العدد : ١٤٢٨٨ - السبت ٦ مايو ٢٠١٧ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٨٨ - السبت ٦ مايو ٢٠١٧ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٣٨ هـ

الثقافي

سرديات
أدين بدين الحب! معرض أبوظبي للكتاب وسلطان العارفين

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *



ثمَّة سرديات جميلة جدًا في الثقافة العربية القديمة تتخذ طابع السرديات الاستباقية التنبؤية؛ الاستباق الممّهد لظهور البطل وكثيرًا ما يكون الاستباق في شكل منامات مسكونة بشغف التحقّق. ولذلك كانت المستشرقة الألمانية آنا ماري شيميل على درجة كبيرة من الوعي والاستبصار بمكونات الثقافة العربية في المتخيّل عندما كتبت كتابها المهم جدًا «أحلام الخليفة، المنامات وتعبيراتها في الثقافة العربيّة الإسلاميّة». وفي حياة الشيخ الأكبر، رئيس المكاشفين، البحر الزاخر، بحر الحقائق، وسلطان العارفين محيي الدين بن عربي كثير من المنامات الاستباقية التي وجدت طريقها إلى التحقّق الأجمل.
يُحكى أنَّ ابن عربي أصابه مرضٌ شديدٌ جدًا في شبابه وأنه رأى في منامه من يريد الفتك به ثم هجم رجلٌ جميلُ الوجهِ على تلك الأرواح الشريرة ففرقها وعندما سأله ابن عربي عن هويته أجابه بأنه سورة يس. وعندما استيقظ ابن عربي وجد والده يتلو عند رأسه سورة يس ثم لم يلبث أن شُفي من مرضه. ونذر نفسه بعدها للمجاهدات الروحية بعيدًا عن قيود الحياة المادية. وفي منام آخر يرى ابن عربي قران الحروف أي زواجها فكان له الإلهام بتأليف كتابه «الفتوحات المكية».
إنَّ اختيار شخصية ابن عربي كي تكون الشخصية الفكرية لمعرض أبوظبي للكتاب هو انتصار للحب الكوني وللجمال في مواجهة نزعات التطرف والغلوّ باختلاف مصادرها ومرجعياتها. ومن الصعب الحديث في مقالة موجزة عن المنجز الروحيّ الفكريّ لابن عربي الذي شكَّل ولايزال يشكلُ مصدرًا لجاذبية فكرية ذات سطوة قوية لا يستطيع الباحث المتعمّق مقاومتها. وللحب عند ابن عربي موقع أثير خاصة في كتابه «الفتوحات المكية». يقول في حد الحب وتعريفه «واعلم أن للحب شرابًا هو تجلٍّ متوسط بين تجليين، وهو التجلي الدائم الذي لا ينقطع، وهو أعلى مقام يتجلى الحق فيه لعباده العارفين، وأوله تجلي الذوق. ومن لم يذقه شربا ما عرف:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده/ ولا الصبابة إلا من يعانيها»
في التصوف ثمَّة جماليات روحانية عميقة ترتقي بالروح والنفس معًا ولذلك أنتج التصوف في الثقافة العربية الإسلامية سرديات على درجة بالغة من الجمال الأنيق الرمزي، الجماليات التي تعانق الروح بعيدًا عن قيود المادية المثقلة، وهي جماليات تتوافر على مادة خصبة للتأويلات العميقة. لا أزال أذكر رحلتي إلى تونس وصعودي السلالم الحجرية في ضاحية الولي الصوفي سيدي بوسعيد؛ تلك الضاحية الجبلية المطلة على زرقة البحر الأبيض المتوسط في تعانق جميل بين بياض البيوت والشبابيك الخشبية المعتقة المطعمة بنقوشاتٍ بديعة، كنت منبهرةً بجمال المكان ولم أتنبه إلى أنَّ هذه الضاحية السياحية تشتمل على المراقي الحجرية التي لها رمزية عميقة جدًا، رمزية ترقي المريد الصوفي في مجاهداته ومكاشفاته حتى يصلَ إلى مرتبة الفناء في الوجود.
وعودة مرة أخرى إلى ابن عربي فإن إرثه الفكري وتأثيره العميق في الثقافة العربية كان ولايزالُ يشكّل مصدر جذب كبير للمتلقين على اختلاف مرجعياتهم، واحتفاء معرض أبوظبي للكتاب في هذا العام بهذه الشخصية الروحانية العميقة هو انتصار للحب الكوني الذي أراد ابن عربي أن يبحث في تشكّلاته وفي شغفه الأجمل.
أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد،
كلية الآداب، جامعة البحرين





aak_news