العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

إيران «أكبر داعم للإرهاب» بعد سنة من الاتفاق النووي

بقلم: آلان رودييه

السبت ٠٢ يوليو ٢٠١٦ - 03:00



سَمّت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي الصادر مؤخرا إيران أنها أكبر دولة داعمة للإرهاب في العالم.
في نفس الوقت استبعد مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي أي تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الأزمة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط.
هذا يؤكد أن رفع العقوبات لم يسهم البتة في تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وأن هذا المسار سيكون طويلا ومؤلما.
هذا يؤكد أيضا أن سياسة «اليد المدودة» التي راهن عليها الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد تسقط برمتها في الماء.
أجرت مجلة أتلانتك الحوار التالي مع آلان رودييه، وهو ضابط سابق رفيع المستوى في جهاز المخابرات الفرنسية وقد أصبح يشغل منصب نائب مدير المركز الفرنسي للبحوث حول عالم المخابرات، وهو مكلف في هذه المؤسسة خاصة بملف الإسلام السياسي وعالم الجريمة المنظمة.
لقد سمت وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي الصادر مؤخرا إيران بالاسم كأكبر دولة داعمة للإرهاب في العالم، وذلك بعد أن خلنا أن التوقيع على الاتفاق النووي يوم 14 يوليو 2015 بين مجموعة 5+1 والجمهورية الإسلامية سيمهد الطريق لتطبيع العلاقات التاريخية بين واشنطن وطهران. فما هي هذه التنظيمات التي أسستها إيران بشكل أو بآخر وهي تتولى دعمها وتمويلها وتدريبها وتسليحها؟ ثم إلى أي أحد تتسبب إيران اليوم في زعزعة الأمن والاستقرار الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط عبر دعم التنظيمات الإرهابية في دول الجوار على جه الخصوص؟
- لا شك أن إيران كانت ولا تزال تستخدم ورقة الإرهاب كأداة ووسيلة عمل سواء في الداخل أو في الخارج. لقد عمد نظام المالي إلى وسيلة الإرهاب من أجل قمع أي معاضلة للنظام الثيوقراطي الحاكم في طهران سواء في الداخل أو في الخارج.
كان النظام في طهران ولا يزال يستهدف إذن في المقام الأول «العناصر المنحرفة والضالة» من الإيرانيين المناهضين لنظام ولاية الفقيه الذي أرساه الخميني كي يكرس الدولة الثيوقراطية ويفرض هيمنة رجال الدين عليها. في فرنسا لا بد أن نتذكر على سبيل المثال عملية الاغتيال التي راح ضحيتها يوم 6 أغسطس 1991 شابور بختيار، آخر رئيس حكومة في إيران في ظل نظام الشاه رضا بهلوي.
منذ الثورة الإيرانية الخمينية التي أطاحت بنظام الشاه الموالي للغرب –وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1979. تجلت نوايا الدولة الثيوقراطية الجديدة في استخدام ورقة الإرهاب وهو ما تجلى منذ البداية في اختطاف رهائن السفارة الأمريكية في طهران في الفترة ما بين 1979 و1981.
عُدَّت تلك العملية مثالا صارخا من العمليات الإرهابية المدبرة من نظام الملالي في طهران والموجهة ضد «أعداء الخارج» –أي الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة أعداء الخارج.
لا ننسى أيضا تلك الهجمات التي نفذت بأمر من نظام طهران في لبنان وخاصة تلك الهجمات الإرهابية التي استهداف ثكنات القوات الأمريكية والفرنسية يوم 23 أكتوبر 1983 والتي أقامت الدليل على أن الجمهورية الإسلامية الخمينية تلجأ فعلا إلى استخدام ما أصبح يسمى «إرهاب الدولة»– مقارنة بالإرهاب الذي تستخدمه الجماعات والمنظمات المستقلة عن الدول.
في نفس الوقت ظلت إيران تستهدف أيضا وبشكل منتظم عدوها «المعلن» من أجل ضرب إسرائيل ومصالحها في الخارج. تجلت أكبر هذه العلميات في ضرب مقر البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في العاصمة الأرجنتينية بيونس إيرس سنة 1992 إضافة إلى استهداف مقر إحدى المنظمات اليهودية (AMIA) في الأرجنتين سنة 1994.
تعود آخر هذه العمليات إلى يوم 18 يوليو 2012 في بلغاريا حيث قتل خمسة إسرائيليين وسائقهم، في عملية دامية أوقعت ما لا يقل عن اثنين وثلاثين جريحا. أما في منطقة الشرق الأوسط فإن نظام طهران قد ظل يكثف من العمليات المسلحة ضد الدولة العبرية وغيرها من الأهداف الأخرى – علما أن التنظيمات الفلسطينية الممولة من إيران هي التي تتولى تنفيذ هذه العمليات في أغلب الأحيان، إضافة إلى مليشيا حزب الله اللبناني والذي يعتبر ذراع الجمهورية الإسلامية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية على وجه الخصوص.
تتولى سلطات طهران على وجه الخصوص تمويل تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، إضافة إلى حركة حماس – حتى اندلاع الثورة السورية حيث توترت العلاقات بين طهران وهذه المنظمة الفلسطينية قبل أن تبدأ في العودة مجددا إلى سالف عهدها في الآونة الأخيرة. فقد أوقفت سلطات طهران –الحليف الأول لنظام دمشق– دعمها لحركة حماس بدعوى انها لم تساند بشار الأسد. استأنفت إيران بعد ذلك مساعدتها بعد أن بدأت حركة حماس تعود إلى مظلتها.
يعتبر حزب الله اللبناني ذراع الجمهورية الإسلامية في الشرق الأوسط والمنطقة العربية. يعتبر حزب الله أيضا «الواجهة المدنية» للنظام الثيوقراطي الإيراني في لبنان، حيث إنه يشارك بشكل مباشر في الحياة السياسية اللبنانية. إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا وأستراليا وإسرائيل: فإن عديد الدول في الشرق الأوسط والعالم العربي وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي تصنف حزب الله كمنظمة إرهابية.
أصدر الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية أيضا قرارات تعتبر بموجبها الجناح العسكري في مليشيا حزب الله تنظيما إرهابيا. يأتي هذا التصنيف كنتيجة مباشرة لتدخل حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا من سنة 2011. تفيد التقارير الميدانية بأن حزب الله يتكبد في سوريا خسائر بشرية فادحة وهو ما يعني أن هذه المليشيا المسلحة اللبنانية تقاتل في الصفوف الأمامية في سوريا. تكبد حزب الله أيضا ضربة موجعة بتصفية قائده الميداني العسكري مصطفى بدر الدين في انفجار كبير استهدف موقعا له بالقرب من مطار دمشق الدولي.
في خطوة أخرى اتخذ الأمريكيون قرارا باعتبار نظام بشار الأسد نفسه إرهابيا وقد حذت حذوهم أغلب الدول الغربية – وهو ما جعل إيران في الواجهة من جديد كدولة داعمة للإرهاب باعتبارها الحليف الأول لنظام دمشق.
في شهر سبتمبر 2015 بدأ التدخل العسكري الروسي في سوريا وراحت الطائرات الروسية تقصف مواقع المعارضة السورية بما في ذلك «المعارضة المدعومة الغرب».
