العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

الشعب الأمريكي رهين ثقافة السلاح

بقلم: نيكولا دي كريستوف

الثلاثاء ٢١ يونيو ٢٠١٦ - 04:00



مذبحة جماعية أخرى تهز الولايات المتحدة الأمريكية ومواقف وردود أفعال أخرى مألوفة لا تخرج عن حكم العادة. تصريحات كثيرة بليغة ومؤثرة مليئة بعبارات الشجب والتنديد والإدانة ليخبو كل شيء بعد ذلك وننسى ونعود إلى طاحونة الشيء المعتاد.
لقد كنا نعلم من قبل أنه لا شيء سيحدث ولا شيء سيتغير بعد كل مذبحة تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن نعلم اليوم أنه لا شيء سيحدث ولا شيء سيتغير بعد مجزرة ملهى أورلاندو الأخيرة.
خلال العقدين الماضيين، أي منذ نهاية التسعينيات على وجه التحديد، شهدت كندا المجاورة ثماني عمليات قتل جماعية استخدم فيها السلاح. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد شهدت في الفترة نفسها ما لا يقل عن عشرين عملية قتل جماعية مماثلة منذ نهاية التسعينيات.
بطبيعة الحال، عدد السكان في كندا أقل بكثير من عدد السكان في الولايات المتحدة الأمريكية, كما أن المقاييس التي يستخدمها الباحثون في كلا البلدين تختلف اختلافا طفيفا، غير أن الأمر له مع ذلك دلالة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالسلامة العامة، أي سلامة الناس من القتل والعنف وثقافة السلاح على وجه التحديد.
هل صحيح -مثلما يزعم المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية دونالد ترمب- أن الخطر الداهم الذي يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية يأتينا من المسلمين دون سواهم؟ على العكس من ذلك، وعلى عكس ما يزعمه دونالد ترامب فإن الكنديين يتمتعون بقدر أكبر من الأمن والسلامة الشخصية وذلك رغم أنهم يستقبلون عددا أكبر من اللاجئين المسلمين.
تظهر الأرقام الإحصائية أن كندا استقبلت حتى الآن أكثر من 27 ألف لاجئ سوري مسلم منذ شهر نوفمبر 2015، وهو ما يمثل عشرة أضعاف عدد اللاجئين المسلمين الذين استقبلتهم الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن.
بلغة الأرقام والنسب المائوية أيضا، يمثل المسلمون في كندا نسبة 3,2% من العدد الإجمالي لسكانها، فيما يشكل المسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية نسبة تناهز 1% من إجمالي عدد السكان، ورغم ذلك لم تشهد كندا أي مذابح مثل تلك التي حدثت قبل بضعة أيام في الملهى الليلي الذي يرتاده المثليون في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا، أو المجزرة التي شهدتها مدينة سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا. إذا قد لا تكون المسألة متعلقة بالمسلمين بقدر ما تتعلق بثقافة السلاح التي بدأت تخرج عن السيطرة.
لقد نشأت في ضيعة يتوافر فيها السلاح بطبيعة الحال. في صباح أحد الأيام، عندما كنت في العاشرة من عمري على وجه التحديد، استيقظت فجرا على صياح الدجاج ورأيت ثعلبا يهرب بعيدا وهو يحمل إحدى دجاجاتنا في فمه وكأنه ظفر بفريسته واطمأن عليها. عندها صوب أبي سلاحه عيار 3,08 مم بعد أن فتح النافذة وأطلق طلقتين.
لم يصب الثعلب غير أنه تخلى عن الدجاجة وهرب. قامت الدجاجة، ونفضت ريشها وكأن شيئا لم يكن ثم عادت إلى مدجنتها. إذا استخدم السلاح بالطريقة الصحيحة فإنه يؤدي الغرض ويحقق الهدف المنشود.
مشكلتنا أننا لا نبذل أي جهد حقيقي من أجل منع دعاة العنف من الحصول على السلاح واستخدامه. قد يكون من المفيد الاطلاع على هذه المعطيات التالية حتى نلم أكثر بحقيقة المشكلة التي نواجهها:
o إن عدد الأمريكيين الذي ماتوا بسبب الأسلحة منذ سنة 1970 – بمن فيهم المنتحرين بالسلاح – يفوق عدد كل الأمريكيين الذين قتلوا في كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية على مدى تاريخها، وصولا إلى الثورة الأمريكية ضد الانجليز.
o تعتبر الحرب الأهلية أشرس وأعنف الحروب التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية على مدى تاريخها وأكثرها دموية غير أن عدد الذي يقتلون سنويا بالسلاح – بما في ذلك المنتحرون منهم – يفوق عدد الذين قتلوا كل سنة خلال الحرب الأهلية الأمريكية. فخلال سنوات الحرب الأهلية كان الناس يموتون بسبب الأمراض أكثر مما يموتون بسبب السلاح.
o في الولايات المتحدة الأمرّ يقتل من الأطفال ممن هم دون سن الرابعة -أي قبل الدخول إلى المدرسة- أكثر مما يقتل من رجال الشرطة سنويا.
لقد فرضت كندا عدة إجراءات مشددة تجعل من الصعب على أي شخص مصنف بالخطر أن يحصل على سلاح، حيث إن التركيز لا يسلط على منع الأسلحة بقدر ما يسلط على كيفية منع الأشخاص الخطرين من الحصول على سلاح عبر تشديد الإجراءات.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإننا نفتقر إلى مثل هذه الإجراءات المشددة. فقد أظهرت دراسة ينتظر أن تصدر عن جامعة هارفارد الأمريكية العريقة أن 40% من عمليات بيع الأسلحة للأفراد لم تحظ بأي عملية تثبت في شخصية المشترين.
لا يمكن أن نحول دون عمليات القتل الناجم عن الأسلحة مثلما أنه يصعب علينا أن نحول دون الحوادث المرورية. يكمن التحدي الحقيقي في الإرهابيين الذين ينشأون داخل الولايات المتحدة الأمريكية مثل الإرهابي الذي قتل بمفرده 49 من مرتادي الملهى الليلي في مدينة أورلاندو في ولاية فلوريدا الأمريكية.
يقدر الخبراء أنه إذا بذلت جهود جدية من أجل خفض العنف المرتبط بالسلاح فإن ذلك سيسهم في خفض أعداد قتلى السلاح بنسبة الثلث، وهو ما يعني إنقاذ أكثر عشرة آلاف شخص من الموت سنويا.
كيف يمكن السماح لشخص بشراء سلاح ناري من دون التدقيق في خلفيته والتثبت من سجلاته وتاريخه؟
إذا كنا نريد أن نتفادى المذابح وعمليات القتل الجماعية -على غرار تلك التي شهدتها مدينة أورلاندو مؤخرا- فإنه يتعين أن نتوخى الحيطة والحذر ونشدد الإجراءات حتى نحول دون تسلل المنضمين والمبايعين لتنظيم «داعش» من خلال مثل هذه الثغرات القانونية أو تلك الثغرات الناجمة عن عدم تطبيق القانون. لا يتعلق الأمر فقط بالأمريكيين الذين تسمموا في الدخل بداء الإرهاب وارتكبوا عملية قتل جماعية راح ضحيتها العشرات.
لعل ما يثير السخط أن الكونجرس الأمريكي لا يدرك على ما يبدو مدى خطورة هذه المشكلة ولا يرى أي مندوحة في السماح للأشخاص الخطرين بشراء الأسلحة الفردية. فقد أظهرت الأرقام الإحصائية أن أكثر من 200 شخص في قائمة الإرهاب نجحوا على مدى الأعوام الثلاثة الماضية في شراء الأسلحة الفردية. إننا نساعد تنظيم داعش عندما نسمح لأمثال قاتل أورلاندو -الذي تم التحقيق معه أكثر من مرة باعتباره يمثل تهديدا إرهابيا- بأن يتمكنوا من شراء سلاح ناري من نوع Sig Sauer MCX وسلاح آخر من طراز Glock 17 في يومين متتاليين.
إن الأغلبية الساحقة من المسلمين في العالم مسالمون, كما أنه من الظلم تحميل الدين الإسلامي المسؤولية عن الهجمات الإرهابية، ومن بينها المجزرة الجماعية في مدينة أورلاندو الأمريكية. يجب أن نحاسب تلك الدول التي تروج للتطرف والتعصب مثلما يجب أن نحاسب أولئك السياسيين الأمريكيين الذين لا يخجلون من توظيف مثل هذه الأحداث الماساوية من أجل بث التعصب والكراهية، نعم أعني تحديدا دونالد ترامب ومن لفّ لفّه.
عندما يجعل دونالد ترامب من المسلمين كبش فداء فإنه إنما يلحق الضرر بأمننا القومي، لأنه يؤكد بذلك الدعاية التي يبثها تنظيم داعش. علمنا التاريخ أن التطرف من هذا الجانب إنما يزيد المتطرفين على الجانب الآخر تطرفا على تطرف. فالتطرف يولد من رحم تطرف أكبر.
يتعين على المسلمين من مختلف أنحاء العالم أن يقفوا في وجه المتطرفين الذين ينفثون سموم الكراهية وانعدام التسامح ونبذ الآخر. كذلك يتعين علينا نحن الأمريكيين أن نقفَََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََََ في وجه متطرفينا من المواطنين الأمريكيين الذي يفعلون الشيء نفسه.

نيويورك تايمز






كلمات دالة

aak_news