العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

هل تعاني الرياضة الفرنسية من العنصرية؟

بقلم: وليام جاسباريني

الخميس ٠٩ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



أثار اللاعب الفرنسي الجزائري الأصل، كريم بنزيما، ضجة كبيرة عندما اتهم المدرب ديدييه ديشان بالعنصرية بعد أن استبعده من تشكيلة المنتخب الفرنسي الذي سيخوض غمار البطولة الأوروبية للأمم لكرة القدم لسنة 2016 في فرنسا.
اتخذت تلك التصريحات أبعادا كبيرة ودخلت أطراف أخرى كثيرة زادت من حدة الجدل وعمق النقاشات. فقد اعتبر بعض المحللين أن ديدييه ديشان قد يكون قد خضع في اختيار تشكيلة المنتخب الذي يدربه لضغوط من أطراف فرنسية عنصرية.
في الحوار الذي أجرته معه صحيفة الجارديان البريطانية بتاريخ 26 مايو 2016، اعتبر اللاعب الفرنسي السابق الذي تألق في صفوف مانشستر يونايتد إريك كانتونا أن ديدييه ديشان قد استبعد كريم بنزيما وحاتم بن عرفة بسبب «جذورهما الشمال إفريقية... حاتم بن عرفة وكريم بنزيما هما من جذور شمال إفريقية بكل تأكيد. فباب الجدال مفتوح إذن».
تحولت النقاشات بسرعة إلى جدل متصاعد وخاصة بعد التصريح الذي أدلى به كريم بنزيما إلى صحيفة «ماركا» الرياضية الإسبانية اعتبر فيه أن «ديديان ديشان خضع في نهاية المطاف لضغوط مارستها الأطراف العنصرية الفرنسية».
في مجلة فرنس فوتيول أدلى الكوميدي المعروف جمال دبوز بدلوه وأبدى أسفه على غياب اللاعبين الذين ينحدرون من الشامل الإفريقي من تشكيلة المنتخب الفرنسي. «بقطع النظر عن مسألة تنوع المهارات التي تميز رياضة كرة القدم في فرنسا هل يتعين أيضا على المنتخب أن يعكس تنوع المجتمع الفرنسي وفق نظام الكوتا ليضم لاعبين من أصل شمال إفريقي وإسباني وتركي وإيطالي وبولندي وغيرهم في إطار سياسة التمييز الايجابي؟
لا شك أن رياضة كرة القدم – كغيرها من الرياضات الأخرى مثل ألعاب القوى والملاكمة – تمثل أحد المجالات التي تسلط فيها الأضواء على الأفراد من حيث جذورهم العرقية والعقائدية وتاريخهم العائلي عبر الأجيال – لنصل إلى القضية الكبرى التي تقفز إلى الأذهان، اي العلاقة التاريخية ما بين الدولة الاستعمارية من ناحية والمستعمرة من ناحية ثانية.
من هذا المنطلق يمكن القول إن رياضة كرة القدم الفرنسية ذات وجهين. فمن ناحية أولى لا يمكن أن نتجاهل ما حققته كرة القدم الفرنسية بفضل هذا الخليط الكبير من اللاعبين من مختلف الجذور والأجناس والعرقيات – سواء في المنتخب الفرنسي أو في كبرى النوادي المحترفة. لكن من ناحية ثانية فإن هذا التنوع يوظف سياسيا وإيديولوجيا لخدمة أجندات معينة.
بداية من سنوات التسعينيات، وخاصة بعد فوز فرنسا بكأس العالم لكرة القدم في تلك السنة على حساب البرازيل أصبح المنتخب الفرنسي يسمى فريق «البيض والسود والمغاربيون». رغم أن الفوز بكأس العالم لكرة القدم سنة 1998 قد أحدث بعض التغيير المهم في مواقف ومزاج الرأي العام الفرنسي الذي لا يخلو من عنصرية.
لعل ما يلفت النظر أن وسائل الاعلام تظل تشدد دائما على ذكر أصل اللاعب وجذوره الاثنية والثقافية وقد تزامن ذلك مع النجاحات الكبيرة التي حققها الرياضيون الفرنسيون من أصول غير فرنسية مثل كرة القدم وألعاب القوى والملاكمة.
