العدد : ١٤٢٧٣ - الجمعة ٢١ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٧٣ - الجمعة ٢١ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

الشيخ عبدالمجيد سليم..
المفتي الحجة الذي لم يخف في الله لومة لائم

بقلم: د. غريب جمعة



ولد يرحمه الله عام 1299هـ-1882م، ولما شب عن طوقه التحق بالأزهر الشريف، وكان من شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم: محمد عبده، وحسن الطويل الفيلسوف الزاهد، وأحمد أبو خطوة الذي تأثر به في تضلعه من الفقه الحنفي. وقد تدرج في مراحل التعليم الأزهري حتى حصل على شهادة العالمية، وعيِّن بعد تخرجه مدرسًا للفقه والأصول، وتدريس الأصول من معلم ناشئ ليس بالأمر الهين، وإنما يدل على نبوغه العلمي المبكر ومدى رسوخ قدمه فيه.
وقد ذاع صيته فاختاره عاطف باشا بركات ناظر مدرسة القضاء الشرعي لتدريس الفقه والأصول بهذه المدرسة العالية، حيث لم يكن ثمة كلية شريعة ولا جامعة، وبذلك صار زميلا لمن كانوا أساتذة له بالأمس ولكنه نال احترامهم وتقديرهم.
ولقد كانت شهرته العلمية سببا في توليه منصب «مفتي الديار المصرية» زهاء سبعة عشر عاما، أصدر خلالها عددا هائلا من الفتاوى، حيث جاء في الإحصاء المدون في الجزء الأول من الفتاوى الإسلامية (صفحة 32) ما يدل على أن الشيخ عبدالمجيد سليم كتب 15792 فتوى مدونة في السجلات الخاصة على مدى سبعة عشر عاما. ثم تولي بعدها رئاسة لجنة الفتوى بالأزهر فأصدر عشرات الفتاوى، منها ما نشر في مجلة الأزهر ومنها ما لم ينشر، بخلاف فتاواه الخاصة لمن يطلبها من معارفه ومحبيه، أيّ فقيه كان ذلك الرجل! وكم أفاد عباد الله بما أفتى في دين الله على المذاهب المتعددة.
وحينما سئل عن منهجه في الإفتاء أجاب (يرحمه الله): أنا لا أتقيد بالمذاهب الأربعة ولكني لا أخرج فيما أفتي به عن مذاهب العلماء من السلف، والسبب في ذلك أن الفقه الإسلامي غني جدا بأقوال العلماء وآرائهم، فلا تكاد مسألة من المسائل إلا وقد تعددت فيها أراء الفقهاء، بحيث لا تستطيع أن تجزم بأن رأيا تراه لم يقل به أحد من العلماء من قبل، فليس على الناظر في هذه الثروة الطائلة إلا أن يختار أرجحها مصلحة وأقواها دليلا وأشبهها بروح الشريعة، وهذا الذي أسير عليه.
وقد حباه الله مع رسوخه في العلم جرأة في قول الحق والإفتاء به من دون أن يخاف في الله لومة لائم.
لقد حاول وزير الخاصة الملكية، بإيعاز من الملك فاروق -ملك مصر في ذلك الزمان- أن يستبدل ببعض ممتلكاته العقارية الجديدة أرضا خصبة من أملاك الأوقاف، وتلمس الفتوى من المفتي الأكبر، فأعلن الشيخ من فوره: «إن الاستبدال باطل، إذ لا يجوز شرعا لغير مصلحة الواقف وهي هنا مفقودة، بل إن الخسارة محققة فعلا».
بل إنه أفتي بحرمة مراقصة النساء وشرب الخمر وكان الملك فاروق يحضر حفلة صاخبة أقامتها إحدى الأميرات ونشرت بعض الجرائد صورا لبعض ما كان، وأدرك الشيخ وقتها من هو المقصود بالفتوى إلا أنه لم يتراجع بل واجه المخطئ بخطئه، واضطرب القصر لهذه الجرأة الصارخة في الإنكار كما ذكرت مجلة المصور وقتها، واتصل أحد كبار المسسؤولين في القصر بالأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفي المراغي شيخ الأزهر منبها على خطورة الفتوى بالنسبة إلى أثرها الجريء، ولكن الشيخ المراغي لم يخذل أخاه بل دعا إلى تصحيح الخطأ عند المخطئ لا إلى تخطئة المصيب.
أما موقفه من الترف الحكومي والتبذير الملكي خارج مصر فقد ذاع واشتهر وسارت عبارته في ذلك مسار المثل، حيث قال: «تقصير وتقتير هنا وإسراف وتبذير هناك».
ولقد استدعاه النقراشي باشا رئيس الوزراء في ذلك الوقت ذات يوم ليوافق على رغبة ملكية طائشة وسوف يتم صرف مكافآته المؤجلة سنين عديدة من الأوقاف مقابل مشيخته للأحناف بالأزهر مدة طويلة، ولكن الشيخ رأى أن تلك الرغبة ليست في مصلحة الأزهر فأبدى غضبه الشديد من هذا العرض وغادر المكان من دون استئذان. ولما هدده القصر بواسطة بعض رجاله بأن ذلك خطر عليه قال بكل جرأة وثبات: هل سيحول هذا الخطر بيني وبين المسجد؟ فخجل رجل القصر ولم يجب.
