العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

شرق و غرب

إيران بعد سنة من الاتفاق النووي

بقلم: جون بيير بوردي

الجمعة ٠١ يوليو ٢٠١٦ - 06:25



ظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تبعث بإشارات متناقضة تنم عن نية مبيتة في استخدام السياسات المزدوجة. فقد وقعت من ناحية أولى يوم 14 يوليو 2015 اتفاقا مع مجموعة 5+1 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، «تتخلى» بموجبه عن برامجها النووية ذات الأبعاد العسكرية.
تزامن ذلك «الانفتاح» الظاهري على الغرب مع تصعيد التغلغل الإيراني في الشرق الأوسط من خلال تنامي انتشار القوات الإيرانية في كل من العراق وسوريا وتصعيد في المواقف ضد دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية.
يجب أن ننوه منذ البداية إلى الدور الكبير الذي لعبته سلطات واشنطن بقيادة الرئيس باراك أوباما في التوصل إلى الاتفاق النووي بدعوى رغبة الإدارة الأمريكية في تحويل «الجمهورية الإسلامية إلى قوة واقعية ومسؤولة في منطقة الشرق الأوسط».
إن إيران التي يريدها الرئيس باراك أوباما «قوة إقليمية واقعية ومسؤولة» هي نفسها التي ظلت تقدم دعما سياسيا وعسكريا لا محدودا لنظام حليفها الأساسي في الشرق الأوسط الرئيس السوري بشار الأسد بالتنسيق مع موسكو وهي أيضا التي تحشد المليشيات الشيعية الراديكالية وتواصل خطابها «المعادي للامبريالية» كما أنها هي التي أحيت من جديد الفتوى التي أهدرت دم الكاتب سلمان رشدي.
لا تزال إيران حتى اليوم، وبعد مرور قرابة السنة على إبرام الاتفاق النووي، تعطي الانطباع بأنها الدولة المنبوذة التي يصعب مخالطتها. فقوات «الباسدران» - أي الحرس الثوري الإيراني - وخاصة منها فيلق القدس الذي يقوده الجنرال قاسم سليماني - تعكس طبيعة السياسات التي تنتهجها سلطات طهران والتي تقوم أساسا على تقويض أمن واستقرار دول الجوار.
لقد ظلت الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها سنة 1979 تعزف على كل الأوتار وتعتمد أكثر من خطاب، سعيا لفرض نفسها كقوة «غير معترف بها» في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من التوترات والصراعات والحروب وانعدام الأمن والاستقرار.
رغم أهميته التي لا يمكن إنكارها يجب ألا نعطي الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة 5+1 قيمة أكثر من قيمته. لا شك أيضا أن هذا الاتفاق النووي لعب دورا سلبيا في تأجيج الحرب الباردة بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية كما أن هذا الاتفاق أطلق العنان لإيران التي أصبحت أكثر حضورا إقليميا، كما أنها تتدخل اليوم في الصراعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من العراق إلى سوريا ومن لبنان إلى اليمن، وصولا إلى البحرين. يجب أيضا ألا نغفل عن التقارب الاستراتيجي وغير المسبوق بين إيران وروسيا.


ما مصداقية الاتفاق النووي المبرم يوم 14 يوليو بين مجموعة 5+1 ونظام الملالي الثيوقراطي في طهران؟
بدأت أزمة البرنامج النووي الإيراني سنة 2002، في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن وقد أجج التوترات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران التي عادت إلى عزلتها الدولية الخانقة كما فرضت عليها عقوبات دولية متنامية الشدة.
ظل خبراء الجغرافيا السياسية في الغرب يحذرون من خطر البرنامج النووي الإيراني فيما سعت أطراف أخرى إلى توظيف الملف النووي الإيراني سياسيا. قد يجدر بنا أن ننظر إلى خلفية هذا البرنامج النووي الإيراني.
أطلق البرنامج النووي الإيراني في حقيقة الأمر في عهد نظام الشاه السابق في فترة الخمسينيات وذلك بمساعدة الدول الغربية نفسها على أن يتم حصره في الجانب المدني، لكن اتضح فيما بعد أن المشروع ينطوي على قدرات عسكرية.
باعتبار إيران دولة عضوة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقد وقعت وصدقت على معاهدة منع الانتشار النووي سنة 1970 كما وقعت أيضا على البروتوكول الإضافي سنة 2003.
غداة الثورة أعلنت سلطات طهران عبر الخميني تخليها عن كامل المشروع النووي العسكري باعتباره «متنافيا مع الإسلام» غير أن الجمهورية الإسلامية تراجعت عن ذلك الموقف بعد ذلك في كنف السرية واتخذت موقفا آخر مغايرا في إطار منطق «القومية النووية الجديدة» في طهران.
استخلصت سلطات طهران عدة «دروس مستفادة» من حرب الأعوام الثمانية التي خاضتها ضد العراق بقيادة صدام حسين ما بين عامي 1980 و1988, ظلت سلطات طهران تقول أيضا إن عدة دول غير موقعة على معاهدة منع الانتشار النووي –ولا تخضع بالتالي لآليات المراقبة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة– قد أصبحت دولا نووية بمساعدة القوى النووية الكبرى في العالم.
تعني إيران بهذا الكلام أساسا إسرائيل (التي طورت السلاح النووي وأصبحت دولة نووية غير معلنة منذ سنة 1967) إضافة إلى الهند وباكستان وكوريا الشمالية البعيدة عن الجوار الجغرافي الإيراني. تبين بعد ذلك أن إيران ارتبطت بعلاقات قوية مع كوريا الشمالية في مجالي الأسلحة النووية العسكرية وبرامج الصواريخ الباليستية.
في سنة 2002، بدأ الحديث يكثر عن «البعد العسكري» للبرنامج النووي الإيراني وسط عدة فرضيات. فقد اعتبرت إحدى القراءات الاستراتيجية أنه كان يبحث عن امتلاك القنبلة النووية بأسرع وقت ممكن حتى يحافظ على وجود الدولة الثيوقراطية الخمينية مع امتلاك صاروخ بعيد المدى وقادر على حمل رؤوس نووية «من أجل محو إسرائيل من الخريطة»، علما أن البسدران أو الحرس الثوري هو الذي ظل يدير الملف النووي منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أما القراءة الثانية فيمكن أن نسميها «قراءة ديغولية» نسبة إلى الجنرال شارل ديغول في موقفه من القوة النووية الفرنسية حيث إنه كان يعتبر أن القنبلة النووية هي أساسا «قنبلة قومية» تندرج في إطار الردع وتأمين وحماية أراضي الجمهورية الفرنسية والذود عن مصالحها.
نحن نعلم جيدا أنه بالنسبة للجنرال شارل ديغول أنه يعتبر السلاح النووي من العناصر الأساسية التي تصنع قوة الدولة والأمة.
لقد استحوذت إيران بدورها على مثل هذا المنطق «الديغولي» من أجل بلورة استراتيجية هدفها التحول إلى أهم قوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط.
أما الفرضية الثالثة فيمكن أن نسميها «نظرية العتبة». وفق هذه النظرية أو الفرضية التي لم تحظ باهتمام كبير من المحللين والخبراء والكتاب فإن إيران قد يكون هدفها الأساسي الوصول إلى عتبة صنع القنبلة النووية والتركيز في مرحلة أولى على امتلاك التقنية النووية وتطوير القدرات النووية العسكرية من دون الوصول إلى حد امتلاك السلاح النووي نفسه.
في مرحلة ما بعد سنة 2002، أصبحت إيران تركز في إستراتيجيتها على تأكيد حقها في امتلاك التقنية النووية للأغراض المدنية السلمية مع التمسك بإنكار امتلاك سلطات طهران لأي برنامج نووي عسكري سري في نفس الوقت الذي كانت تسابق فيه الزمن وتبني منشآت تخصيب اليورانيوم وتزودها بالمئات من أجهزة الطرد المركزي.
على مدى الأعوام الماضية برهن الإيرانيون على قدرة كبيرة على المراوغة وكسب الوقت حيث إنهم تعمدوا تمطيط المفاوضات إلى ما لا نهاية من دون تقديم أي تنازلات سعيا لاستنزاف المفاوضين في الغرب وكسب الوقت اللازم والمضي قدما في تطوير البرنامج النووي - بناء على أوامر علي خامنئي. تعرضت إيران لدفعات متتالية من العقوبات التي شددت الخناق على مفاصل الاقتصاد الإيراني - وخاصة بداية من سنة 2012 عندما منعت سلطات طهران من الوصول إلى الشبكات المصرفية والمالية الدولية.
ما الذي جعل إيران توقع على البرنامج النووي الإيراني مع مجموعة 5+1 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؟
قد يجدر بنا أن نطرح هذا السؤال ونحن نقترب من الذكرى السنوية الأولى لإبرام الاتفاق النووي في فيينا يوم 14 يوليو 2015.
لم يكن هناك آنذاك أي شك بأنه إذا ما أعطى المرشد الإيراني علي خامنئي الضوء الأخضر لإبرام الاتفاق النووي فلكونه يريد أن يخرج وبلاده من العزلة الناجمة عن العقوبات الدولية المشددة. فالبيئة المعقدة التي تتسم بها تركيبة نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية والأسلوب الغامض والخطاب المزدوج وغيرها من العوامل الأخرى لا تحجب عنا هذه الحقيقة -أي حقيقة أن إيران كانت تريد الخروج من عزلتها الدولية بأخف الأضرار- كما أنها كانت تدرك أنه من مصلحتها أن تفعل ذلك في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما لأن هذه الفرصة قد لا تكرر لها مرة ثانية.
عقب رفع العقوبات بمقتضى الاتفاق النووي المبرم بين مجموعة 5+1 ونظام طهران يوم14 يوليو 2016 في فيينا أدى الرئيس الإيراني حسن روحاني أول زيارة رسمية يقوم بها زعيم إيراني إلى أوروبا منذ سنة1999, فقد حل يوم 27 يناير 2016 في زيارة رسمية لفرنسا. فهل تعني هذه الزيارة أن إيران ربما أصبحت دولة يسهل للغرب التعامل معها؟
وفق تركيبة نظام الحكم في طهران نجد أن علي خامنئي هو الذي يستأثر لنفسه بكل الملفات التي تتعلق بالأمن القومي والسياسيات الخارجية، سواء من خلال مكتبه أو من خلال بقية الأجهزة الأمنية.
أما رئيس الجمهورية -حسن روحاني في الوضع الحالي- فإن له هامشا معينا من المناورة لكن يجب عليه ألا يتجاوزه. فهو يتحرك ويناور ويمارس عمله وفق الصلاحيات والحدود التي يرسمها علي خامنئي.
انتخب حسن روحاني رئيسا لإيران في شهر يونيو 2013 - أي أنه مر حتى الآن ثلاثة أعوام على وجوده في كرسي الرئاسة وهو رجل خرج من رحم نظام ولاية الفقيه كما أنه شغل منصب الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني على مدى ست عشرة سنة كاملة في الفترة ما بين 1989 و2005 بما يعني أن له حسا أمنيا واستخباراتيا.
عندما كان حسن روحاني يفاوض الغرب حول البرنامج النووي الإيراني لم يكن بالمرة يلبس عباءة رجل السياسة المعتدل أو يعطي الانطباع بأنه على قطيعة مع نظام طهران القائم على الولاء التام لنظام ولاية الفقيه الذي أرساه الخميني حتى يضمن هيمنة طبقة رجال الدين وحلفائها على الحكم.
كان الهدف من وصول حسن روحاني إلى منصب الرئاسة هو إخراج إيران من الخطاب «العدواني والتأمري والصدامي» الذي كان ينتهجه سلفه محمود أحمدي نجاد والذي عمق أزمة الجمهورية الإسلامية وزاد من حدة التوتر مع دول الجوار والغرب.
كان على حسن روحاني أن يتحرك وفق ضوابط وحدود مرسومة من علي خامنئي -أي الحفاظ على الأسس المركزية للمركزية للاستقلال الوطني والحصول على أقصى ما يمكن من التنازلات من الغرب بما يسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية من دون المساس بنظام الحكم في طهران أو التأثير في المجتمع.
يجب القول أيضا إنه لولا إدارة الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما لما تخلصت إيران من عزلتها ولما أبرمت الاتفاق النووي مع مجموعة 5+1 بقيادة واشنطن، ولما استطاعت الحصول عل كل تلك التنازلات التي أزعجت الدول العربية وخاصة منها الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية ولما تمددت إيران في الشرق الأوسط والمنطقة العربية. فقد تبنى الرئيس أوباما سياسية «اليد الممدودة» التي بعث بها إلى القادة الإيرانيين في ربيع سنة 2009 لتهنئتهم بعيد النيروز.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية حتى وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض تعتمد على سياسية العقوبات الصارمة والمشددة على إيران غير أن الإدارة الجديدة أبدت منذ البداية رغبة في الانفتاح على الجمهورية الإسلامية وقد تلقفت طهران الرسالة وفهمت أنها قد تكون فرصتها من أجل الخروج من عزلتها والحصول على التنازلات وتعزيز دورها الإقليمي مع لعب ورقة عامل الوقت.
لقد ظلت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مقطوعة منذ سنة 1980 غير أن سلطات واشنطن في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما دخلت منذ سنة 2011 في محادثات سرية جانبية مع نظام طهران وقد جرت بعض جولات هذه المفاوضات السرية في العاصمة العمانية مسقط بوساطة من سلطان عمان منذ ربيع 2013، أي حتى من قبل انتخاب الرئيس الحالي حسن روحاني، المحسوب على «الإصلاحيين والمعتدلين».
في الحقيقة، أظهرت بعض الوثائق التي نشرت مؤخرا أن القنوات الخلفية السرية لم تكن يوما مقطوعة بين واشنطن وطهران في ظل نظام الخميني. على سبيل المثال أرسل الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجن كعكة عيد ميلاد إلى الخميني كما أبرم مع نظام طهران صفقات أسلحة سرية من أجل تسهيل إطلاق سراح الرهائن المختطفين في بيروت بلبنان.
أراد الرئيس باراك أوباما أن يدشن عهدته الرئاسية الثانية في البيت الأبيض الأمريكي بتحقيق اختراق دبلوماسي في إيران ثم في كوبا بعد أن فشلت دبلوماسيته فشلا ذريعا في تحقيق أي إنجاز يذكر في منطقة الشرق الأوسط.
عمل الرئيس أوباما على إعادة بناء التحالفات والعلاقات الدبلوماسية التي تربط بين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض المناطق الحيوية الأخرى في العالم، غير أن الشرق الأوسط والمنطقة العربية هي التي قد تكون الأكثر تضررا من سياساته التي رأت فيها الدول الخليجية على وجه الخصوص خطرا يهدد أمنها واستقرارها وتعزيزا للدور الإقليمي الإيراني. (يتبع)
j أكاديمي وباحث - دار المعلمين العليا - فرنسا

بوليتيك إنترناشيونال




كلمات دالة

aak_news