العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

الثقافي

قصة قصيرة
المفتاح الذي لا يراه الآخرون

بقلم: حمد الشهابي




لم يكن يوما باسما ولا مفرحا مر على الأرملة بدرية، فقد التزمت فيه بدفع قسط السيارة وإيجار الشقة وقسط تقويم أسنان ابنتها مريم بالإضافة إلى شراء بعض الحاجيات المهمة للبيت، وفي آخر النهار كانت قد زارت أختها حليمة، ولما قاربت الساعة العاشرة والنصف في تلك الليلة كانت تدير مفتاح تشغيل سيارتها ولكن السيارة أبت أن تشتغل، جاء زوج أختها حليمة وفك بعض البراغي داخل الماكينة وأعاد تركيبها ونظف مجرى الوقود وثبت أمورا كثيرة في السيارة ولما قاربت عقارب الساعة الحادية عشرة والنصف، انطلقت سيارتها إلى البيت، في تلك الليلة كان يتم عرض المباراة النهائية من مباريات كأس العالم. بدت شوارع المدينة خالية إلا ما ندر من السيارات وكانت بدرية تأففت وهي منطلقة نحو بيتها الذي يبعد نصف ساعة من بيت أختها، ولم تكد المسافة تصبح نصفها وهي تسوق بهدوء، تفكر في الغد ومسؤولية الأبناء اليتامى، ومسؤوليتهم ومصاريفهم حتى لمحت على جانب الشارع وعند أحد المنعطفات التي تؤدي إلى إحدى القرى سيارة منقلبة على ظهرها في بركة صغيرة بين شجيرات زينة قد صممت خصيصا لتزيين الشارع توقفت بعد أن رأت دخانا يتصاعد من السيارة وتراجعت بضعة أمتار ثم نزلت من سيارتها لترى ماذا حدث لهذه السيارة التي انقلبت ظهرا على عقب، ولما وصلت إليها وهي تتلفت والشارع خال من السيارات رأت امرأة قد انحشرت داخل السيارة ولم ينفك منها حزام السلامة الذي ربط صدرها، وغطى ماء البحيرة نصف وجهها وهي تنزف دما غزيرا، هالها المنظر ومدت يدها إليها ورفعت رأسها عن الماء وفتحت قفل حزام السلامة وسحبتها إلى الخارج وهي مغمي عليها إلى أن وضعتها في سيارتها وانطلقت بها إلى أحد المستشفيات القريبة، ولما جاءها المسعفون ونقلوها إلى غرفة العمليات وأجروا لها الإسعاف اللازم كانت قد قدمت لطاقم المستشفى الإداري ورجال المرور الذين حضروا كل البيانات المطلوبة عن الحادث وموقعه وعنها كالاسم ورقم البطاقة وعنوان العمل ثم انصرفت بعد أن أنهكها التعب، وصلت بيتها وقد نام جميع أطفالها، فقد تعدت الساعة الثانية والنصف صباحا، لم يكن يشغلها شيئا إلا الالتزامات المالية والقروض وحياتها الصعبة، ولما وضعت رأسها على وسادتها لم يتعد الوقت دقيقتين حتى غابت في نوم عميق استيقظت على صوت ابنتها مريم توقظها. ولما أوصلت ابنتها إلى المدرسة ذهبت إلى عملها مسرعة مخافة أن تتأخر وتحاسب وتعاقب. في المستشفى كان هناك زوج الفتاة التي أحضرتها بدرية ووالدها وأخوتها وأخواتها، طمأنهم الطبيب المسؤول عن علاجها وذكر لهم معلومة قد صدموا على أثرها وحمدوا ربهم الذي أنقذ وحفظ ابنتهم، المعلومة هي أن المرأة التي أحضرت ابنتهم قد استطاعت أن تنقذها في الوقت المناسب ولولا هذه المرأة لما عاشت ابنتهم وذلك لسببين أولهما أنها كادت أن تغرق فقد أخرجوا كمية صغيرة من الماء داخل صدرها وكذلك نزيف الدماء الذي لم يتوقف ولو تأخر الأمر ربع ساعة فقط لتوفيت ابنتهم!!
في عصر ذلك اليوم كانت بدرية تقف أمام المرآة وهي لابسة فستانا عتيقا ترى نفسها وتتألم من شدة ما تعانيه من فقر وشح في الموارد المالية. ولكنها مجبرة أن تزور إحدى صديقاتها بهذا الفستان الذي مضى على شرائه أكثر من خمس سنوات. ورجعت إلى بيتها بعد أن جاء الليل لتتعشى مع بناتها الثلاث عشاء الفقراء المكون من أبسط المأكولات. ولما استلقت على فراشها بعد أن استحمت جاءها اتصال هاتفي، رفعت الهاتف ونظرت إلى رقم المتصل فبدا لها رقم غريب ولا تعرف صاحبه فلم تجب عليه. في اليوم التالي وعند الساعة العاشرة