الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٧٣ - الجمعة ٢١ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

الظلم ظلمات (1)



إن المؤمن صادق الإيمان يحذر الظلم بكل صوره، ويبتعد عن الظالمين، فلا يركن إليهم، ولا يعاونهم ولا يجالسهم، ولا يتعامل معهم منطلقا من قوله تعالى: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون». هود: 113. ومن أعظم الظلم أن يظلم العبد نفسه، يقول تعالى: «فلا تظلموا فيهن أنفسكم». التوبة: 36. وظلم العبد لنفسه: أن يوردها موارد الهلاك والبوار، ويدعها ترتع فيما حرم الله تعالى، وقد مدح الله تعالى جماعة المؤمنين باجتنابهم الظلم والبعد عنه، وبشرهم بالأمن في الدنيا والآخرة، والهداية إلى طريق الحق والرشاد. يقول تعالى: «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون». الأنعام: 82. روي أنه لما نزلت هذه الآية وجل منها الصحابة -رضوان الله عليهم- وخافوا على أنفسهم، وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال لهم: ليس كما تظنون، ولكنه الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قاله الله تعالى عن العبد الصالح. لقمان. لابنه وهو يعظه. في قوله تعالى: «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم». لقمان: 13. ويقول تعالى: «والكافرون هم الظالمون». سورة البقرة: 254. والشرك بالله والكفر به أقبح الظلم وأعظمه، وأكبر الكبائر عند الله، والمؤمن يحذرهما في جميع أحواله وأقواله. يقول تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». النساء: 48. أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عبداللهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ. إنها دعوة إلى تذكير العبد إذا غفل أو سها أو سقط في حبائل الشيطان، وسقط في شباك المعاصي، لكي يبادر مسرعا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى من قريب. ومن أقبح الظلم أن يظلم العبد غيره، فيعتدي على ماله أو نفسه أو عرضه، وهذا النوع هو المتبادر إلى الذهن عند إطلاق كلمة الظلم، لكثرة وقوعه وشيوعه بين الناس، والظلم ظلمات يوم القيامة، والمؤمن يحذر ظلم الناس بكل أشكاله وصوره، في كل الأوقات وخاصة في الأشهر الحرم، لأنه يعلم حرمته وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة. أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن سَعِيد بْن عبدالْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فاستهدونى أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فاستغفروني أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخيَطُ إذا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ. قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أبو إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىُّ إذا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وفي يوم القيامة يقتص الله من الظالم للمظلوم، فمن كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو ماله فليتحلل منها اليوم قبل ألا يكون درهم ولا مال، يوضح هذا ما رواه البخاري بسنده عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ، وَلاَ دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ فإن لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْه. واعلم أيها المسلم أن أعظم حقوق العباد الدماء، وأنها أول ما يُقضى من حقوق العباد يوم القيامة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أول مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ. رواه البخاري، وهكذا يؤكد الإسلام دعوته إلى تحقيق الأمن بين الناس، بحفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتحريم الاعتداء عليها أو النيل منها بغير حق. إنها قواعد تنظم حياة الفرد والجماعة، وتقيم المجتمع على أساس العدل. فالعدل أساس الملك وأساس الأمن. يقول الله تعالى: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى». المائدة: 8. واحذر أيها المسلم من دعوة المظلوم، فإن دعوته مستجابة يرفعها الله فوق الغمام ويقول لها: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. واعلم أن من أخذ شيئا من غير حله، ومن غير طريقه المشروع كان عليه حسرة وندامة، وكان سببا لحرمانه من الجنة وكان سببا لدخوله النار. عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار. قالوا وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك. قالها ثلاث مرات. رواه مالك في الموطأ. (وقضيب الأراك هو: السواك) وأخرج البخاري عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عبدالرَّحْمَنِ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ. فإن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ.
فلا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم.
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم.
نسأل الله أن يجنبنا الظلم والظالمين، وأن يجعلنا من الآمنين المطمئنين في الدنيا والآخرة.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة