العدد : ١٤٢٩٥ - السبت ١٣ مايو ٢٠١٧ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٩٥ - السبت ١٣ مايو ٢٠١٧ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٣٨ هـ

الثقافي

«وقت ليس لي» للقاصة أمل عبد الوهاب
نصوص قصصية منشغلة بالحلم والأمل في ثــوب لا يعــرف مغـادرة جســده!



«تعد القصة القصيرة من أجمل فنون الأدب بعد الشعر.. وفن كتابة القصة فن من الفنون النثرية الأدبية، التي تقوم بتصوير جانب من جوانب حياة شخص ما، أو تقوم على تصوير موقف ما بشكل مكثف، وهي أقصر من الرواية، وكانت بدايات ظهور القصة القصيرة في منتصف القرن التاسع عشر، وازدهرت في بدايات القرن العشرين.
وتحتاج القصة القصيرة إلى عناصر مهمة في بنائها تتمثل فيما يلي: مبدأ الوحدة ويعد هذا المبدأ أساسا جوهريا في بناء القصة القصيرة، ويجب أن تشتمل القصة على فكرة واحدة، وهدف واحد، ومبدأ الوحدة هو ما يقوم بتميز كل قصة قصيرة عن غيرها.
مبدأ التكثيف أي مبدأ التركيز، بما أن القصة القصيرة بدورها تعالج موضوعا واحدا، أو موقفا معينا، فإن عنصر التكثيف يعد من المقومات الإيجابية الخاصة بالقصة، لذلك يجب أن تكون القصة مكثفة ومركزة.
وتقوم القصة على تقديم كل التفاصيل المتعلقة ببنائها وإنشائها، وذلك لضمان الإحكام الفني فيها.
وتمتلك القصة القصيرة عددا من العناصر الأساسية وهي: الشخوص وهي العمود الفقري للقصة، فلا يوجد حدث بدون شخصيات والشخوص ليس حكرا على الإنسان فقط، بل يمكن أن تكون من النبات، أو الحيوان، أو الجماد، سواء كانت حقيقية أو رمزية، وتنقسم الشخوص في القصة إلى نوعين هما: الشخوص الرئيسة، والشخوص الثانوية. المكان حيث إن المكان عنصر مهم في القصة، ويجب أن يتناسب المكان مع الحوار، ومع الأبعاد النفسية، والاجتماعية، والثقافية للشخوص. الزمان إن الزمان في القصة القصيرة محدود بفترة معينة الأحداث، وتكون الأحداث في القصة القصيرة منتقاة، حيث يكون اختيار الأحداث دقيقا جدا.
الحبكة القصصية والصراع، يعد هذا العنصر هيكل القصة القصيرة، بحيث يعرض الأحداث بشكل تدريجي من البداية إلى النهاية. النهاية أي الحل، بعد الصراع وتأزّم الأحداث تبدأ القصة القصيرة تأخذ منحنى التدرج في الحل، وتختلف النهاية من قصة إلى أخرى
هذه المقدمة في فن كتابة القصة القصيرة وعناصرها الفنية التي فرضتها عليَ مجموعة «وقت ليس لي» للقاصة أمل عبد الوهاب لما رأيت فيها من قواعد ثابتة وعناصر مكتملة تمسكت بها أمل لتهدي قراء هذا الفن مجموعة من أنضج المجموعات القصصية الصادرة حديثا وقد تكون أنضجها عبر ما قرأت من مجموعة لأصوات قدمت للساحة الثقافية والأدبية ولم تكن في المستوى المطلوب.
ومنذ أكثر من ثلاثة أعوام لم أقرأ مجموعة قصصية بمستوى مجموعة أمل عبد الوهاب، مجموعة تكاملت عناصرها واستراحت على نار هادئة لترسم لنا هواجسها وأحلامها والقلق اليومي وعبر بناء أسرة وانشغالات أنثى.
فالتجربة الحميمة كما أشار لها القاص الروائي الراحل عبد الله خليفة، عندما تناول ما كتبته أمل من قصص قصيرة، عايش الكاتب يومها ووهجها الذي ارتسم إيمانا من الكاتب عبد الله خليفة أن يبق على التجربة حيث قال: «أسلوب أمل عبد الوهاب يعتمد على التجربة الشخصية الحميمة في امتلاكها المميزات الرئيسية للقصة القصيرة من حيث خلق الحدث شبه متماسك وشخصيات في أول نموها الفني، فهي لا تقوم بإلغاء الحدث والشخصية، في ظل معاناة إنسانية تصورها القاصة»
هذا بعض مما أشار لها الروائي الراحل الأديب عبد الله خليفة، واليوم وبعد مرور بضع سنوات تتجرأ أمل لتطبع مجموعتها منتقية أفضل ما كتبته عبر سنوات مراحل عمرية لها فيها ثوابت محقة واتصال روحي بعالمها التكويني والمجتمعي.
