العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية

بقلم: ماري إيستيل بيش

الثلاثاء ٠٥ يوليو ٢٠١٦ - 03:30



بدأت مسألة تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية تؤجج الجدل وتثير إشكالية حقيقية. فقد عبرت وزارة التربية عن عزمها على مزيد التحكم في عملية تعليم اللغة العربية والتي تعتبر في أغلب الأحيان حكرا على أبناء الهجرة في فرنسا دون سواهم.
أثارت هذه المبادرة التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم جدلا كبيرا بين مدافع عنها ومعترض عليها علما أن أطرافا عديدة تعتبر أن اللغة العربية قد أصبحت مقترنة اليوم في الأذهان اقترانا كبيرا بالإسلام نفسه.
هل العربية لغة جالية مهاجرة في فرنسا؟
هذا نموذج من التساؤلات التي أججها الجدل الحاد حول وضع اللغة العربية في فرنسا ونظامها التعليمي.
في نهاية مايو الماضي طرحت النائبة عن الحزب الجمهوري في الجمعية العامة – أي البرلمان الفرنسي – آني جنيفارد السؤال التالي على وزيرة التربية والتعليم نجاة بلقاسم، ذات الأصول المغاربية:
«ألا تعتقدين أن إدخال لغات الجاليات المهاجرة في المناهج الدراسية سيشجع على العيش في نطاق الجالية ويضر بالنسيج الوطني ويقوض بالتالي تماسكه»؟
عندها ردت عليها الوزيرة بانفعال: «تقولين إن اللغة العربية مجرد لغة جالية مهاجرة! إننا لن نتفق إذا أبدا».
انتقل الجدل من البرلمان الفرنسي إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليصل بعد ذلك إلى رجال السياسة يمينهم ويسارهم ووسطهم كما تسري النار في الهشيم. دخلت الجمعية الفرنسية للمتحدثين باللغة العربية على الخط وأدلت بدلوها وقالت إن اللغة العربية ظلت دائما تعاني من صورتها المشوهة والمثيرة للجدل في أذهان الكثيرين. في الحقيقة لقد ظلت اللغة العربية مرتبطة في كثير من الأذهان بمسألة تصفية الاستعمار والهجرة، وصولا إلى الدين الإسلامي في المجتمعات الأوروبية.
أظهرت الأرقام الاحصائية أن أكثر من ثلاثة ملايين شخص يعيشون على الأراضي الفرنسية يتحدثون اللغة العربية كما أن فرنسا ترتبط بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية قوية مع دول المغرب العربي والشرق الأوسط، علما أن الملك فرنسوا الأول قد أسس كرسي اللغة العربية في «كلية القراء الملكيين» منذ سنة 1530 – وهي المؤسسة التي أصبحت تسمى اليوم كلية فرنسا.
يقول مفتش اللغة العربية ميشيل نايلرينوف: «إن الأوضاع المرتبطة بالجغرافيا السياسية الدولية والإقليمية لا تساعدنا كثيرا في ظل الأوضاع الراهنة – دون أن ننسى الصورة الكارثية التي أصبحت تعاني منها الأحياء التي يسكنها أبناء الهجرة. أين يمكن أن ننظم رحلة للطلاب على سبيل المثال؟ إن القيام برحلة إلى الصين قد يكون أسهل من تنظيم رحلة طلابية إلى أحد الأحياء.
هناك صعوبة أخرى لا يستهان بها.
يقول البروفيسور ماثيو جيدار، أستاذ اللغة العربية في جامعة باريس – الدائرة الثامنة والباحث والمؤلف البارز:
«منذ هجمات 11 سبتمبر 2011 أصبحت الدوائر المسؤولة والرأي العام في موقف محرج ولم يستطيعا بالتالي اتخاذ قرار حاسم يتعلق بتدريس اللغة العربية من عدمه. إن الوزراء في شتي الحكومات التي تعاقبت على الحكم في فرنسا قد فشلت حتى الآن في اتخاذ القرار الحاسم في هذا الشأن. لن نبالغ إذا ما قلنا إن وزارة التربية والتعليم قد تخلت بشكل غير رسمي عن تدريس اللغة العربية جزئيا لفائدة تلك الدروس التي يقدمها أساتذة اللغة العربية في المساجد والذين يأتون من الخارج».
يزداد الجدل حدة في الدوائر الفرنسية عندما يتم التركيز خاصة على تدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية. ففي فترة السبعينيات من القرن العشرين الماضي، أبرمت فرنسا عدة اتفاقيات ثنائية مع ثماني دول من أجل تدريس اللغة والثقافة الأم لأبناء المهاجرين. تشمل قائمة هذه الدول على وجه الخصوص الجزائر والمغرب وتونس وتركيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا ويوغسلافيا السابقة.
يهدف هذا البرنامج إلى نشر المعرفة باللغة الأم مع احتمال العودة النهائية حتى يسهل بعد ذلك الاندماج في البيئة الأصلية. يتولى المعلمون الأجانب تقديم هذه الدروس الأساسية في اللغة العربية علما أن البلدان التي ينحدر منها هؤلاء المعلمون هي التي تتولى تسديد رواتبهم وبقية مستلزماتهم الأخرى. تعطى الأولى على وجه الخصوص للأطفال الذين ولد أحد آبائهم على الأراضي الفرنسية.
تظهر أحدث الأرقام الاحصائية الموثقة أن ما لا يقل عن 48 ألف تلميذ في المرحلة الابتدائية يدرسون اللغة العربية بشكل اختياري خارج أوقات الدوام الرسمي لكن داخل المدارس الحكومية وذلك على أساس ساعة ونصف إلى ثلاث ساعات أسبوعيا.
صدرت عدة تقارير مختصة على مدى الأعوام الماضية وهي تنتقد هذه البرامج العشوائية في تدريس اللغة العربية في فرنسا. فقد خلص أحدث هذه التقارير إلى أن تدريس اللغة العربية بمثل هذه الطريقة من شأنه أن يعيق أطفال الهجرة ويعمق عقلية «الجالية» أكثر مما يسهل الاندماج الاجتماعي والثقافي في المجتمع الفرنسي الذي يستقبل ملايين المهاجرين من بلدان المغرب العربي والشرق الأوسط وعدة بلدان أخرى. بل إن بعض الساسة من اليمين والأكاديميين والخبراء الأمنيين يحذرون من أن تتحول دروس اللغة العربية إلى مدخل يتسلل منه الفكر الديني الإسلامي الراديكالي.
يعتبر النقاد أنه يتعين على وزارة التربية والتعليم أن تستعيد زمام المبادة في تدريس اللغة العربية وتحرص على أن تتم هذه العملية في إطار منظم وعام في الفضاء المدرسي ووفق ضوابط صارمة. لا شك أن بعض التقدم الملموس قد تحقق منذ سنة 2006 على هذا الصعيد.
أصبحت الوزارة تتدخل مباشرة في تأطير وتنظيم دروس اللغة العربية كما أن دول المغرب العربي على وجه الخصوص قد أقرت بضرورة أن تتماشى هذه المناهج العربية مع مقاييس البيدغوجية الفرنسية. رغم ذلك تظل ثغرات ونواقص كثيرة تشوب عملية تدريس اللغة العربية على الأراضي الفرنسية.
وزارة التربية والتعليم الفرنسية تطبق إجراءات جديدة من أجل التحكم في عملية تدريس اللغة العربية من دون التخلي عن السماح للمدرسين الأجانب لأسباب دبلوماسية أولا ومالية ثانيا، ذلك أنه سيكون على سلطات باريس تعويض ما لا يقل عن 850 مدرسا يعملون في فرنسا ويتولون تعليم اللغة العربية ولغات الدول الثماني الأخرى. قررت الوزارة ايضا أن تدرج تعليم اللغة العربية من الآن فصاعدا تحت «البرنامج الدولي للغات الأجنبية».
يجري في الفترة الراهنة التباحث من أجل التوصل إلى اتفاقيات جديدة مع الدول المعنية حتى يتسنى إدراج الضوابط الجديدة في تعليم اللغة العربية وغيرها من اللغات الأخرى على الأراضي الفرنسية. يجب على مدرسي اللغة العربية وغيرها من اللغات الأخرى أن يتحدثوا أيضا اللغة الفرنسية بطلاقة تامة كشرط اساسي وهو ما لا يتوافر في المدرسين الموجودين حاليا.
