الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٧٣ - الجمعة ٢١ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

بناء الأوطان أساسه العدل والمساواة



حينما تكحل عينيك بمشهد الحجيج وهم يلبسون لباسًا واحدًا، لا يتمايز أحد عن أحد ولا يفخر إنسان على أخيه، فالكل قد لبس لباس الإحرام على هيئة واحدة متواضعة متجردة من الدنيا وحظوظها، وتشنف أذنيك بتلبية واحدة تخرج من جموعهم وكأنها انطلقت من صوت واحد، لا يسعك في هذا المشهد إلا أن تحس بمعنى المساواة على حقيقته وجوهره، هذا الشعور يجعلك تحس بالوطن الواحد والقبلة الواحدة والتوجه الموحد، لا فرق بين غني وفقير وكبير وصغير، هذا الشعور لو نقل من ثرى عرفات والمشعر الحرام ومزدلفة ومنى إلي كل قطر إسلامي لما أصبح هذا التفاوت الهائل بين الطبقات في المجتمع، بل لشعر كل امرئ بأن له مثل أخيه من الحقوق وعليه مثل ما عليه من الواجبات من دون زيادة أو نقصان، وأي وطن لكي يبنى على أسس قوية متينة فلا بد أن يتساوى الجميع فيه أمام القانون العام الذي يحكمهم، فلا تتميز طبقة على طبقة، ولا تعلو فئة على أخرى، ولا مجال للواسطة أو المحسوبية أو الرشوة التي تقدم للذي لا يستحق على حساب صاحب الحق، بل إن الرئيس يطبق على نفسه الحق والعدل والمساواة برعيته قبل المرؤوس، فها هو نبينا صلى الله عليه وسلم يغضب من حِبِّه أسامة بن زيد حينما كلمه في شأن المرأة المخزومية التي سرقت، معنفًا إياه بقوله: «أتشفع في حد من حدود الله!»، درس في المساواة أمام قانون الله، فكأني به صلى الله عليه وسلم يقول: ألا فلتعلم يا أسامة أن المخزومية الحسيبة النسيبة مثلها مثل الأمة الحبشية الغريبة، فالإسلام يا أسامة قد ساوى بين عمر القرشي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، كلهم في الحقوق والواجبات سواء، ثم قرر صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة حينما قال: «وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، (متفق عليه). ويؤكد ذلك المعنى قبل أن يفارق الدنيا بواحد وثمانين يومًا حينما قال بأبي هو وأمي: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم «إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».
إذا كان أصحاب أي وطن يرجون معية الله وتسديده وتوفيقه وتأييده ونصره فلا بد أن يقيموا العدل واقعًا نابضًا بالحياة مفعمًا بالتنفيذ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي: «إن الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة».
ما أحوجنا ونحن نبني دولتنا ونقيم حضارتنا ونؤسس وطننا إلى هذا العدل العمري الذي ينطلق من سويداء فؤاده بأنه: لو عثرت بغلة في سواد العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر، بغلة!! أعزكم الله، فما لنا بهؤلاء الناس الذين يحتضنون الجبال ويأكلهم الهزال ويقضي عليهم المرض العضال ولا يحس بهم أهل الجاه والمال، ما أحوج هذا الوطن إلى أن يحس أغنياؤه بفقرائه، ومسؤولوه برعاياهم حتى يبنى على التقوى من أول يوم، ويستأهل توفيق الله وتأييده ونصره وعنايته.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة