العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

شرق و غرب

تأثير اللوبيـــات على اللعبة السياسـية الأمريكية

بقلم: توماس نوجريس

الجمعة ٠٣ يونيو ٢٠١٦ - 03:00



في سنة 2010 أصدرت المحكمة العليا الفيدرالية الأمريكية قرارا مثيرا للجدل يسمح لمجموعات الضغط أو مجموعات المصالح أو «اللوبيات» بالمشاركة في الحملات الانتخابية الأمريكية، الأمر الذي عزز دورها المؤثر وزاد من نفوذها في الساحة السياسية الأمريكية. فما طبيعة هذا العالم المشبوه والمريب؟ عاد هذا السؤال ليطرح بقوة في خضم الانتخابات التمهيدية للانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2016.
لقد تحولت اللوبيات إلى ظاهرة حقيقية مخيفة في الساحة السياسية الأمريكية، كما يتجدد الحديث عن مجموعات الضغط كلما بدأت البلاد تتهيأ لإجراء انتخابات جديدة – سواء تعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية أو الانتخابات الكونجرس أو انتخابات حكام وبرلمانات الولايات.
يكفي أن نذكر « The National Rifle Association» و«Sierra Club» و«Blue Cross Blue Shields» ضمن مئات اللوبيات ومجموعات المصالح الأخرى والتي تلعب دورا مؤثرا وتتمتع بنفوذ كبير على الساحة السياسية الأمريكية.
البروفيسور جيفري أم بيري أكاديمي بارز بجامعة تافت، وقد ألف كتابا مهما بالتعاون مع الدكتور سي ولكوكس من جامعة جورج تاون. الكتاب بعنوان «مجتمع لوبيات المصالح» وقد أحصى فيه المؤلفان ما لا يقل عن ستمائة (600) لوبي مصالح ينشط فعليا في العاصمة الأمريكية واشنطن وحدها، علما أن العدد الإجمالي لهذه اللوبيات المدافعة عن مصالح معينة يتجاوز العشرين ألفا عبر الولايات المتحدة الأمريكية.
يذكر المؤلفان في كتابهما أن عدد اللوبيات قد شهد طفرة كبيرة في الفترة ما بين 1950 و 1990 على وجه الخصوص حيث إنه تضاعف أكثر من أربع مرات. ذكر المؤلفان أيضا أن كبرى هذه اللوبيات قد أنفقت في سنة 2014 وحدها أكثر من ثلاثة مليارات دولار خدمة لمصالحها لدى دوائر صنع القرارات السياسية والتشريعية.
إن ظاهرة اللوبيات الأمريكية لها بطبيعة الحال جذور تاريخية. يقول المؤرخون والمحللون السياسيون إن جذور «اللوبيات» أو مجموعات الضغط المدافعة عن المصالح تعود في حقيقة الأمر إلى نهاية القرن الثامن عشر.
في يوم 22 نوفمبر 1787، نشر جيمس ماديسون، أحد بناة الدستور الأمريكي ورابع رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، نشر نصا بعنوان «الفيدرالي رقم 10» ضمن سلسلة من المقالات التي كانت تمهد للدستور الأمريكي وقد اقترح طريقة لتنظيم المجموعات التي يشكلها المواطنون والتي يكون هدفها تمثيل مختلف المصالح والدفاع عنها - سواء تعلق الأمر بالمصالح السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية.
لقد طرح جيمس ماديسون خيارين لا ثالث لهما، إما منع مثل هذه المنظمات و«اللوبيات» التي يشكلها المواطنون» وإما السماح لها بأن تنشط قانونيا وتمثل المصالح المختلفة وتؤثر بالتالي في اللعبة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اختتم جيمس ماديسون بالقول: «البحث عن إشباع وإرضاء المصلحة الفردية سمة متأصلة في الطبيعة البشرية».
اعتبر جيمس ماديسون أن الهدف الجوهري إنما يتمثل في تحقيق التوازن اللازم والمطلوب ما بين المصالح الشخصية الخاصة بالمواطنين من ناحية والنظام الديمقراطي والفيدرالي من ناحية ثانية. ذكر جيمس ماديسون أن السماح لهذه المجموعات الخاصة - أي اللوبيات- بالنشاط من شأنه أن يخلق التوازن الذي ستنبثق عنه أيضا قوانين وتشريعات سياسية واقتصادية واجتماعية متوازنة. اعتبر كاتب المقال أن هذه الطريقة ستمكن المواطن والمجتمع المدني من التأثر باستمرار في القرار السياسي من دون انتظار الانتخابات الرئاسية التي تجرب مرة كل أربع سنوات.
مع مرور الأعوام ازداد عدد اللوبيات وتكاثرت مجموعات الضغط وقوى تأثيرها في القرار السياسي حتى باتت تمثل ما يشبه الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد باتت كبرى الشركات ذات المصالح الواسعة ممثلة أكثر من اللازم في الدوائر والمؤسسات السياسية والتشريعية.
يعتبر المؤلفان أن هذا الوضع ناتج عن ازدياد تدخل الإدارة الأمريكية في الشأن الاقتصادي وكثرة القوانين والتشريعات، وخاصة منذ فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي زاد من مخاوف الشركات والمجموعات الصناعية ودفع إلى دعم اللوبيات وتقوية دورها على حساب المصالح الاجتماعية للشعب الأمريكي الذي يحمل انطباعا سلبيا جدا عن هذه اللوبيات.
شهدت الولايات المتحدة الأمريكية سلسة من الفضائح التي تورط فيها رجال الأعمال من أمثال ديوك كوننجهام ووليام جيفرسون وجاك آبراموف وسط هالة إعلامية كبيرة منذ فترة الثمانينيات. أدين جاك آبراموف قبل سنوات قليلة بتهمة الفساد وقد ألف كتابا في السجن تحدث فيه بالتفصيل عن الكيفية التي كان يعتمد عليها في شراء أصوات أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي.
كثيرون هم الجامعون الذين تحدثوا بإسهاب عن إشكالية العلاقة بين المال والنفوذ السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية والصراعات على الحكم في واشنطن. ألف فرنك بومجارتنر كتابا مهمًّا بعنوان «اللوبيات والتغيير السياسي: من الرابح، من الخاسر ولماذا؟» وقد تعمق في دراسة مدى تأثير اللوبيات على القرار السياسي وتطرق إلى الدور الذي يلعبه «المال السياسي» في الولايات المتحدة الأمريكية.
في خطاب الترشيح الذي ألقاه سنة 2008 قال باراك أوباما إنه سيفعل ما في وسعه إذا ما أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية أنه سيكافح من أجل الحد من نفوذ وسطوة اللوبيات حيث قال «إن اللوبيات وأصحاب المصالح الخاصة قد جروا الإدارة الأمريكية إلى لعبة يعرفون هم وحدهم كيف يلعبونها وهم يريدون أن يضعوا أيدهم على الحكومة التي يعتقدون أنهم يمتلكونها».
ذهبت كل تلك الوعود الانتخابية في مهب الريح عقب وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض سنة 2008 كما أن أوباما نفسه له علاقات بجماعات المصالح وهو ما يعكس صعوبة القيام بأي تغيير سياسي حقيقي في الولايات المتحدة الأمريكية.

كورييه انترناسيونال







كلمات دالة

aak_news