فعندما ترمي بجمرتها في فضح أحلامها عبر دفتر الأيام الذي احتضن ذكرياتها عبر الدرب الأول نحو الحب المستوطن في روح ومشاعر البنت البسيطة التي تحلم، يكون لها موقع في حلم أبيض كما سجلته القاصة في قصة «الجمرة» كانت تلك العتبات هي الهاجس لقلب الفتاة الصغيرة، تلك الأحلام تتهادى بين خافق يتوق للحرية، يبحث عن السكون في قلب يبادله الحب.
وتلك الأحلام والهواجس نراها في أكثر من قصة ففي قصة «أوهام» صفحة 53 من المجموعة نقرأ هذا الهاجس في محاولة الإمساك بالحبيب، أو بما يسمى تلك المشاعر المشحونة بالحب الفطري، وبالذكريات التي مهما قسا الزمان وانحدرت أمام خطواته كل كثبان الموانع ، تحمل جسدها لتصل إليه ولو كان ذلك عبر وهم هي تخيط له العافية وتعتقه من صفة الوهم ليكون أمامها حقيقة.
وفي قصة «شراع» تقول القاصة: «كنت على شفا حفرة من القبر، لا أدري لماذا شعرت بالتردد، قدم تخطو إلى الداخل وأخرى تتراجع، هي لحظة، عادت إلى مخيلتي كل صور العالم القذر، كل الشخصيات المنتفخة..» بهذه الافتتاحية ترمي القاصة بسنارتها في اكتظاظ إنساني وأن كان قاسيا، هذا الاكتظاظ حملها ثقل تعب الأيام القاسية، لأن الوجوه لا تستساغ، ملونة بالزيف، منتفخة بالتباهي المريض بالغرور والتكبر.
لم تكن الأماني سنارة حياة ولم يكن القبر واعيا بقدم تقترب من حافته وتتمنى عليه أن يضمها في صدره.
لأن «جوشن» بطل الواقعة سلب عنها إرادتها، وهذا الجوشن هو القمر في قيمة متصلة بالآخرين، قد يكون مرضا لا يعطي العافية من تتضرع وتسأله يرد لها عافيتها مستوعبا حكاية قدم تقترب، وأخرى تتشبث بالحياة.
اتصال روحي ذو علاقة لا تنفصل حلقاتها عن بعض، هو ذلك «الجوشن» الذي لم يتركها للحظة تتنفس الحياة، رغم قوتها فجبروته أقسى!
صراع تشاغل فيه القاصة كل عواطفها، عبر إصرار عنيد أمام الجوشن البغيض، أما فطريات ضارة تسحب بقدميها نحو جبانة هي تتمنى أحيانا أن تكون صادقة معها لكنه يفشل في مدارات قدمين تقترب من حافته، فلاهي للداخل ولا هي للخارج، صراع بين أن يكون الإنسان إنسانا أو لا يكون.
هو ذلك الشراع الذي قطع عمق المدى ليصل باليابسة على أجساد تشبثت بتراب الأرض ولم تغادر أوطانها لكنها سلبت عافيتها بين القسوة والقيد، صبرت وأعادت تسجل أحلامها في جراب لا يتحمل ثقل هذا التعب، تقصفت جدرانه ، ولم يغادر الوطن.
فما أجمل الجوشن حينما يغلق كل أبوابه، ولا يخرج جسد المنتمين إليه، بل يبقيهم بين قسوته وبين صبرهم حكاية تنتقل من جيل إلى جيل كقول القاصة في خاتمة قصة «الشراع» «أعبدك يا وطني لكنني أخاف، لماذا كلما رسمت حلما أبعدته سنوات القهر عني؟»
تلك الحكاية التي تعلقت بالشراع وكان الجوشن قائد مستسلم لصديق القبر، وكان القبر في تصوري حياة أخرى لا يستطيع الجوشن أن يعيش من دونه.
ولو عنونت القاصة في نص الشراع، عنوان بالجوشن، لكان البعد في سلم الحكاية أكثر نضجا، وقد يكون العكس أصوب، ملاحظة أحببت أن أشير إليها.
وفي قصة «انتظار» صفحة 79 تزاوج القاصة في نصها بين الحلم المستعجل والوقت البطيء، فعندما نهضت لفتح خزانة ملابسها ضمتها ذراعان أسودان، طوّقا رقبتها بالجاثم.
