العدد : ١٤٢٧٨ - الأربعاء ٢٦ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٧٨ - الأربعاء ٢٦ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٣٨ هـ

بصمات نسائية

أول امرأة مدقق شرعي بالبحرين والمنطقة.. نموذج النجاح العصامي.. إيمان البنغدير لـ«أخبار الخليج»:
عملي بين الرجال فقط قمة الرقي والاحترام

أجرت الحوار: هالة كمال الدين



هي تعشق التحديات، وتتمتع بمهارة فائقة في كيفية مواجهتها، وكان التحدي الأكبر في حياتها أن تصبح أول امرأة مدققا شرعيا في البحرين والخليج، وقد كان لها ما أرادت، حتى استطاعت أن تترك بصمة نسائية مميزة وفريدة في عالم احتكره الرجال لعهود طوال.
إيمان محمد البنغدير مساعد مدير إدارة الرقابة الشرعية ببنك البحرين الإسلامي، إمرأة من طراز مختلف، كانت أول من فتحت باب التدقيق الشرعي أمام المرأة الخليجية، ورغم أن شخصية المدقق غير محبوبة أو مرغوب فيها من قبل الموظفين، إلا أنها فخورة بما حققته في هذا المجال الذي تشعر فيه بمتعة بالغة.
هي مكافحة بامتياز، سواء على صعيد الحياة العملية، أو الانسانية، وطموحها بلا حدود، فكيف خاضت هذه التجربة الصعبة؟ وكيف واجهت تحدياتها العديدة؟ وماذا حصدت من ورائها؟ وما هو سر نجاحها عمليا وأسريا؟
وغيرها من الأسئلة التي حاولنا الإجابة عليها في الحوار التالي مع هذا النموذج الجميل للنجاح العصامي:
متى كانت بداية الرحلة؟
في عام 2008 أصبحت أول امرأة مدققا شرعيا على مستوى البحرين والخليج، وكنت أول من فتح هذا الباب أمام المرأة بالمنطقة، واليوم هناك ثلاثة بحرينيات في هذا المجال، وامرأة واحدة كويتية، ولأنني أعشق مواجهة التحديات، وأتمتع بموهبة خاصة لمواجهتها قررت أن أواجه هذا التحدي بكل قوة وصلابة وإرادة.
كيف قررتِ الخوض في هذه التجربة الصعبة؟
لقد اخترت خوض هذه التجربة بعد عملي مع هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات الإسلامية، وفي مجال المعايير الشرعية، بعد أن تلقيت عرضا للعمل لدى بنك البحرين الإسلامي في عام 2005. وقد عملت في البداية في منصب سكرتيرة إدارية، ثم اقترح البنك الانتقال إلى مهنة المدقق الشرعي، نظرًا إلى ما أتمتع به من خبرة في المعايير الشرعية، وذلك بعد حصولي على زمالة المدقق الشرعي من هيئة المحاسبة.
ما هي طبيعة عمل المدقق الشرعي؟
أنا أصبحت مدققا شرعيا بالخبرة وليس بالدراسة، بعد عملي في مجال المعايير الشرعية لفترة طويلة، ومن خلال موقعي في هذه الوظيفة تأتي لي المنتجات التمويلية المتوافرة في البنك، من بداية التنفيذ الى نهاية التسديد، للتأكد من أنها سارت على منهج المبادئ الشرعية المعتمدة وعدم وجود أية أخطاء في ذلك، وقد طورت مهاراتي وخبراتي بالدراسة أيضا، حيث حصلت على عدة شهادات معتمدة على مستوى الاقتصاد والصيرفة الإسلامية مثل (آي سي دي إل) وشهادة (إيه دي آي سي) وشهادة (إيه أيه إس سي).
ماذا عن أجواء العمل مع الرجال فقط؟
في البداية عملت مع الكثير من كبار المدققين الشرعيين الذين يتمتعون بخبرة واسعة وبالطبع كلهم من الرجال، وقد قدموا لي كل الدعم والتشجيع، ولم أشعر قط بعدم تقبلهم لي كامرأة وحيدة بينهم، وإن كنت قد أواجه هذا الرفض من قبل نسبة قليلة من الزبائن الذين يترددون في الشعور بالثقة بي، كما واجهت أيضا مواقف صعبة مع الموظفين بحكم طبيعة المهنة.
