الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٧١ - الأربعاء ١٩ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ٢٢ رجب ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

بصمات نسائية

رئيسة التخطيط الإستراتيجي بوزارة الشباب.. هند إدريس لـ«أخبار الخليج»:
نعيش اليوم عصر التعري الاجتماعي



هي ترى أن الشباب اليوم أصبح يعيش في عالم افتراضي، وهو ذلك العالم التكنولوجي الذي يسيطر على جميع نواحي الحياة، وخاصة النقال الذي تشبهه بالمسيح الدجال، حيث أدى التصاقه الشديد به إلى عزله ودماره صحيا ونفسيا وعلميا، إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي والتي جعلتنا نعيش جميعا في عصر التعري الاجتماعي.
هند إدريس رئيس قسم التخطيط الاستراتيجي والمشاريع بوزارة الشباب، تحمل رؤية خاصة تجاه الشباب، الذي تعول عليه الأمل في الخروج من أي أزمة يمر بها المجتمع ومنها المشكلة السياسية الحالية، وأهم ما تحمله تلك الرؤية صناعة شباب بحريني الهوية عالمي العطاء، والتي تسعي وزارة الشباب إلى تحقيقها في المرحلة الراهنة. بين السودان والكويت ومصر وبريطانيا وجنوب إفريقيا كانت محطات حياتها العلمية والعملية، والتي حصدت منها الكثير من دروس الحياة، حفرت في الذاكرة، وساهمت في صناعة شخصيتها ومستقبلها، حتى وصلت إلى منصبها المرموق الحالي بوزارة الشباب، بعد رحلة طويلة ومشرفة من العمل والعطاء، وأصبحت اليوم من بين أربع شخصيات في البحرين يحملون شهادة استمرارية العمل (مدقق دولي).

«أخبار الخليج» حاورتها حول تلك الرحلة وأهم محطاتها، وتعرفت على رؤيتها الخاصة تجاه الشباب، وذلك في السطور التالية:
كيف كانت بداية الرحلة؟
أنا من مواليد السودان، وقد تركتها منذ كان عمري خمس سنوات، حين انتقل والدي للعمل لدى البنك الدولي في ساحل العاج، وكان تعليمي في البداية باللغة الفرنسية، بعد ذلك التحق بالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالكويت، وأصحبنا معه عام 1975، والتحقت بمدرسة انجليزية شهيرة، ونشأت في الكويت، وأتممت تعليمي الجامعي هناك، رغم أنني كنت أتمنى أن يتحقق لي ذلك بإحدى جامعات القاهرة.
وما الذي حال بينك وبين تحقيق ذلك؟
حين عرضت على أبي فكرة سفري إلى القاهرة لإتمام تعليمي الجامعي رفض ذلك، نظرًا إلى أنه يحمل عقلية محافظة متأثرة بعادات وتقاليد بلده السودان لذلك لم يكن هناك خيار آخر والتحقت بالجامعة في الكويت واخترت مجال العلاج الطبيعي والذي جاء صدفة.
ولماذا العلاج الطبيعي؟
كنت في ذلك الوقت أشعر برغبة في دراسة أي شيء يتعلق بالمجال الرياضي من قريب أو بعيد، وذلك لأنني كنت شخصية رياضية جدا، ولي مشاركات عديدة في مسابقات في قفز الحواجز والجري والقفز لمسافات طويلة، حتى أنني تربيت في البيت كأنني ولد، حيث تركت ممارسة الرياضة العنيفة بصماتها على شخصيتي التي كانت تتسم بشيء من الصلابة والقوة، لذلك وجدت أن العلاج الطبيعي من المجالات القريبة من ميولي وطبيعتي، بعدها وافق والدي على السفر إلى بريطانيا لمواصلة التعليم والعمل بعد أن أصبحت عضوا في الجمعية البريطانية للعلاج الطبيعي، بعد قضاء عدد معين من ساعات العمل في الكويت.
ثم ماذا؟
بعد موافقة أحد مراكز العلاج الطبيعي في بريطانيا على الانضمام إلى فريق العمل به وتجهيز كل الأوراق المطلوبة لذلك وتحديد موعد السفر، كانت الصدمة حين شاء القدر أن يحدث غزو الكويت قبل سفري بيومين ولذلك لم أتمكن من مغادرة البلد إلا بعد انقضاء شهرين، وكانت فترة عصيبة للغاية.
حدثينا عن تلك التجربة؟
بحكم عمل أبي في الصندوق العربي تم تدبير الأمر لانتقاله بعد شهرين تقريبا من الغزو بالبر إلى العراق، ومنه إلى الأردن، وأهم ما تعلمته من هذه التجربة المريرة هو كيفية التعامل مع الأزمات والمواقف الصعبة بصلابة وقوة وهو ما لمسته عن قرب من خلال تعامل أمي مع هذا الحدث الصعب، فقد تعلمت منها أهم درس في حياتي، والسعي وراء الهدف، وعدم السلبية تجاه أي موقف، أو الاستسلام له، مهما كانت درجة صعوبته، وخلصت من تجربة الغزو بشكل عام بأنه ليس هناك شيء مضمون في الحياة، وأن دوام الحال من المحال.
وماذا تعلمتِ من والدك؟
تعلمت من أبي ألا أعر قيمة لأي شيء لا يستحق، ولا أتبنى موقف الآخر، وأن أتعايش معه، وأحترم المجتمع الذي أعيش فيه، وأراعي عاداته وتقاليده، وأن أسير في الحياة بمبدأ أن خير الكلام ما قل ودل، وأن العلم أهم شيء في الحياة، فقد أراد أن يضع بصمة الإسلام والعالم العربي في قلب إفريقيا، وبالفعل تحقق له ما أراد وترك هذه البصمة من خلال عمله وقوة إرادته.
وماذا بعد تجربة الغزو؟
بعد خروجي من الكويت سافرت بعدها إلى بريطانيا، وعملت في مجال العلاج الطبيعي عامين، إلا أنني لم أتحمل الغربة والعزلة عن عالمي، فقررت العودة إلى مصر ثم استقررت في البحرين حيث انتقل أبي للعمل في المملكة، وعملت بها إخصائية علاج طبيعي.
ومتي بدأت علاقتك العملية بمجال الشباب؟
بعد عملي بمجمع السلمانية ثلاث سنوات في مجال العلاج الطبيعي، قررت بعدها خوض مجال العلاقات العامة والتسويق، واقتحمت مجال الفندقة، ثم التسويق، ثم تزوجت عام 1988 من شخص بحريني، وبعد الولادة دخلت مجال التعليم، ثم التحقت بوزارة الشباب عام 2004 كرئيسة قسم الطب الرياضي، ثم توليت منصب رئيس قسم التخطيط حتى الآن.
ما هي رؤيتك المستقبلية للشباب؟