صرح مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي مؤخر قائلا: «من الخطأ الجسيم أن نثق ببريطانيا والشيطان الأعظم... لن نتعاون أبدا مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الأزمات الإقليمية. إن أهدافهم تتناقض مع أهدافنا بنسبة 180 درجة مئوية». ألم يكن للاتفاق النووي ورفع العقوبات أي أثر على العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها؟ ألم يراهن الرئيس أوباما بكل سياسته الخارجية على ذلك؟ لماذا يصعب اليوم على هذه العلاقات بين واشنطن وطهران أن تقوم على التعاون والثقة المتبادلة دون الوصول إلى التطبيع الكامل بين البلدين؟
-على ذكر بريطانيا فقد اعتبرها علي خامنئي بمثابة «الشيطان».. جاء رد فعل سلطات طهران عقب صدور التقرير السنوي عن وزارة الخارجية الأمريكية. في الحقيقة فإن سلطات البيت الأبيض التي تفاوضت بكل إصرار من أجل إبرام الاتفاق النووي هي التي تسعى اليوم لتهدئة المواقف الغاضبة في إسرائيل والدول العربية – وخاصة منها دول مجلس التعاون الخليجي. إن التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية والذي يتهم إيران بدعم الإرهاب قد يكون مجرد ذر للرماد في العيون وقد يكون بمثابة «الثمن الذي يتعين على الادارة الأمريكية أن تدفعه» حتى تجعل الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط تبتلع هذه «الحبة» أي الاتفاق النووي – الذي يعتبر في مثل مرارة العلقم.
لا شك أن الثقة معدومة بين طهران وواشنطن والعكس أيضا صحيح بسبب التراكمات التاريخية العميقة، لذلك نحن اليوم أبعد ما نكون عن التعاون الحقيقي ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. بل إن الدول الأوروبية نفسها لا تزال تشعر بالريبة وانعدام الثقة، وهو ما يفسر تأخرها حتى الآن في الاستثمار بقوة في الاقتصاد الإيراني خوفا من اي عقوبات قد تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية مجددا.
ليس مستغربا أن تظل المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط متناقضة مع المصالح الإقليمية الإيرانية. فقد ابدت إدارة الرئيس أوباما رغبتها في تقليص وجودها في الشرق الأوسط من أجل التموقع بأكثر قوة في أقصى الشرق الآسيوي من دون المساس بأمن إسرائيل.
أما النظام الإيراني –الذي استفاد كثيرا من الأخطاء الأمريكية الاستراتيجية والتكتيكية الفادحة– فهو يريد أن يوسع نطاق نفوذه الذي يكرسه عبر الهلال الشيعي –الذي يضم طهران والعراق وجزءا من سوريا ولبنان– علما أن سلطات طهران تريد أن ترفع لواء القضية الفلسطينية على حساب العرب رغم أن الفلسطينيين هم في أغلبيتهم الساحقة من المسلمين السنة.
هل تؤدي التصريحات العدائية الصادرة عن علي خامنئي والإرهاب المدعوم من طهران إلى إعادة النظر في الاتفاق النووي المبرم بين مجموعة 5+1 ونظام طهران يوم 14 يوليو 2015- وخاصة بعد خروج الرئيس أوباما من البيت الأبيض إلى غير رجعة وانتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية؟ وفي الحالة؟
- يظل المرشد الأعلى علي خامنئي شخصية محافظة، لا يزال يرى في واشنطن «الشيطان الأكبر»، لذلك فإنه قد لا يتردد في إعطاء الأمر متى ما أراد لاستئناف العمل في البرنامج النووي الإيراني. أنا شخصيا أشك كثيرا في أن يكون نظام طهران –أو على الأقل جانبا كبيرا من رموزه – قد تخلوا فعلا عن البرنامج النووي.
لا شك أن الأمر الأهم بالنسبة إليهم هو أن يبقى هذا الأمر –أي استمرار العمل في البرنامج النووي– طي الكتمان. يتم تسويق الرئيس الحالي حسن روحاني – الذي انتخب في شهر يونيو من سنة 2013 – على أنه يمثل وجه «الاعتدال» للنظام الإيراني في العالم وهو بمثابة «الوجهة» التي قد تغطي على مواقف التشدد الذي يمثله معسكر علي خامنئي الذي يظل يمسك بكل مفاصل الدولة الثيوقراطية الإيرانية.