لم يكن جاثوما بمعنى الخوف ، بل فستانها الأسود الذي ارتدته في آخر صيف.
صورة جمالية تقمصتها القاصة لتقارن بين ما تحمله من هواجس متعبة وبين اعتناق تتمنى أن يقودها نحو الحرية.
ثوب يرتديه الجسد ولا يغادره للموت، بل ينشغل ويشغل الآخرين معه بالحياة.
«وقت ليس لي «نصوص اقتربت كثيرا من قلب الكاتبة، أدخلتها في هواجس لدروب واسعة أحيانا وضيقة في الكثير من الأحايين، استطاعت فيها الكاتبة أن تنقل هواجسها وأحلامها بلغة رشيقة ذات فكر متحرر، يهجس الجمر ويعرف كيف يداري نفسه عن الاحتراق به.
صور بليغة ذات مفاصل لحكايات غلب عليها نبض الكاتب، مرة عبر منلوج داخلي وأخرى عبر فيض من الهواجس المدفونة أو الكامنة في صدر الكاتب، كلما اقترب منها لم يسلم من أطرافها العالقة بنبضه. استطاعت أمل عبد الوهاب أن تقرب الآخرين من هواجسها عبر مرآة صادقة كشفت عنها أمل بصدق من دون أن تختبئ في جرة ضيقة.
ولا أعرف لماذا كل هذه السنوات مرت وأمل دافنة كنوزها في خزانة الصبر من دون ضجر أو الرجوع إليها لتكشف عنها.
بعد هذا السنوات يكون بين أيدينا كتاب بحجم كفة اليد أو أكبر قليلا ، لكنه فيض من حلم انتظرناها طويلا.
قد لا تسمى هذه النصوص قصصا بالمفهوم القصصي المتعارف عليه، إنما هي نصوص لفواتح عدة لوجه قصصي أجزم أنها أفضل ما قرأته من الإصدارات الجديدة للكتاب الجدد في وطني.
نصوص بحق ناضجة وذات اتصال روحي متماسك بين نبض الكاتب ونصه.
وقد تكون أصدق رؤية ما أشار إليه الراحل عبد الله خليفة عن التجربة عند أمل وما أشار إليه الدكتور الناقد فهد حسين في مقدمة الكتاب حيث رأى: «أن تجربة أمل عبد الوهاب القصصية تجربة تميزت بقدرة على طرح رؤيتها تجاه المجتمع والمرأة والعلاقات الإنسانية والعاطفية والمشكلات الاجتماعية»
مع الدكتور فهد أتفق وأرى أن أمل كونها أنثى فحكايتها جاءت أكثر تعبيرا تجاه معاناة الأنثى عبر أكثر من جيل ، مثل الأم والجدة.
الصورة التي لم نستطع الخروج من نوافذها، هي تلك الصورة الصادقة التي عالجت فيها أمل عبد الوهاب هواجس المرأة بواقعية مدركة لها، ما جعل من النصوص مرايا صادقة لقلوب عدة.
فالحياة اليومية التي سجلتها وأعادت صياغتها، هي نفسها الحياة التي أصرت عبرها أن تهزم الألم وتفتح نوافذ الحب .
عبر الحدث الواحد المتصل بأحداث أخرى لملاحظات سلطت الكاتبة الضوء عليها وعالجت بعض مثالبها.
فالمعاناة الصادقة تلد حكايا صادقة لإنسان يومي وعصري الفعل لكنه قد لا يكون بشهامة رجال ألقوا بحبال سفنهم في اليم وغادروا الأرض ليبنوا أرضا أخرى تتجدد في دماء أجيال تعاقبت واتصلت بفعل معاناتها، لترسم البسمة على الوجوه الكئيبة أو تفجر أحلاما مخزونة في النفس عندها القدرة على الإبداع ومغادرة خطواتها الأولى.
هي هكذا أمل عبد الوهاب توهجت بنص أحرقنا بذكرياته في الألم، لكنه سحب عن صدورنا جثوم الصمت.
جاءت لغة النصوص القصصية سليمة اللغة، سليمة القواعد ثابتة في الحلم ، بليغة في المفاصل التي يتكلم عنها النبض، حكايات امرأة أحبت وانشغلت بالأرض والإنسان.
لغة سلسة تدخل النفس لعمق وشفافية حروفها واتصالها بالآخرين من دون موانع السفر أو جراح الأمس، فالليل في فجره حياة وفي انشغاله أجيال تجدد دماءها بالعمل والأمل من دون كلل ومن دون هواجس الخوف.





aak_news