رؤيتي المستقبلية للشباب هي تحقيق رؤية الوزارة على أرض الواقع والتي تتلخص في صناعة شباب بحريني الهوية عالمي العطاء، ومن الأمور التي تسهم في بلوغ هذا الهدف هو تسلحي ببعض الكورسات المتخصصة في الموارد البشرية وحصولي على عدد من الشهادات الاحترافية في مجال التخطيط الاستراتيجي، واليوم أنا واحدة من أربع أشخاص في البحرين يحملون شهادة استمرارية العمل (مدقق دولي).
ما هي أهم احتياجات الشباب؟
للأسف شبابنا اليوم يعيشون في عالم افتراضي، وذلك بسبب الثورة التكنولوجية التي نعيشها، والمطلوب إخراجهم من هذه العزلة التي تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة، وفي مقدمتها النقال الذي دمر كثيرا من الشباب صحيا ونفسيا وعلميا، فشبابنا يعيش اليوم مع الموبايل بكل أحاسيسه، ويجب أن نعمل على إزالة هذا الالتصاق الشديد الحادث به، فالشباب هو عماد المستقبل ونعول عليه في الخروج من أي أزمة تمر بها البلاد، اقتصادية كانت أو سياسية أو غيرها، فهو الأكثر قدرة على الرجوع بمجتمعه إلى الأصل وعلى الجميع أن يتحرك لإنقاذ الشباب، والأهل في المقدمة.
ما هو المطلوب من الأهل؟
أذكر هنا تجربة امرأة كانت ترغب في فك هذا الارتباط العنيف بين ابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاما وبين هاتفها النقال، فقررت اصطحابها إلى مخيم في نيبال مدة ثلاثة أسابيع، وعاشت معها هناك في عزلة تامة من دون أي وسيلة للتواصل مع الآخرين، وقد نجحت في تحقيق هدفها، ففي الأسبوع الأول واجهت الابنة صعوبة بالغة، سرعان ما خفت وطأتها خلال الأسبوع الثاني، وتلاشت مع نهاية الأسبوع الثالث، بعد أن تكيفت مع الوضع.
وما خلاصة هذه التجربة؟
نستخلص من هذه التجربة أن الشباب بحاجة إلى إعادة نظر في كثير من الأمور التي تتعلق بهم، وعلى الآباء أن يتحركوا سريعا ويسعوا لإحياء مجالس زمان مع الأهل، وأن يعيدوا كينونة العيلة، وأن يكونوا قدوة لأبنائهم لأنهم للأسف صاروا هم مشغولين عن أبنائهم بحياتهم وبالنقال أيضا الذي أشبهه بالمسيح الدجال، وتبقى أيضا المشكلة في أننا لا نعرف أين ومتى يجب أن نتوقف، حتى نمسك العصا من النصف، وأن نخدم التكنولوجيا ولا نكون خادمين لها، ونتركها تحركنا وتتلاعب بنا.
ماذا زرعتِ في نفوس أبنائك؟
حرصت دوما على تعليم أولادي ثلاثة أشياء أساسية تمثل مثلث برمودا، وهي دينك، صحتك، تعليمك، فالدين هو الأخلاق التي تجعلك تتعايش مع الناس وتفيد وتستفيد من خلال أعمالك، وأن تتقبل الآخر، وتتسامح معه، وأن يكونوا على قناعة بأن الاختلاف وارد، وصحي، ولكن علينا أن نحترم بعضنا، ولا نحكم على بعضنا البعض، هذا فضلا عن التأكيد على الجدية والإخلاص وإتقان العمل، وهي قيم ضاعت إلى حد كبير وللأسف الشديد، ويجب أن نعمل على إرجاعها.
وماذا عن حق المجتمع على الشباب؟
للأسف الشديد العالم أصبح كل تركيزه اليوم على التخبط ما بين المطالبة بحقوق الإنسان والحيوان والمرأة والشواذ.. الخ، والسؤال هو أين حقوق المجتمع؟ وماذا علمنا شبابنا عن الحق العام الذي ضاع وسط هذا التخبط؟
ما هي خطة الوزارة لاحتضان الشباب؟
هناك خمسون ناديا، و35 مركزا شبابيا، متاحة لخدمة واحتضان الشباب، لكن للأسف، الشباب هو الذي يعزف عن الإفادة والاستفادة منها، وعن المشاركة في البرامج والأنشطة المتوافرة، وأعود للتأكيد هنا على دور الأهل لأنهم المسؤول الأول عن تغيير هذه الأجواء الدخيلة علينا التي يعيشها الشباب اليوم، والتخلص من حالة التعري الاجتماعي الذي بتنا نعيشه، بفضل تناقل الأخبار والصور بهذه الصورة الفجة عبر وسائل التواصل المختلفة، فوزارة الشباب لا تستطيع إنجاز كل شيء.
ما هي أصعب محنة مرت بك؟
أصعب محنة واجهتها مرض والدتي، فبعد أن كانت تتمتع بشخصية قوية، ودبلوماسية، وناشطة، وتتسم بالمرح وحب الحياة، فجأة نجدها قعيدة كرسي متحرك، وتنتقل من انتكاسة صحية إلى أخرى، فهذا كان من أصعب التجارب الحياتية التي عشتها وخاصة حين أجدها تتألم أو تبكي أحيانا.




نسخة للطباعة

مقالات أخرى...

الأعداد السابقة