تشترط فرنسا في هذه الاتفاقيات الجديدة أن تتدخل في عملية انتداب المدرسين ومتابعة عملهم وتقييم مستواهم الأكاديمي والمهني بشكل دوري منتظم، إضافة إلى تقييم الطلاب الذين يحضرون هذه الدروس أيضا. سيتولى المغرب بداية من شهر سبتمبر 2016 تجربة هذا البرنامج التعليمي الجديد – وكذلك الأمر بالنسبة للبرتغال على أن يتم تنفيذ هذا البرنامج ليشمل التغيير كل اللغات المعنية بداية من سنة 2018.
يشكك أساتذة اللغة العربية في قدرة الوزارة على توفير الامكانيات والموارد اللازمة لمتابعة أساليب ومناهج تدريس اللغة العربية في كامل الأراضي الفرنسية. ففي الوقت الراهن لا يوجد سوى ثلاثة موجهين للغة العربية فقط وهم يجوبون الأراضي الفرنسية شمالا وجنوبا، شرقا وغربا في مهمة تكاد تكون مستحيلة.
يركز هؤلاء الموجهون على وجه الخصوص على المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية الحكومية والتي يدرس فيها 200 مدرس انتدبتهم هذه المرة الدولة الفرنسية بعد أن أخضعتهم للاختبارات، كما أنها تشترط حصولهم على شهادتي «الكابيس» و«التبريز» في اللغة العربية.
يتخوف هؤلاء المدرسون اليوم من الأساليب البيداغوجية التي تفرضها الوزارة والتي تقوم على التوجيه المفرط، الأمر الذي انعكس سلبا على مناهج تدريس اللغة العربية ودفع الكثير من الطلاب إلى الانقطاع عن مواصلة تعلم اللغة العربية في المرحلة الثانوية.
يقول البروفيسور ماثيو غيدار في معرض حديثه عن هذه المسألة: «يتمثل الجانب الأسوأ على الاطلاق في تدريس اللغة العربية بشكل عشوائي في صلب الجمعيات المرتبطة بالمساجد والتي تستقطب عشرات الآلاف من أطفال المهاجرين. ففي مثل هذه الأماكن يمكن لأي كان أن ينصب نفسه أستاذا متضلعا في اللغة العربية ويعتمد اساليب بالية لا تنمي الفكر وإنما تزيده انغلاقا».
تتجلى الهوة العميقة على وجه الخصوص في المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية حيث إن عدد الطلاب الذين يسجلون لدراسة اللغة العربية لا يتجاوز 11 ألفا وهم يمثلون نسبة 0.2% من العدد الاجمالي للطلبة.
تدهور وضع اللغة العربية في المدارس الفرنسية أيضا حتى أنها تحتل المرتبة السابعة في قائمة اللغات التي تدرس في المدارس والمعاهد الثانوية الفرنسية وهي تأتي بعيدا وراء اللغتين الصينية والروسية على سبيل المثال.
ما الذي يجعل أعداد الطلبة الذين يدرسون اللغة العربية متواضعا ومحدودا في وقت يتزايد فيها أعداد المهاجرين من بلدان المغرب العربي والتي تعتبر من أهم شركائنا التجاريين الذين يتمتعون بالأفضلية؟
أما المديرون في المدارس فإنهم لا يسعدون كثيرا بفتح أقسام لتعليم اللغة العربية في مؤسساتهم التعليمية، ذلك أن مثل هذه الأقسام ينظر إليها على أنها أقساما خاصة بأبناء المهاجرين، الأمر الذي يشوه صورته بما تحمله هذه العبارة من إيحاءات ورموز.
في العاصمة باريس، قليلة هي المعاهد الثانوية التي تدرج اللغة العربية ضمن اللغات الحية التي تطرح للطلاب الراغبين في تعلمها.
أظهرت الأرقام الاحصائية أن عديد المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية قد رفضت فتح أقسام خاصة بتعلم اللغة العربية. زينب قن أستاذة تعمل في معهد فولتير في العاصمة الفرنسية وهي لا تزال تذكر كيف أن المدير الجديد في المعهد الذي تدرس به قد بادر منذ اليوم الأول إلى اتخاذ قرار بإلغاء صفوف تعليم اللغتين العربية والبرتغالية حتى لا يكون معهد فولتير مؤسسة تعليمية تستقبل أبناء المهاجرين وأبناء العمال الأجانب الذين ينحدرون من بيئة أسرية واجتماعية متواضعة، إن لم تكن متدنية.
