العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

شرق و غرب

أمريكا ولوبياتها الثلاثة

بقلم: إميليا كابيتان

الجمعة ٠٣ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



ما طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا؟ هل هي الحرب أم السلام؟ فالدولتان تتصافحان في العلن أمام الكاميرات غير أنهما في السر تتصارعان بمنتهى الشراسة.
رغم أن الحرب الباردة قد ولت وانتهت فإن مشاعر الشك والريبة لا تزال تسود العلاقات ما بين الولايات الأمريكية والفيدرالية الروسية التي تكاد تكون اليوم موجودة في مختلف المواقف التي توجد فيها الولايات المتحدة الأمريكية.
تجدد التوتر بين البلدين مع الإعلان عن نية الولايات المتحدة الأمريكية نشر وحدات مدرعة تابعة للحلف الأطلنطي بشكل دائم في أوروبا الشرقية وهي مسألة حساسة جدا بالنسبة لسلطات موسكو.
قبل بضعة أيام عقد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري اجتماعا مهما مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو وقد تركزت المحادثات على وجه الخصوص حول الأوضاع الراهنة في كل من سوريا وأوكرانيا واللتين تشكلان بؤرتي توتر تسممان العلاقة ما بين الغرب وروسيا.
اعتبر البعض أن ذلك اللقاء يعكس بداية تقارب ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والتي سادها التوتر خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب المسألتين الأوكرانية والسورية. في نفس الوقت أعلنت سلطات واشنطن انها تنوي نشر كتيبة مدرعة دائمة في أوروبا الشرقية.