يعرف القاصي والداني أن حسن روحاني -ومختلف الرؤساء الذين سبقوه في نفس المنصب– لا يملك سلطة اتخاذ القرار النهائي بل إن علي خامنئي هو الذي يفعل ذلك. قد ينسى البعض بعض التفاصيل التاريخية المهمة لكن يجب أن نذكرهم بأن البرنامج النووي الإيراني قد انطلق من جديد بأكثر قوة في عهد الرئيس الأسبق المعتدل محمد خاتمي.
قد تكون إيران قد توقفت مؤقتا عن إجراء البحوث النووية غير أن البحوث المتعلقة بالصواريخ الباليستية لا تزال متواصلة. فقد أجرت سلطات طهران تجارب صاروخية في شهر مارس 2016 وهو ما دفع سلطات واشنطن إلى فرض عقوبات مالية جديدة على الجمهورية الإسلامية.
أمور كثيرة وقرارات مهمة ستتوقف الآن على الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية لأن الرئيس الحالي باراك أوباما بصدد حزم حقائبه للرحيل عن البيت الأبيض. في الوقت الحالي على الأقل لم يبد أي من المرشحين – سواء الجمهوري دونالد ترامب أو منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون اي اعتدال حيث إنهما يتنافسان على ميدان المحافظين الجدد من حيث طبيعة المواقف التي يعلنون عنها.
لا ننسى أن هيلاري كلينتون قد أيدت عندما كانت عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن بغزو العراق بدعوى تدمير برنامج أسلحة الدمار الشامل الذي زعم أن صدام حسين يعمل على تطويره في كنف السرية.
سيجد الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية ايضا على طاولته في المكتب البيضاوي منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض كمًّا كبيرا من المشاكل والأزمات الدولية وعددا كبيرا من الملفات الداخلية والخارجية الحارقة التي فشلت إدارة الرئيس أوباما في حسمها.
يتعين على الأمريكيين أن يتساءلوا: «من هو العدو؟»، ففي العراق يبدو أن عدو الولايات المتحدة الأمريكية هو نفس العدو الذي يواجهه نظام بغداد ونفس العدو الذي تستهدفه إيران التي تتدخل بشكل مباشر في العراق وخاصة في معركة الفلوجة. فقد تم تصوير قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني في أكثر من موقع في العراق وكان آخرها الفلوجة التي تسلط عليها الأضواء في الفترة الحالية.
يصنف قاسم سليماني وفيلق القدس في خانة «الإرهابيين» من قبل سلطات واشنطن كما أن مجلس الأمن الدولي قد فرض عليهما حزمة من العقوبات. هذا لم يمنع الجنرال سليماني من التردد على موسكو على مرأى ومسمع من الجميع.
في سوريا تطرح نفس المشكلة أيضا، إذ يصعب التمييز ما بين «الجماعات الإرهابية» والمعارضة المعتدلة التي تقاتل «النظام السوري الإرهابي» فيما تنتقد واشنطن سلطات موسكو لأنها تتعمد قصف مواقع الجماعات المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية فيما ترد موسكو بالقول إن الأمريكيين لم يقدموا لها المعلومات الاستخباراتية اللازمة.
يمكن تلخيص كل هذا الوضع المعقد بالقول إنه بات يصعب قراءة السياسة الخارجية الأمريكية في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما وهو ما اعترف به الدبلوماسيون والمحللون الأمريكيون أنفسهم وما دلت عليه تلك العريضة الموقعة من عشرات الدبلوماسيين العاملين في وزارة الخارجية والذين طالبوا بقصف مواقع النظام السوري، وهو ما يعني الدخول في حرب غير مباشرة ضد روسيا في سوريا.
لا شك أيضا أن النتائج التي ستسفر عنها الانتخابات الرئاسية الأمريكية قد تحمل في طياتها الكثير من المخاوف، حيث إن المحافظين الجدد سيكونون حاضرين بأنفسهم أو من خلال خطابهم وأطروحاتهم في الإدارة الأمريكية القادمة. علينا ألا نعطي الدروس لغيرنا، فالسياسة الخارجية الفرنسية نفسها باتت بدورها صعبة القراءة.
أتلانتك






كلمات دالة

aak_news