطاع الزراعي أيضا. لقد اصبحت العديد من النظم الاقتصادية الأوروبية تعاني من المديونية المفرطة.
3ـ الأسطورة الثالثة: «نحن نعيش في عالم نهاية العمل وبداية مجتمع الترفيه» – ذلك هو الشعار الذي ورثناه عن فترة الثمانينيات من القرن العشرين الماضي - أي تمدد فترة الدراسة والتقاعد واندثار فئة العمال المستقلين وزوال المصانع وظهور وسائل الترفيه الجماعية.
تمعنوا جيدا في النتيجة التي أسفرت عنها هذه التحولات. ففي سنة 2016، فاق عدد المتقاعدين في فرنسا 16 مليون شخص ووصل عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من ستة ملايين على عكس ألمانيا التي تبدو فيها مختلف المؤشرات أكثر إيجابية.
4ـ الأسطورة الرابعة: يجب أن يتسم مجتمعنا بالتعددية الثقافية. رغم أن المجتمع الأمريكي يعاني من ثقافة العنف المرتبط بالسلاح والتمييز فقد اصبح يمثل نموذجا لنا. لقد ولد مفهوم المجتمع المتعدد الثقافات في ذهن أحد الأجيال وقد عمل على تكريسه على أرض الواقع. لقد تحولت أوروبا نتيجة التطبيق الخاطئ للتعددية الثقافية إلى مجتمع يعاني من الصدامات والصراعات والتمييز. إن أوروبا تعطي الانطباع اليوم بأنها من دون نمو أو اندماج شعبي أو رؤية سياسة أو حتى هوية.. يبدو أن الحلم قد تحول إلى مغامرة.
5ـ الأسطورة الخامسة – «بالمدرسة يرتفع المستوى» – إن الانتقال من مرحلة «المجتمع المنتج» – لما يضمه من مزارعين وحرفيين وعمال – إلى مرحلة «المجتمع الخدماتي» الذي يضم ما لا يقل عن خمسة ملايين موظف في فرنسا وحدها كانت بمثابة النقطة التي زعزعت كيان المجتمع. لقد تسبب هذا الانتقال في حالة من الكساد الذي ضرب أغلب المجتمع. أصبحت المنافسة في المدارس والمعاهد والجامعات شرسة، إن لم نقل إنها متوحشة، لأنها باتت أقلية نخبوية وتلفظ أعدادا هائلة خارج أسوراها، فلا يجدوا ملجأ يلجأون إليه إلا في المهن اليدوية والحرفية والوظائف الهامشية الأخرى. فسوق العمل لا يعترف اليوم بالتوظيف من اجل التوظيف بقدر ما يعترف بالكفاءة التي تحقق الإضافة وتضفي الابداع والتجديد.
6ـ الأسطورة السادسة – «تمتاز فرنسا بديمغرافية تحسدها عليها بقية الدول الأوروبية والغربية» – بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 اتسم السكان في فرنسا بخصوبة كبيرة، الأمر الذي زاد من المعدلات الإنجابية وأسهم في استقرار عدد السكان على مدى خمس وعشرين سنة ليستقر عند 40 مليونا، وهو ما اعتبره علماء الاجتماع إنجازا ديمغرافيا تحققه فرنسا التي خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية. في الفترة ما بين سنتي 1945 و2010 ظل عدد السكان ممن تتجاوز أعمارهم 60 سنة في ارتفاع مستمر ليتجاوزا بحلول سنة 2010 سبعة ملايين من الفرنسيين الذي يصنفون في هذه الفئة الديمغرافية.
نشطت الهجرة من الدول الأوروبية إضافة إلى عودة الفرنسيين من المستعمرين إضافة إلى الجزائريين «الحركي»، وقد وصل هذا العدد إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص بحلول سنة 1973، عندما تراجعت معدلات الانجاب. في الفترة ما بعد سنة 1975 على وجه الخصوص لعبت الهجرة دورا كبيرا في سد الفجوة، حيث إنَّها ظلت تنمو بنسبة 0,2% سنويا ليصل عدد المهاجرين إلى سبعة ملايين مهاجر على مدى 35 سنة.