وذهب العهد الملكي وجاء عهد 23 يوليو 1952م وحاول بعض رجاله أن يتدخل في شؤون الأزهر بما يتعارض مع القانون ومع صالح الأزهر، ولكن الشيخ لم تفارقه شجاعته وصلابته وجرأته فرفض كل تدخل لا يقدر المسؤولية، وطلب منه المنحرفون الاستقالة إذا أصر على الرفض فقدمها عن طيب خاطر.
وبدلا من أن يُشكر للرجل غيرته سارع المنافقون والانتهازيون الذين يأكلون على كل مائدة فملؤوا الجرائد سوادا بنقده وأنه معارض للحق ويقف في وجه عهد التحرير والحرية. ولكن يأبي الله إلا أن يأتي إنصافه من خارج مصر، حيث كتب مراسل أجنبي مقالا تحت عنوان «شخصية الأسبوع» في جريدة (البروجريه دايمنش)، أشار فيه إلى مقترحات الشيخ بشأن ما يراه في الإصلاح ومعارضته لما يُملى عليه من أمور لا تتفق والصالح الأزهري، كما قالت الجريدة ما نصه: «إن الشيخ عبدالمجيد سليم يتمتع بثقة الغالبية من رجال الدين وكبار العلماء، وهو معروف بالتقوى والورع، وما حاول قط أن يفيد لنفسه، إذ جعل همه الأول مصلحة الأزهر قبل مصلحة الأفراد، ومن أجل ذلك كافح في سبيل إنقاذ هذه المؤسسة الدينية، وهو لا يخشى إلا الله، ولا يساوم على كرامته ولذلك يستحق كل تقدير».
وقد ترجمته مجلة الرسالة، ونشرته بتاريخ 22/9/1952م أي بعد قيام الثورة بشهرين فقط.
كان الرجل زاهدا في الأضواء متحررا من ذل الحرص ورق الشهرة وأسْر المال، لذلك رفض اختياره عضوا بمجمع اللغة العربية قائلا على استحياء وتواضع «أنا فقيه لا لغوي»
وهل يكون الفقيه فقيها مجتهدا من طراز ذلك العَلَم المتفرد إلا إذا كان لغويا يعرف دقائق التفسير الحقيقي والمجازي للألفاظ.
كان رحمه الله داعيا إلى وحدة الأمة بكل جهد، وعبر عن ذلك بقوله في العدد الأول من مجلة «رسالة الإسلام»: إن هذه الأمة لا تصلح إلا إذا تخلصت من الفرقة، واتحدت حول أصول الدين وحقائق الإيمان، ووسعت صدرها فيما وراء ذلك للخلافات ما دام الحكم فيها للحجة والبرهان، وقد أدركنا في الأزهر على أيام طلبنا العلم عهد الانقسام والتعصب للمذاهب، ولكن الله أراد أن نحيا حتى نشاهد زوال ذلك العهد، وتطهير الأزهر من أوبائه وأوضاره، فأصبحنا نرى الحنفي والشافعي والحنبلي إخوانا متصافحين وجهتهم الحق وشرعتهم الدليل، بل أصبحنا نرى بين العلماء من يخالف مذهبه الذي درج عليه في أحكامه لقيام الدليل عنده على خلافه. (تجدر الإشارة هنا إلى أن مجلة رسالة الإسلام كانت تصدرها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي سعى جاهدا في تأسيسها تقي الدين القمي الشيعي الإيراني بالقاهرة، ولم تكن الأمور وقتها بهذا الوضوح كما هي عليه الآن).
ويطول الحديث عن هذا الفقيه الكبير، ولكننا نكتفي بذلك تخفيفا على القارئ، فنختم هذه السطور المتواضعة عنه بشيء مما قاله المستشار محمد محمود رئيس محكمة الاستئناف عند تأبينه له، إذ أشار إلى أنه (رضي الله عنه) كان النجم اللامع في لجنة الأحوال الشخصية بوزارة العدل، حيث كانت تعرض الموضوعات والمسائل على اللجنة بعد سبق فحصها، وعندئذ يأخذ الشيخ عبدالمجيد الكلمة فيتولى شرح المسائل الواحدة بعد الأخرى، مستعرضا شتى الآراء في كل مذهب من المذاهب، ومقررا الحكم الدقيق ذاكرا رأي الأئمة المجتهدين من الفقهاء مسايرا روح العصر، متنقلا من فن إلى فن، وهو في ذلك كالبحر الدافق حتى إذا انتهى من عرضه المستوعب الجامع قامت اللجنة بالبحث والتمحيص لإعطاء الصيغة النهائية للمادة التاريخية. وبعد هذه الحياة الحافلة بالعطاء في أكثر من ميدان انتقل الشيخ إلى جوار ربه راضيا مرضيا -إن شاء الله- وكان ذلك في 10 من صفر 1374م (7 أكتوبر 1954م)، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.






aak_news