العدد : ١٤٢٧٣ - الجمعة ٢١ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٧٣ - الجمعة ٢١ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

التربية الحضارية في السنة النبوية.. أدب الكلام (7)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا



قال الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (الإسراء: 53).
قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي: هذا من لطف الله بعباده، حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة. فقال: «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، وهذا أمر بكل كلام يقرب من الله... وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين، فإنه يؤمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ط2. ص: 529).
ولذلك علم المصطفى صلى الله عليه وسلم أصحابه والمسلمين أدب الكلام، وقد أشارت الأحاديث النبوية في أكثر من مناسبة إلى خطورة الكلام وتأثيره وأثره، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه. وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أركان الدين وأبواب الخير ثم قال لمعاذ: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: «كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو على مناخيرهم – إلاّ حصائد ألسنتهم». (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح).
فهذا الحديث يدل على أن كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، وأن من ملك لسانه فقد ملك أمره، فإن أكثر ما يدخل به الناسُ النارَ النطق بألسنتهم، ولذلك استعمل النبي صلى الله عليه وسلم في إبراز هذا المعنى الإشارة مع التعبير القولي ليكون البيان جامعًا مؤثر لأدب الكلام وأثره في بناء العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم. (عودة عبدعودة عبدالله، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمَّان: الأردن، ط1. ص: 53. 2005م).
وبذلك علم المصطفى صلى الله عليه وسلم المسلمين ورباهم تربية حضارية على حسن الكلمة ليكون بذلك إعلامنا إعلامًا نظيفًا حسنًا خاليًا من سوء الكلام، ومن الغمز واللمز والكذب والنفاق والوقيعة والفتنة.
ويعلم المعلمين المسلمين استخدام الألفاظ الأحسن مع المتعلمين ليكونوا لهم قدوة في أدب الكلام.
ويعلم الآباء كيف يربون أبناءهم على حفظ ألسنتهم وتخير ألفاظهم والبعد عن كلام السَّفلة والسوقة وما يسري هذه الأيام بين البعض في وسائل الاتصال الاجتماعية من كلمات نابية وألفاظ ساقطة.
ومن التربية النبوية في أدب الكلام ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه. (رواه ابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح).
وعن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل: ربي الله، ثم استقم. قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا. (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده. (متفق عليه).
وتدلنا الوقائع على أهمية هذه التربية النبوية فالقادر على ضبط لسانه ينجو من كثير من المآزق والأزمات التي يقع فيها الثرثارون، فكم من قتيل جنى عليه لسانه، وكم من سجين ألقاه في غيابة السجن لسانه وثرثرته. (المرجع السابق، ص: 55).
ولكن ليس معنى ذلك السكوت عن الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، المهم أن تتخير الكلام والزمان والمكان والمقام فلكل مقام مقال، والتدريب على إمساك اللسان وترويضه يحتاج إلى مجاهدة ومتابعة من الإنسان للسانه، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، أنه ارتقى الصَّفا، فأخذ بلسانه فقال: يا لسان، قل خيرًا تغنم، واسكت عن شر تسلم، مِنْ قبل أن تندم، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أكثر خطأ ابن آدم في لسانه.
فمخاطبة اللسان في هذا المشهد على الصفا أمام الناس، يشاهدونه، «ويشاهدهم» إنما هو من «التربية» والمجاهدة التي يذكر بها «الإنسان» نفسه، ويذكر بها غيره حتى يتقي باب الخطأ، والذي يتمثل في اللسان إذا أهمل ولم يجاهد من صاحبه «ويربى» (المرجع السابق، ص: 56).
على الرغم من أن الدعوة إلى الإسلام دعوة حق أبلج، فإننا نحتاج إلى أدب في إيصالها إلى الآخرين، رب كلام خرج من القلب استقر في القلب، ورب كلام آخر خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان، وبصورة عامة فإن خير الكلام ما ظُرفت معانيه، وشرُفت مبانيه، والتذت به آذان سامعيه. (بهمة المجالس وأنس المجالس، تحقيق محمد الخولي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ج1. ص: 72. عن المرجع السابق، ص: 134).
وقال تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (النحل: 125).
والمتتبع لمسيرة الدعوة النبوية يجد أن الحكمة كانت من أهم الصفات المميزة والمرافقة لها من حيث اختيار الزمان والمكان المناسبين واختيار الطريقة الحكيمة السليمة في التعامل مع الأشخاص والأحداث مما كان له أثر واضح في توحيد القلوب على الدين وبناء العلاقات بين الناس على أمتن الروابط وأقواها.(أدب الكلام، عودة عيد عودة عبدالله، مرجع سابق، ص: 137).
وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في حسن الخطاب ولين الكلام ومن ذلك ماروته السيدة عائشة رضي الله عنها قال: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام «أي الموت» عليكم، قالت عائشة، ففهمتها. فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة: إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت يا رسول الله؛ أولم تسمع ما قالوا؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قلت وعليكم. (رواه البخاري).
ومن لينه ورفقه أيضًا، موقفه من الأعرابي الذي بال في المسجد، فقام الصحابة إليه، فقال رسول الله: لا تُزْرموه، «أي: لا تقطعوا عليه بوله»، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه. (رواه البخاري).
فقد علمهم أن الكلمة اللينة العذبة، تسري في أعماق النفوس، كما تجري جرعة الماء في أوصال الجسد الظامئ، وأنها تتلطف بالنفوس حتى تأسرها أسرًا رفيقًا فتأخذ بزمامها، وتجذبها إليها، وهي راضية مطمئنة.
ولكن مما تجدر الإشارة إليه هنا، أنه قد يضطر الإنسان في بعض الأحيان إلى التعامل بشدة، واتخاذ القرار الأكثر حزمًا من أجل مصلحة يقدرها، ولا يكون ذلك منافيًا مع الأدب والرحمة، كما قال الشاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا
فليقس أحيانًا على من يرحم
وهكذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تكون التربية الإيمانية الحضارية طريقًا لبناء حضارة إنسانية ربانية متميزة. (انظر أدب الكلام، وأثره في بناء العلاقات الإنسانية في ضوء القرآن الكريم، عودة عيد عودة عبدالله، دار النفائس، الأردن، ط: 1. 2005م).






aak_news