يكفي أن نتابع الكلام الذي ينطق به المعلقون والمحللون في مباريات كرة القدم وبقية الرياضات الأخرى – وخاصة ألعاب القوى والملاكمة – لنرى كيف أنهم لا يفتأون يعيدوننا إلى أصول هذا اللاعب أو ذاك ويذكروننا بجذوره العرقية والعقائدية والثقافية. قد يكون ذلك بهدف إبراز طابع «التنوع الذي تتسم به الرياضات والفرق والمنتخبات الرياضية في فرنسا، علما أن علماء الاجتماع يعتبرون أن الرياضة قد تلعب دورا محوريا في تحقيق «الاندماج الاجتماعي» على عكس الدين الذي لا يحقق ذلك في المجتمع الفرنسي. في الحوار الذي أجرته معه صحيفة ليمانيتي الفرنسية الناطقة باسم الشيوعيين حرص اللاعب الفرنسي السابق ميشيل بلاتيني على أن يذكرنا بأنه يعتبر نفسه فرنسيا في وقت يصر فيه البعض على أن يذكروا الناس دائما بجذوره الايطالية الضاربة بجذورها في التاريخ.
يقول ميشيل بلاتيني: «ذات يوم استقبلني نائب عمدة مدينة بللفورت الفرنسية عندما كنت مدربا للمنتخب الفرنسي وقد حرص يومها في الكلمة الترحيبية التي ألقاها على القول إنني خير مثال على نجاح الاندماج الاجتماعي. لقد كان ذلك الكلام مفاجئا لي لأنني لم أعتبر نفسي أبدا أجنبيا. لم أتحدث اللغة الايطالية يوما في حياتي كما أن أبي لم يفعل ذلك يوما في حياته. أما جدي فقد كان بدوره فرنسيا ولم يدع يوما أنه إيطالي أو يتحدث لغة غير اللغة الفرنسية. أنا أنتمي إلى الجيل الثالث».
لم تتذكر وسائل الاعلام الفرنسية الجذور القبائلية البربرية للاعب الفرنسي زين الدين زيدان ولم تتحدث وسائل الاعلام الفرنسية عن تعلق زين الدين زيدان بوطنه الأم الجزائر إلا بمناسبة مباراة كرة القدم التي جمعت سنة 2001 بين المنتخبين الفرنسي والجزائري، الأمر الذي أعطى مباراة بسيطة في كرة القدم أبعادا سياسية وتاريخية.
بل إن الكثير من المحللين راحوا يومها يتحدثون عن «الحس الوطني» للاعب الفرنسي ذي الأصل الجزائري زين الدين زيدان وكأنهم يكتشفون زين الدين زيدان لأول مرة. في نهاية المطاف اضطر زين الدين زيدان بأدبه المعهود تحت ضغط وسائل الاعلام التي تسأله عن جذوره الجزائرية إلى القول إنه «شعر بخفقان في قلبه» لدى دخوله ارضية الميدان لخوض مباراة كرة القدم بين فرنسا والجزائر سنة 2001 والتي أحاطت بها ظروف غير طبيعة واكتنفتها تلك الأحداث التي نعرف جميعا.
في مجال العلوم الاجتماعية فإن التفسيرات السوسيولوجية لفكرة الاقصاء لدى الحديث عن الطبقات الاجتماعية تتلاشى تدريجيا ليحل محلها تدريجيا الحديث المتزايد عن الأبعاد والجذور الاثنية. فإلى حدود سنوات الثمانينيات كانت التحليلات والكتابات دائما تتحدث عن تنوع جذور لاعبي كرة القدم الفرنسيين باستخدام مفردات سوسيولوجية.
على سبيل المثال كان اللاعب ريموند كوبا قائدا للمنتخب الفرنسي في سنوات الخمسينيات علما ان والده من عمال المناجم كما أن ريموند كوبا قد عمل بدوره في قطاع المناجم وهو رمز للطبقة العاملة أو «البروليتاريا» رغم أن ريموند كوبا من جذور بولندية فإنه نادرا في تلك الحقبة ما نجد الناس يتحدثون عن جنسية أجداده وأسلافه.