صباحا بينما كانت منهمكة في عملها ورد إليها اتصال بنفس الرقم، ترددت بالإجابة عليه ثم امتنعت! بعد أن تكررت الاتصالات مدة خمسة أيام، جاءها خطاب باليد يحتوي على دعوة موجهة إليها فاحتارت ثم ألقت بها جانبا وأهملتها، مضى أسبوع ثم عشرة أيام، وفي اليوم الحادي عشر طرق باب مكتبها رجل ودخل، ألقى عليها التحية وبكل أدب واحترام وجه إليها دعوة من سيده لأنه يريد أن يجتمع بها في مكتبه ببناية، كانت تسمعه وتنظر إليه بحذر وجدية وبكل هدوء سلمها العنوان ومضى خارج المكتب بعد أن تركها في حيرة بالغة. وهي تفكر في من يكون هذا الرجل وسيده. عندما جاء وقت اللقاء كانت بالطابق الخامس والخمسين ببناية الرجل الذي طلبها دخلت مكتبه وكانت هناك سكرتيرة جالسة في مقدمة القاعة، تلبس الحرير من الثياب ونعلين جلد ووجهها به أجود أنواع مستحضرات التجميل ناهيك عن رائحة العطور التي تلف القاعة ممزوجة بهوائها. نظرت إلى لباسها وهزأت من نفسها ثم تقدمت إلى السكرتيرة التي سبقتها بالحديث قائلة:
- لا بد أنك بدرية!
اكتفت بهز رأسها لها واقفة بين الابتسامة والحيرة.
- أوه قالت لها السكرتيرة.
ثم فتح باب المكتب وخرج منه رجل في العقد الخامس من عمره خطا ثلاث خطوات وتوقف ينظر إليها ومسحة كبيرة من الفرح قد غطت وجهه، وهي بالكاد استطاعت أن تقف معتدلة بل أربكها الموقف ولم تعرف ماذا تفعل.
- نعرف عنك كل شيء!!
- ما المناسبة قالت له!
- ليس المهم المناسبة بل حضورك!
- هل أنا مجبرة على الحضور؟
- لا!! قال لها ولكننا أحضرناك هنا بعد جهد كبير
- أنا والد الفتاة التي أنقذتها!
نظرت إليه للحظات وهي لا تعرف ماذا تفعل أو تقول ولكنها وقفت وقالت له.
- أنا.. أنا لست من تسبب في الحادث، هل أصابها مكروه!؟
- اجلسي يا بدرية! نعرف أنك أرملة! منذ سبع سنوات وترك زوجك المرحوم دين عليك مقداره سبعة آلاف دينار، وأنت أم لثلاث فتيات مريم ولينا وخلود وتعملين بالمستشفى التخصصي رئيسة قسم الموارد المالية وتدفعين أقساط مقدارها سبعمائة دينار ويتبقى من راتبك ثلاثمائة وخمسون دينارا بالكاد تغطي مصاريف حياتك وقد أهملنك أخواتك! وسافر عنك أخوك أحمد وتوفي خالد، قاطعته:
- لحظة لحظة أرجوك، ليس من حق أحد في العالم أن يبحث في حياتي أو ماضي أو مستقبلي! هذا حقي أليس كذلك؟.
ابتسم وبكل هدوء تمنى أن تجلس ولو لدقائق
- أنا لست على استعداد لأجلس مع إنسان يحدثني ويسرد لي وقائع حياتي من دون أن أعرف السبب!
- لقد أنقذت ابنتي من الموت!
- أهذا ما دعاك أن تسترسل في سرد قصة حياتي.
- اجلسي أرجوك!
تنفست الصعداء وجلست غير معلقة بل منتظرة أن تصل معه إلى نتيجة هذا الاجتماع.
واصل
- وتسكنين في شقة متواضعة بعد أن بيع بيتكم في المزاد يوم طلب البنك أن تسددي المبلغ الذي اقترضه زوجك المرحوم لإقامة المشروع العقاري ونصب عليه أعز أصدقائه. وكنت آنذاك في حالة يرثى لها بعد وفاة زوجك.
- وماذا بعد قالت له، لقد حفرت في ماضي ولا أريدك أن تقفز على مستقبلي فأنا، إنسانة أعيش ليومي!
- نعرف ذلك قال لها
- وماذا تعرف أيضا قالت
- بل أنت التي يجب ، تعرف، نظرًا إلى إنقاذك ابنتي من موت محقق فقد رأت العائلة أن تكافئك بإهدائك بيتا يسع جميع عائلتك
- بيت قالت؟! بيت؟
- نعم ومبلغ مجزي من المال سوف نضعه في حسابك بالبنك بعد تسديد كل ديونك وتحمل مبالغ دراسة بناتك إلى آخر مرحلة في الجامعة!
رجعت بدرية البيت وهي تسوق سيارتها بعد أن أصابتها صدمة الاجتماع الذي هز كيانها فأصبحت عملية إنقاذها لهذه الفتاة مبعث رزق غير متوقع أنزله الله عليها بكل سهولة ويسر، ولما زارت البنك في اليوم الآخر لتعرف كم المبلغ الذي وضع لها في حسابها كمكافئة عرفت أنه ربع مليون دينار.




aak_news