مثل ماذا؟
أذكر أنني حضرت دورة لأحد مشايخ الدين، وفوجئت بعد اليوم الأول بالمنظمين يطلبون مني عدم مواصلة الحضور بناء على رغبته لكوني امرأة، وبالفعل انسحبت بكل صدر رحب، صحيح شعرت بالضيق في البداية إلا أنني تقبلت الأمر فهناك عقليات لازالت ترفض عمل المرأة في بعض المجالات، أو وجودها بين الرجال تحيزا لجنسها، وقد أرسلوا لي شهادة تفيد بأنني حضرت الدورة وتخرجت منها، لكنني لم أعترف بها.
إلى أي مدى تعاني المرأة اليوم من هذه النظرة القاصرة لها؟
هذه النظرة القاصرة للمرأة لازالت توجد لدى قلة من الرجال، بدليل أنني تعاملت مع كبار المشايخ ورجال الدين في مجال الصيرفة الإسلامية من ذوي العقلية المتفتحة، وكثيرا ما نظمت العديد من المؤتمرات الخاصة بهم، ولم يحدث أن واجهت أي موقف صعب أو محرج أثناء تعاملي أو تواصلي الدائم معهم.
ماذا تقولين لهؤلاء القلة؟
أقول لهم إن المرأة في الوقت الحالي حصلت على أعلى المناصب في البنوك الإسلامية، فقد أصبحت عضوا في مجالس الإدارة، ومساعد مدير عام، وغيرها من المناصب العليا، ولا ننسى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عين امرأة مراقبة للأسواق، فكيف اليوم وبعد كل هذه التطورات التي تشهدها مجتمعاتنا الإسلامية لازالت توجد هذه النظرة المنغلقة تجاه المرأة التي كرمها الإسلام.
هل تواجهين أي صعوبات في هذه المهنة؟
أنا مبدئيا في الحياة توقع الخير مهما كثر البلاء، لأنني أحسن الظن بربي دائما، ولعل الصعوبة الوحيدة هي السفر لحضور الدورات التدريبية، لأنني أفضل السفر مع محرم، فأنا ملتزمة بالدين والعادات والتقاليد لكني أتمتع بعقلية منفتحة، وأؤمن بأن أصحاب العقليات المنغلقة لا يتطورون، وأقول هنا لأي امرأة أن لا تضع حاجزا بينها وبين بلوغ أهدافها، وأن تعاليم ديننا وعاداتنا وتقاليدنا تدفعنا إلى العلم والعمل وليس العكس.
هل أثرت مهنتك على علاقاتك بالموظفين؟
مهنة المدقق من المهن التي غالبا ما تؤثر سلبا على علاقات صاحبها الإنسانية والاجتماعية داخل محيط العمل، فهو شخصية غير محبوبة أو مرغوب فيها بسبب مهمته الوظيفية، ودائما ما يشوب علاقاته بالموظفين نوع من التشكك والمراقبة والخوف، وأنا أرى أن مهمة المدقق ليست البحث عن الأخطاء بقدر تصحيحها، ثم رفع الأمر إلى الإدارة ومن ثم الهيئة الشرعية للبنك، والتي تتخذ القرار المطلوب، وأعترف بأنني خسرت صداقات وعلاقات إنسانية بسبب طبيعة عملي، ولكني أحاول دائما إعادة الأمور إلى طبيعتها.
كيف؟
أذكر أنني كنت على صداقة قوية بإحدى الموظفات، وكانت تربطنا علاقات اجتماعية وطيدة، وبعد حدوث التدقيق على منتج في الإدارة التي تعمل بها، تبدلت العلاقة، وابتعدت عني، وقد شعرت بالضيق في البداية إلا أنني حاولت إصلاح الأمر بيننا خارج موقع العمل، وعموما نسبة غير المتفهمين لطبيعة عملي هي نسبة قليلة.
ما هو أكبر خطأ يمكن اكتشافه؟
أقصى خطأ يمكن أن يقع فيه الموظف هو تجنيب أرباح المعاملة، وهي حالات قليلة، وغالبا معظم الأخطاء التي نتوصل إليها يمكن تصحيحها، وتكون غالبا عبارة عن نقص بعض الأوراق الثبوتية.
هل تشعرين أحيانا بتأنيب الضمير عند تورط بعض الموظفين؟
لا لم أشعر قط بتأنيب الضمير تجاه أحد أو تقرير أعددته، فهذا عملي وأراعي فيه الدقة والصحة، ولم يحدث أن ظلمت أحدا بل أنني أشعر بالمتعة في أداء واجبي وهي تكمن في تحقيق أهداف إدارة الرقابة الشرعية المتجددة دوما، والتي نثابر من أجل تحقيقها، وبالتالي أجد أن عملي غير روتيني وشيق.