في المقابل تفخر بعض المؤسسات التعليمية الفرنسية بالاختلاط الكبير الذي تمتاز به من حيث تواجد عديد الجنسيات وتدريس عديد اللغات في بيئة تعليمية إيجابية. نذكر في هذا الصدد على وجه الخصوص معهد فيكتور هوغو في مدينة نانت فيما يخشى بعض السكان الفرنسيين تزايد مثل هذا الاختلاط وهم يستخدمون عبارات عنصرية مثل «الحثالة».
عمد مديرو بعض المدارس والمعاهد الثانوية في مدينة نانت إلى استراتيجية تعليمية أخرى تتمثل في إنشاء صفوف مشتركة بين مؤسساتهم لتعليم اللغة العربية وعدة لغات أخرى حية وقد وجدت هذه المبادرة ردود أفعال إيجابية حتى الآن.
رغم ذلك تظل اللغة العربية مهمشة ومشوهة الصورة وهي ضحية الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والعالم بصفة عامة حتى أن البعض بات يعتبر أن اللغة العربية قد تصبح «لغة الجيتو» في أحياء تعاني المؤسسات التعليمية فيها من هشاشة كبيرة.
تظل الأحكام المسبقة تلاحق اللغة العربية في فرنسا. عندما بدأت ماري فارين تدريس اللغة العربية سخر منها كثير من زملائها على سبيل الدعابة وسألوها: «هل أنت عربية؟». ففي أذهان الكثيرين في الغرب اللغة العربية لا تنفصل عن الإسلام. أما العامل الآخر الذي يحبط الطلاب ولا يشجعهم فهو يتمثل في صعوبة تعلم اللغة العربية الفصحى على وجه الخصوص.
رغم أن عدد الطلاب الذين يسجلون في أقسام تعلم اللغة العربية يزداد كل سنة في المدارس الاعدادية والثانوية – بحكم ازدياد أعداد أطفال العائلات المهاجرة فإن انتداب مدرسي اللغة العربية لا يتجاوز الأربعة في أفضل الأحوال سنويا.
تعتبر إحدى الموجهات اللائي تم تعيينهن مؤخرا أن اللغة العربية باتت حاضرة في أغلب المدارس الفرنسية وهي مدرجة إلى جانب عديد اللغات الأخرى مثل الانجليزية التي تعتبر نقطة عبور أساسية سواء للطالب الفرنسي أو لغيره من الطلاب في دول العالم الأخرى، من دون أن ننسى الألمانية والإسبانية والبرتغالية، إضافة إلى اللغة الصينية التي تشهد إقبالا متزايدا مثل صرعات الموضة.
الغريب أن تعليم اللغة العربية في المدارس الاعدادية والمعاهد الثانوية يثير الجدل بين مؤيد ورافض، غير أن تدريس اللغة العربية على المستوى الأكاديمي في الجامعات الفرنسية يجري على أحسن ما يرام.
هناك اليوم ما لا يقل عن 25 جامعة ومؤسسة أكاديمية عليا تطرح تعليم اللغة العربية على غرار دار المعلمين العليا وكلية الدراسات التجارية العليا وبولتكنك فرنسا وغيرها من المؤسسات والجامعات الفرنسية الأخرى المعروفة في العالم. يقبل الطلاب على دراسة اللغة العربية في مدرسة البولتكنك لأسباب «استراتيجية» علما أن المقاعد محدودة والمنافسة شديدة.
في جامعة باريس أغلب الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية يحلمون بالعمل بعد التخرج في مجال التجارة والسياحة الدولية في قطر والمملكة العربية السعودية أو الكويت. نسبة لا تتجاوز 5% من الطلاب تريد أن تتعلم اللغة العربية لمعرفة ثقافة عائلاتهم المهاجرة.
* قررت وزارة التربية والتعليم في فرنسا يوم الثلاثاء 31 مايو2016 إدراج اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج ابتداء من العام المقبل 2017، وسيتمكن التلاميذ الفرنسيون من اختيارها كلغة أجنبية. وقالت وزيرة التعليم الفرنسية نجاة فالو بلقاسم، ذات الأصول المغربية إن «تعليم اللغة العربية من الآن فصاعدًا سيدمج داخل المنظومة التربوية والتعليمية الفرنسية».

لوفيجارو






كلمات دالة

aak_news