لم يختف الانتماء الأجنبي لأبناء الهجرة بطبيعة الحال غير أن الانتماء الاجتماعي هو الذي كان يغلب في تلك الحقبة حيث إن الكثير من اللاعبين في تلك الحقبة ينحدرون من عائلات تعمل في قطاعي المناجم والصناعات.
على عكس التفسيرات والتحليلات الكلاسيكية لعلم الاجتماع الفرنسي الحديث – التي تعتمد على مفردات ومفاهيم الطبقات والتفاوت الاجتماعي – فقد بدأت تظهر بعد ذلك في المجتمع الفرنسي عقلية أو ذهنية «مشتتة ومجزأة» اذا جاز التعبير وفق العبارة التي أطلقها عالم الانثروبولوجيا جون لو آمسيل. فقد بدا يسود الخطاب مفردات ذات علاقة بالجذور والهوية الاثنية لدى الحديث عن العلاقات الاجتماعية، وهي عبارات تتردد كثيرا في الدراسات الثقافية ما بعد الحقبة الاستعمارية الأنجلوساكسونية.
بدأ هذا الخطاب الاثني يترسخ تدريجيا منذ سنة 2005 على وجه الخصوص وخاصة في ذلك الخطاب الذي يستخدمه دعاة السكان الأصليين إضافة إلى الحركات والجمعيات التي تكرس جهودها للدفاع عن الأقليات العرقية والاثنية في إطار مجتمع تسوده التعددية الثقافية.
لا شك أن كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية وقد اصبحت أيضا تمثل أداة قوية من أدوات ترسيخ الجذور الاثنية في المجتمع الفرنسي الذي تطغى عليه مسألة التعددية بكل أبعادها. في سنة 2011 فجر موقع «ميديا بارت» على شبكة الإنترنت ضجة كبيرة عندما كشف عن «قضية الكوتا» في الرياضة الفرنسية.
اعتبر هذا الموقع الصحفي أن هذه الاعتماد على فكرة تخصيص نسب معينة في المنتخبات الفرنسية لغير الفرنسيين الأصليين إنما يساهم في تكريس الخطاب الاثني في مختلف المجالات الرياضية الفرنسية. هكذا تصبح الرياضة عموما ورياضة كرة القدم على وجه الخصوص مرآة حقيقية للأبعاد والتيارات والاتجاهات التي تشق المجتمع الفرنسي نفسه.
لقد تأكّد فعلا بعد ذلك أن المسؤولين في كرة القدم الفرنسية قد ناقشوا في أحد اجتماعاتهم المغلقة مسألة وضع «كوتا إثنية» إذا جاز التعبير في مراكز التكوين والتدريب في مجال كرة القدم في البلاد حتى لا يتجاوز عدد اللاعبين الذين ينحدرون من جذور إفريقية نسبة 30% على أقصى تقدير من تركيبة المنتخبات الفرنسية وذلك لأسباب تتعلق بما أسموه «المورفولوجيا», أي البنية الجسدية للاعب الفرنسي من جذور إفريقية.
على غرار الحديث عن جنسية وجذور المواهب الرياضية من أبناء المهاجرين في المجتمع الفرنسي وخاصة الموهوبين من أبناء الفرنسيين من أصول إفريقية ومن ثم ربط الإنجازات الكبيرة التي يحققونها ببنيتهم وقدراتهم البدنية وجذورهم الاثنية إنما يجعلنا نسقط في الصور العنصرية النمطية التي نجدها اليوم منتشرة على نطاق واسع في رياضة كرة القدم في العديد من دول العالم وليس في رياضة كرة القدم الفرنسية وحدها. ففي عديد ملاعب كرة القدم تعرض اللاعبون السود للكثير من المضايقات والشعارات العنصرية.
يجب أن ننوه مع ذلك إلى أن كلمة «الأسود» قد ترسخت تدريجيا وفرضت نفسها في مجال الدعاية والاعلان والموضة– بعيدا عن الاستخدامات السلبية والعنصرية في رياضة كرة القدم وبعض الرياضات الأخرى. أصبحت كلمة «الأسود» و«السود» تستخدم على نطاق واسع وبشكل ايجابي في المدن التي تحتفي بالثقافة الأفرو-أمريكية التي نجدها في أوساط الأمريكيين من جذور إفريقية.