في الحقيقة، إن الإشارات المرسلة والقرارات المتخذة في الفترة القليلة الماضية تنم عن مواقف متباينة وتعكس مسارات متناقضة. فما الذي يجعل العلاقات بين أمريكا وروسيا تستطيع التخلص من شعور الريبة الموروث من تركة الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقا؟
إن الولايات المتحدة الأمريكية دولة ديمقراطية تسيطر عليها اللوبيات التي تمارس نفوذها الكبير عبر الكونجرس الأمريكي الذي يتكون من مجلسي الشيوخ والنواب. إن هذه اللوبيات هي التي تتحكم في الرئيس القابع في البيت الأبيض وهي التي تدفعه إلى توافقات معينة في السياسة الخارجية بما يخدم المصالح الحيوية للشعب الأمريكي.
يتغير الرؤساء في البيت الأبيض غير أن هذه اللوبيات تظل تكرس ثلاثة ثوابت جوهرية وخاصة منذ سنة 1991 بسقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة في شكلها التقليدي.
منذ سنة 1991، بات يتعين على كل رئيس أمريكي أن يعمل في سياسته الخارجية على الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى مهيمنة على العالم وهي المكانة التي اكتسبتها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ولم يعد بالتالي يوجد من ينازع الولايات المتحدة الأمريكية على ريادة العالم.
تتمثل الإشكالية التي ظلت تواجه كل رئيس في العمل على تحقيق هذا الهدف مع الحفاظ على مصالح اللوبيات القوية والمتنفذة التي تسيطر على الديمقراطية الأمريكية وتفرض كلمتها وتكرس نفوذها الكبير عبر الكونجرس الأمريكي.
هناك ثلاثة لوبيات متنفذة تلعب دورا كبيرا في التأثير على اتجاهات وخيارات السياسة الخارجية الأمريكية. يعتبر اللوبي العسكري والصناعي الأقوى على الاطلاق في الولايات المتحدة الأمريكية. في يوم 17 يناير 1961, ومع نهاية فترتيه القانونيتين في البيت الأبيض، لم يتوان الرئيس ألبق دوايت إيزنهاور في التنديد علنا بهذا اللوبي الذي اعتبره خطرا كبيرا يتهدد الحياة السياسية والديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما اللوبي الثاني فهو يتمثل في وول ستريت – قلعة المال والأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. يتمثل الهدف الأساسي لهذا اللوبي في إسقاط كل الحواجز والحدود التجارية من السماح لرؤوس الأموال والشركات الأمريكية بالتمدد وتوسيع نطاق أنشطتها في العالم.
تحتل لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية – إيباك – المرتبة الثالثة وهي أوقى لوبي يهودي موال لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية كما أنها من أكبر اللوبيات المؤثرة في السياسات الخارجية الأمريكية. يمتاز هذا اللوبي بممارسة كل الضغوط الممكنة من أجل ضمان الدعم الأمريكي اللازم واللامشروط لإسرائيل مهما كانت السياقات والظروف كما يلعب هذا اللوبي دورا كبيرا في التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
إن الثوابت التي تقوم عليها السياسة الخارجية الأمريكية تتوافق تماما مع أهداف لوبي الصناعات العسكرية وبقية اللوبيات الأخرى. يتمثل الهدف الأول للسياسة الخارجية الأمريكية في الفترة الراهنة في الحيلولة دون قيام أوراسيا – أي التحالف الاستراتيجي ما بين أوروبا وروسيا، الأمر الذي سيمثل تهديدا مباشرا للزعامة الأمريكية في العالم.
في سنة 2007 صدر كتاب بعنوان «رقعة الشطرنج» وهو من تأليف مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي أن مسألة أوراسيا تمثل أولوية قصوى بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية وقد تعمق في ذلك حيث إنَّه كتب يقول: «إذا ما سقطت أوكرانيا فإن ذلك سيوجه ضربة موجعة لروسيا ويقلص من خياراتها الاستراتيجية والجيو – سياسية... من دون أوكرانيا وسكانها البالغ عددهم 52 مليون نسمة من السلاف قد تتسبب أي محاولة تقوم بها روسيا من أجل إعادة بناء الإمبراطورية الأوراسية في جر روسيا إلى صراعات وحروب طويلة ضد الشعوب غير السلافية وذلك لاعتبارات قومية ودينية لا تخفى على أحد».
إن هذا التحليل الذي قدمه لنا زبيغنيو بريجنسكي في كتاب يبين أسباب التوترات الحالية بين الغرب عامة وأوروبا خاصة من ناحية وروسيا من ناحية ثانية. في الحقيقة إن الولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلنطي يستغلان مخاوف دول أوروبا الشرقية الشرعية من روسيا. المؤسف حقا أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد خضعا للضغوط والاعتبارات السياسية الخارجية الأمريكية.
أظهرت التحليلات السياسية المستقلة أن المناورات والحسابات الأمريكية هي التي أغرقت أوكرانيا في أزمة حادة وهي التي تسببت في الانقلاب الذي حصل في ساحة «ميدان» في العاصمة كييف يوم 20 فبراير 2014. فذلك الانقلاب هو الذي تسبب في استقالة الرئيس فيكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا، الأمر الذي جعل الرئيس فلاديمير بوتين يدفع بقواته للاستيلاء على شبه جزيرة القرم ويعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة. استغلت الولايات المتحدة الأمريكية رياح الحرب الباردة تلك من أجل نشر وحدات عسكرية مدرعة في أوروبا الشرقية.
يتعين علينا العمل على الحد من قدرة اللوبي الصناعي العسكري على ممارسة نفوذه المفرط في الأجهزة الفيدرالية لما يمثل ذلك من خطورة كبيرة على النظام السياسي والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكي. نحن نواجه وضعا يبعث على القلق حيث إن تركيز سلطات واسعة ونفوذ كبير بأيدي هذه اللوبيات والقائمين عليها ينطوي على خطورة كبيرة تهدد مستقبل النظام السياسي والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكي. تلك هي الكارثة الكبرى التي تهددنا.
يعتبر كثير من المحللين أنه يتعين الحيلولة دون تفاقم أدوار هذه اللوبيات المتنفذة محذرين من أن مثل هذا الوضع المتفاقم من شأنه أن يشكل مستقبلا خطرا جسيما يهدد الحريات العامة وسامة الممارسات والحياة السياسية والديمقراطية.
كتب زبيغنيو بريجنسكي يقول «إن يقظة ووعي الشعب الأمريكي هما الكفيلان بالحد من خطورة الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه اللوبيات في المستقبل. يتعين تطويع لوبي الصناعات العسكرية وتطويره لخدمة أهداف سلمية مثل تعزيز الأمن وحماية الحريات وتحقيق الرخاء».
رغم الإرادة الكبيرة التي أبداها الرئيس باراك أوباما في بداية عهدته الأولى في البيت الأبيض كأول رئيس أسود يدخل المكتب البيضاوي فإنه لم يستطع أن يحسن العلاقات مع روسيا التي تظل في الوقت الراهن في نظر الرأي العام الأمريكي تمثل المنافس الوحيد الحقيقي للوبي الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية.
يريد هذا اللوبي القوي أن يظل يستأثر بالمرتبة الأولى في حجم صادرات السلاح إلى دول العالم كما أن ما يجنيه هذا اللوبي سنويا من أموال طائلة يفوق إجمالي الايرادات التي يجنيها بقية اللاعبين الآخرين على الساحة الدولية. يكفي في هذا الصدد أن نذكر بعض الأرقام المذهلة:
-في سنة 2013 بلغت ميزانية الدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية 640 مليار دولار وهو ما يمثل إجمالي ميزانيات الدول التسع التي تلي الولايات المتحدة الأمريكية في سلم الميزانيات العسكرية ومن ضمنها الصين (188 مليار دولار) وروسيا (88 مليار دولار) وفرنسا (61 مليار دولار)، بريطانيا (58 مليار دولار) ألمانيا (49 مليار دولار) اليابان (49 مليار دولار) الهند (48 مليار دولار) كوريا الجنوبية (33 مليار دولار).
تخصص الولايات المتحدة الأمريكية أيضا ميزانية ضخمة لتمويل ستة عشر جهاز استخبارات وهو ما يعادل إجمالي الميزانية العسكرية الروسية – أي أكثر من 76 مليار دولار.

آتلانتكو





كلمات دالة

aak_news