العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

شرق و غرب

الغرب يخوض حربا غير متكافئة

الثلاثاء ٢١ يونيو ٢٠١٦ - 04:00




ظل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا «داعش» يفقد المزيد من الأراضي التي يسيطر عليها سواء في سوريا أو العراق، وصولا إلى ليبيا التي استباحها واستولى على الكثير من مناطقها وخاصة منها مدينة سرت.
تعتبر مدينة الرقة السورية المعقل الرئيسي لهذا التنظيم وقد باتت اليوم هدفا لهجومين اثنين. فالأكراد العلمانيون يقود هجوما من الشمال ضد تنظيم «داعش» فيما يقود الهجوم الثاني الجيش النظامي السوري من الجنوب الغربي، بدعم من روسيا.
بدعم من القوات الخاصة الأمريكية بدأت قوات البشمركة الكردية معركة استعادة مدينة «منبج» التي يصل عدد سكانها إلى 100000 نسمة والتي تمتاز بموقعها الاستراتيجي في الضفة اليمنى لنهر الفرات وذلك من أجل قطع كل طرق الإمداد القادمة من تركيا إلى تنظيم داعش.
في العراق بدأ الجيش العراقي معركة استعادة مدينة الفلوجة، مدعوما من المليشيات الشيعية والطائرات الحربية الأمريكية. أما في ليبيا فإن القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فائز السراج بدعم من منظمة الأمم المتحدة قد بدأت بدورها تشن حملة عسكرية ضد معقل تنظيم داعش في مدينة سرت وقد نجحت حتى الآن في تقليص المواقع التي يسيطر عليها.
لم يصل الأمر اليوم إلى مرحلة تشتيت تنظيم داعش والقضاء عليه. لا أحد يدري من هي القوة العسكرية التي ستجازف اليوم باقتحام مدينة الموصل، العاصمة المعلنة لتنظيم داعش والتي تعتبر ثاني أكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد. ورغم ذلك فإن تنظيم داعش قد أصيب بانتكاسات عسكرية كبيرة خلال الفترة القليلة الماضية.
وبالمقابل فإن تنظيم داعش ظل يحقق اختراقات كبيرة على مستوى الحرب الاعلامية التي تكتسي بدورها أهمية استراتيجية كبيرة وهو ما اعترفت به الدول الغربية نفسها.
يمكن لتنظيم داعش أن يزعم عبر الحرب الإعلامية أنه بصدد نقل «الحرب المقدسة» إلى قلب العدوّ وهو ما أكده إثر الهجوم الإرهابي الذي نفذه الأمريكي من أصل أفغاني عمر متين ضد الملهى الليلي في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية، وهو ما تسبب في أكبر مجزرة تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية من حيث عدد القتلى منذ هجمات 11 سبتمبر 2011.
لقد ظل تنظيم «داعش» يستخدم عبارة «غزوة» في حديثه عن كل عملية إرهابية تنفذ باسمه على غرار العملية الأخيرة التي هزت مدينة أورلاندو الأمريكية. لا يخفى على أحد أيضا أن كلمة «غزوة» حبلى بالمعاني والدلالات والإيحاءات التاريخية والدينية. في التقاليد التاريخية الإسلامية، اقترنت كلمة «غزوة» بالعمليات العسكرية التي كان يشارك فيها النبي شخصيا.
بعد القرن السابع اتسع مدلول كلمة «غزوة» ليشمل كل حرب أو معركة هدفها رفع راية الدين الإسلامي. بطبيعة الحال، في ظل العولمة الزاحفة على الأخضر واليابس أصبحت وسائل الإعلام والعالم الرقمي الافتراضي يسيطران على حياة الشعوب، وهو ما يمكن مثل هذه التنظيمات التي تنظر للعنف وتمارسه من نقل رسالة العنف والدم والارهاب إلى ملايين النساء والرجال والشيب والشباب والأطفال في العالم. هنا بالذات يكمن النجاح الحقيقي الذي تحقق لتنظيم داعش.
مدريد، لندن، باريس، بروكسل، سان برناردينو وصولا إلى أورلاندو في ولاية فلوريدا الأمريكية.. تتعاقب المذابح وتتكرر الأسئلة عن هذه الجرائم والمذابح الجماعية التي ترتكب باسم الدين.
لا شك أن الغرب يبدو وكأنه لا يملك حيلة في مواجهة هذه المذابح الجماعية التي ترتكب على أرضه باسم الدين. يعود الأمر إلى اختلاف كبير وتباين كامل في الموقف من المسألة الدينية في الدول الغربية. فالدول الغربية الحديثة تعتبر أن المسألة الدينية تدخل في سياق الحياة الخاصة.
ترى الغربيين يردون على هذه المذابح على طريقتهم فيشعلون الشموع ويقيمون الجنائز ومواكب التأبين ويتعانقون ويقفون دقيقة صمت ويخرجون في المظاهرات ضد العنف والإرهاب والقتل باسم الدين ويلقون الخطب ويشاركون في البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية.
إن هذه التنظيمات الإسلامية الجهادية -وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا داعش- تفرض اليوم على الغرب حربا غير متكافئة وهي تستفيد من الأدوات التي استحدثتها الغرب كي تستخدمها ضده في حربها التي تتجاوز اليوم مجرد الحرب الميدانية والجغرافية لتصل إلى الحرب الإعلامية.
لقد أصبح الجهاديون العالميون الذين يتوزعون في الكثير من دول العالم يتقنون اليوم استخدام ما صنعه الغرب من انترنت وهواتف نقالة ووسائل التواصل الاجتماعي وحرية التعبير وسيادة القانون وهم يوظفون هذه الأدوات العظيمة في معركة الموت ضد الغرب.
لا شك أن الغرب عانى طويلا من التخلف والمذابح والحروب الدينية والصراعات الاجتماعية والعقائدية, كما أن الغرب عانى طويلا من نظريات وأيديولوجيات الموت والخراب. ففي القرن العشرين نجحت الحرب في القضاء تباعا على مختلف النظم الدكتاتورية والشمولية مثل الفاشية والنازية والشيوعية وغيرها.
أما اليوم فإن الغرب يواجه الأيديولوجيات الدينية والعقائدية التي لا تفهم لغة العقل والمنطق، وهي لا تتراجع أو تظهر أنها تخافنا أو تهاب دباباتنا وطائراتنا الهجومية القتالية وبوارجنا الحربية وصواريخنا.
يجب علينا أن ندرك الحقيقة ولا تأخذنا الأوهام بعيدا. فالدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام -داعش- قد يكون فقد بعض المواقع الجغرافية في بلاد ما بين النهرين أو في بلاد الشام غير أنه أثبت قدرة كبيرة على ضرب العواصم الغربية متى ما شاء وأينما أراد.
إن تنظيم داعش وغيره من الجماعات الأخرى تجد اليوم تربة خصبة في الجاليات العربية والإسلامية التي تعيش في الغرب -أي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية- والتي عمل الغرب على تهميشها على مدى العقود الماضية. إن نشر آلاف الجنود ورجال الشرطة وتشديد المراقبة الأمنية قد لا يجديان نفعا.
هل نملك اليوم في الغرب الأجوبة السياسية والأخلاقية والروحية والروحانية والتكتيكية والاستراتيجية التي تمكننا من مواجهة هذه الحرب غير المتكافئة ضد التنظيمات المتطرفة والإرهابية؟
كلا نحن في الغرب لا نملك الأجوبة اللازمة عن مثل هذه التساؤلات. لذلك أخشى أن نتحول نحن أيضا في الغرب إلى وحوش وبرابرة.
لوفيجارو






كلمات دالة

aak_news