منذ سنة 2000 على وجه الخصوص نجد أن اغلب اللاعبين من أصول إفريقية والذين فرضوا أنفسهم كأحسن ما يكون وعلى اعلى مستوى ينحدرون في حقيقة الأمر من ضواحي العاصمة الفرنسية التي يتكدس فيها المهاجرون. هذا ما يؤكد شعار «البيض والسود والمغاربيون» في معرض الحديث عن تركيبة المنتخب الفرنسي الذي فاز بكأس العام لكرة القدم في مباريات نهائية مشهودة ضد المنتخب الفرنسي.
هل يمكن الحديث عن ذهنية عنصرية في الرياضة الفرنسية – وخاصة منها كرة القدم؟
رغم أنه لا يمكن التعميم عند الحديث عن هذه المسألة الحساسة وذات الأبعاد المتشعبة والدقيقة فإن هذه «الذهنية العنصرية» نلمسها في كلام بعض اللاعبين مثلما أننا نجدها في كلام وخطاب بعض المدربين المعروفين والذي ينسبون الخصائص والمهارات إلى بعض الرياضيين ولاعبي كرة والقدم على أساس جذورهم وثقافتهم الأم. رغم أنه لا يمكن القول إن هؤلاء المدربين عنصريون في تفكيرهم فإن ما نلمسه هو أنهم قد يكونون فعلا قد استبطنوا في وعيهم وفي لاوعيهم هذه «الذهنية العنصرية».
في الحوار الذي أجري معه سنة 2014 اعتبر مدرب فريق بوردو الفرنسي واللاعب السابق في بايرن ميونيخ الألماني ويلي سانيول أن «ميزة اللاعب الإفريقي النموذجي أو المثالي هو أنه لاعب مستعد دائما للقتال كما يمكن أن نصفه بأنه لاعب قوي على ارض الميدان».
يستدرك هذا المدرب أيضا قائلا: «لكن رياضة كرة القدم ليست مجرد قدرات وقوة بدنية واستعداد للقتال بل هي أيضا مهارات فنية وذكاء وانضباط. اللاعبون من ابناء الشمال لهم ايضا عقلية أو ذهنية جيدة».
أثار الحديث عن لاعبي كرة القدم وبقية الرياضات بصفة عامة عن «القدرات البدنية» التي «تميز اللاعب الإفريقي المثالي والنموذجي» أو الحديث عن «الذهنية» و«العقلية» التي تميز اللاعبين حسب جذورهم الثقافية والاثنية ضجة كبيرة وموجة من الانتقادات التي صدرت خاصة عن منظمة SOS-Racisme التي تناضل في مجال مكافحة العنصرية في المجتمع الفرنسي. في ظل تنامي التسويق الاثني أصبح الأمر يبدو وكأن ابراز سمة التنوع يترافق بالضرورة مع تراجع المسألة الاجتماعية – أي الحديث باستخدام مفردات الصراع بين الطبقات الاجتماعية في أوروبا التي احتدت فيها الصراعات الاجتماعية والتنافس ما بين الأفراد أو مجموعات من الأفراد من أجل المواقع والمناصب. إنها الليبرالية التي تتغذى من واقع المجتمعات الأوروبية والعكس أيضا صحيح – أي أن القيم الليبيرالية الجديدة هي التي تجتاح المجتمعات.
أصبحت كرة القدم مختبرا حقيقيا لإبراز إثنية العلاقات الاجتماعية وهي أيضا من الأدوات التي باتت تلعب دورا مؤثرا في تنظيم العلاقات الاجتماعية ومن ثم التأثيرات في الأفكار. عندما يركز بعض قادة الرأي ودعاة التفكير الاثني حديثهم على جذور اللاعبين فإنهم يوحون لنا ضمنيا بأن الفوارق الاجتماعية ناشئة عن التمييز الاثني أكثر مما هي ناجمة عن الهيمنة الاقتصادية لفئة اجتماعية محدودة على فئات اجتماعية أخرى متعددة.
لقد نجحوا بهذا الشكل في فرض رؤيتهم الآيديولوجية للمجتمع من خلال ترحيل المفاهيم الاثنية إلى المجالات العلمية والسياسية والثقافية والرياضية – وخاصة رياضة كرة القدم الأكثر شعبية في العالم.
لوموند






كلمات دالة

aak_news