ما هو أكبر إنجاز مهني؟
لقد قمت بتوثيق جميع فتاوي البنك منذ 1979 إلى اليوم، وكذلك القرارات والعقود، وأقدمت على تطوير استمارات التدقيق الشرعي، وأنجزت برنامجا للتدقيق الشرعي بالحاسوب.
وماذا عن دورك تجاه أسرتك؟
لم يحدث قط أنني شعرت بالتقصير تجاه أسرتي التي تضم زوجي وسبعة أبناء، وأحيانا كانت تمر علي أيام لا أنام فيها، وخاصة وقت إعداد التقارير، وكنت دائما أحرص على التوفيق بين مسؤلياتي في العمل وداخل الأسرة وكنت دوما أمثل لأسرتي نموذجا يفخرون به دائما حتى أبنائي يصفوني بالتميز والتفرد، هذا إلى جانب أنني أجد وقتا كذلك لممارسة بعض الهوايات مثل الطبخ ورعاية الحيوانات حديثة الولادة ومجالسة الأطفال، وهي هوايات ساعدني على ممارستها قوة التحمل والصبر وهو ما تعلمته من والدتي الغالية.
هل أنتِ ديمقراطية في التعامل مع أبنائك؟
نعم ديمقراطية إلى أبعد حد فأنا أشجع أبنائي على تحقيق طموحهم في الحياة وخاصة العلمي بالشكل الذي يرونه، ولا أتدخل في اختياراتهم، وأترك لهم حرية شق طريقهم بحسب رغباتهم مع الحفاظ علي عاداتنا وتقاليدنا، وهذا ما تربيت عليه، فقد كان أبي يتعامل مع بناته الأربع مثلما يفعل مع ولده الوحيد، ولا يفرق بيننا مطلقا، وكل ما أتمناه لبناتي عدم الزواج المبكر مثلما حدث معي.
في أي عمر تزوجتِ؟
لقد تزوجت في عمر 19 عاما، وكانت خبرتي في الحياة محدودة للغاية، وكنت أدرس في ذلك الوقت وبالتالي كان اعتمادي الأساسي في تدبير أمور الأسرة وتربية أبنائي على أمي وزوجي ووالدته، ومن المؤكد أنها كانت تجربة صعبة للغاية لذلك أتمنى لبناتي أن لا يخضن فيها.
وما هي نصيحتك لهن؟
أنصح بناتي بأن يكون العلم أولا في حياتهن، ثم الزواج، ومع ذلك فأنا سعيدة بتجربة كفاحي مع زوجي وخاصة في بداية حياتنا، حيث كنا صغارا في السن وبدأنا سويا من الصفر، وتدرجنا إلى مراتب مرموقة، وأصبحت أشغل اليوم منصب مساعد مدير إدارة الرقابة الشرعية، وأدرس حاليا للحصول على درجة الماجستير المهني للتدقيق الشرعي.
ماذا تعلمتِ من والديك؟
لقد تزوجت أمي في عمر 14 عاما، وكان لديها أربع بنات وولد، ونشأت وسط عائلة قبلية، ولكنها نجحت في تحمل المسؤولية مبكرا، وعلمتنا ذلك بجدارة، أما أبي فقد تعامل معنا بمبدأ تحقيق الاستقلالية التامة لنا، وعدم التدخل في حياتنا أو تصرفاتنا، أو قراراتنا، طالما التزمنا بالعادات والتقاليد، الأمر الذي كان يشعرنا أنا وأخواتي دائما بالتميز.
وما هي أصعب محنة؟
أصعب محنة مررت بها كانت مرض ابنتي حين كان عمرها عشرين يوما، بمرض خطير قال لي الأطباء أنها سوف تفقد بصرها وقدرتها على المشي من جرائه، ولكن والحمد لله بالصبر والدعاء والثقة في رحمة الله اجتزنا جميعا هذه الأزمة، واليوم تبلغ من العمر 13 عاما، وتمارس حياتها بشكل طبيعي، وهي أكثر شخصية تتمتع بالحيوية والمرح في البيت، ومن المتفوقات والمتميزات في دراستها.
ما هو طموحك؟
أتمنى أن أصبح عضوا في هيئة الرقابة الشرعية، وهو أمر يحتاج إلى وقت وجهد ومثابرة، ولكن كثيرين يؤكدون أن شخصيتي الهادئة تؤهلني لهذا المنصب، علما بأن هناك امرأة واحدة تشغله في الصيرفة الإسلامية وذلك في ماليزيا.




aak_news