مع تنامي ما يسمى الولادات المباشرة، بلغ عدد المهاجرين في المجتمع الفرنسي 12 مليون نسمة سنة 2012، بمن في ذلك أبناؤهم وفق الأرقام الإحصائية الرسمية. فالخطاب السياسي له أيضا وجه ديمغرافي بامتياز اليوم.
7ـ الأسطورة السابعة – «المجتمع أكثر أمانا. الشعور بعدم الأمان الذي يتنامى» هذه مقولة معروفة في علم الاجتماع الحديث، وهي تنطوي على تناقض كبير يعكس الواقع الحالي في كثير من دول العالم.
رغم تطور أجهزة الأمن والأجهزة العسكرية والاستخبارية التي ترصد لها أموال طائلة من أجل تحقيق الأمن للشعوب لم تفلح في تبديد الشعور بعدم الأمان. يكفي أن تحدث عملية إرهابية في أحد مطارات العالم حتى يهتز شعور الناس في مختلف أنحاء العالم بالأمان.
قد تكون جرائم الدم تراجعت في بعض الدول والمجتمعات التي حققت قدرا كبيرا من التقدم والتطور والرخاء، غير ان الشعور بانعدام الأمان قد تفاقم على كل الأصعدة وبمختلف الأشكال.
في فترة السبعينيات من القرن الماضي لم يكن عدد السجناء في فرنسا يتجاوز 23 ألف سجين، أما اليوم فقد تضاعف عدد السجناء أكثر من ثلاث مرات، كما أن أكثر من 100 حكم قضائي لاتزال تنتظر التطبيق.
يحذر علماء الاجتماع من خطورة تفاقم ظاهرة انحراف الشباب، وخاصة أن المجتمع الفرنسي قد أصبح يحتل المرتبة الأولى من بين كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من حيث نسبة تعاطي وتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية بمختلف انواعها.
8ـ الأسطورة الثامنة – «لقد تحررت المرأة».
لاشك أن التحولات في أوضاع المرأة في الطبقة البرجوازية في بداية الأمر قد عمت أغلب الفئات غير أن حرية الأغنياء كثيرا ما تسبب المعاناة للفقراء والمهمشين في المجتمعات.
يوجد اليوم في فرنسا ما لا يقل عن مليون ونصف المليون عائلة تقوم على ولي أمر واحد، علما أن المرأة تتحمل مسؤولية مثل هذه العائلة في أكثر من 85% من هذه العائلات الهشة التي تحتضن أكثر من ثلاثة ملايين طفل وهم يعيشون أوضاعا معيشية واجتماعية ونفسية بالغة الهشاشة.
تتعدد أوجه ومظاهر الهشاشة الاقتصادية في المجتمعات الغربية – وخاصة الدول الأوروبية مثل العمل بدوام جزئي والرواتب المتدنية وخاصة بالنسبة إلى ظروف المرأة التي تعمل في القطاع الخاص. في بعض الأحياء الفقيرة في الدول الغربية تعاني المرأة «التي تحررت» من التحرش والاضطهاد والاشتغلال الجنسي في شبكات الدعارة. فهل هذه هي حرية المرأة؟
9ـ الأسطورة التاسعة – «الدين مات في الغرب». لقد ظن الغرب أنه قد ألغى الدين تماما من معادلاته الاجتماعية. رغم ذلك نجد اليوم أن عدد الذين يرتادون الكنائس في فرنسا العلمانية يفوق عدد الذين يحضرون الاجتماعات النقابية والأحزب السياسية أكثر من عشرين ضعفا. لا توجد أي منظمة أو نقابة أو حزب سياسي ينافس الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا العلمانية – عدا تنامي انتشار الدين الإسلامي.
هل ستنقذنا الأجيال القادمة أم أننا نتجه إلى المجهول؟

j المؤلف أكاديمي مختص في التاريخ، أستاذ تاريخ وحضارة المغرب العربي.
لوفيجارو






كلمات دالة

aak_news