العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

الثقافي

الشيخ علي الطنطاوي والشيخة مي بنت محمد آل خليفة من حيث الإنتاج التاريخي

بقلم: يوسف شويطر



قال الفيلسوف مصطفى محمود عن التاريخ: من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدًا، وسوف يرى الدنيا أيامًا يداولها الله بين الناس الأغنياء يصبحون فقراء،والفقراء ينقلبون أغنياء وضعفاء الأمس أقوياء اليوم،وحكام الأمس مشردو اليوم،والقضاة متهمون، والغالبون مغلوبون والفلك دوار والحياة لا تقف، والحوادث لا تكف عن الجريان والناس يتبادلون الكراسي، لا حزن يستمر ولا فرح يدوم.
لم يخل العالم الغربي من المفكرين والفلاسفة والنقاد الذين كتبوا عن التاريخ والحكايات تحت منظور أكاديمي لقد وقف التاريخ أمام أسماء لها ثقلها الثقافي مثل بول ريكور ومن مؤلفاته( نظرية التأويل - التاريخ والحقيقة - الزمن والحكي - الخطاب وفائض المعنى)، ويوسيفوس فلاسيوس المؤرخ لمملكة يهوذا والذي يلقي الضوء على الأوضاع والأحداث في فلسطين خلال القرن الأول للميلاد في حين انهيار مملكة يهوذا، بعد ظهور الديانة المسيحية والتغييرات الكبيرة في اليهودية بعد فشل التمرد بالرومان ودمار هيكل هيرودس، عندما ننتقل بالخريطة إلى العالم العربي سوف نجد أسماء استطاعت تأريخ عالمنا الإسلامي منذ البدء وعلى رأس القائمة ابن كثير الدمشقي المولود في عام 701هـ صاحب المؤلفة الشهيرة (البداية والنهاية) الموسوعة الضخمة التي تضم التاريخ منذ بدأ الخلق إلى القرن الثامن الهجري حيث جزء النهاية مفقود، والغني عن التعريف ابن خلدون المؤسس لعلم الاجتماع الحديث.
السرد التاريخي لا يمكن أن يفتقد الروح الحكواتية، التاريخ بعد مرور الأزمنة والسنوات يتحول إلى قصة شيقة تروى للأجيال، في اعتقادي المؤرخ الذكي هو الذي يطرح مؤلفاته التاريخية بالمنظور القصصي حيث إن القليل من المؤرخين الذين كتبوا بهذه الطريقة، في الغالب يشمل التأريخ حول الأنظمة السياسية وسير الملوك والحكام وعادة المادة الثقافية السياسية تكون ذات طابع دسم عندما يقرأ الفرد كتابا بعنوان (الأيدولوجيا والسياسات الأوتوقراطية) مع وجود هذه المصطلحات قد يصعب على المؤرخ أن يحول السيرة أو تجليات الحقبة من إطارها السياسي إلى تاريخي شيق يشد انتباه القارئ هنا سوف يحتاج المؤرخ إلى التكنيك الروائي في تلطيف الأحداث المذكورة.
علي الطنطاوي نموذجا
الشيخ والأديب علي الطنطاوي (1909م - 1999م) يُعتبر من كبار أعلام الدعوة الإسلامية والأدب العربي في القرن العشرين، المختلف في تكوين الطنطاوي كونه شيخ دين وأديبا وكاتب مقالات في الوقت ذاته حيث نجح في دمج تلك المجالات بنجاح، يمتاز أسلوبه الكتابي بالإثارة والتشويق خاصة في كتابه (قصص من التاريخ) الصادر في عام 1957م،يحتوي الكتاب على ثلاث وعشرين قصة نُشر أكثرها في الثلاثينيات هي منتقاة من أزمنة متباينة تمتد ما بين أيام الجاهلية وحتى القرن الماضي، ففيها قصص من العصر الجاهلي للنابغة الذبياني، ومن اللطائف في آخر أيام الجاهلية
وأول أيام الإسلام ابن الحب، ومن الحجاز في أول العصر الأموي (ثلاثون ألف دينار)، وعلى أبواب المدينة، وليلة الوداع، ويوم اللقاء،ومن سمرقند أيام الفتوح الأولى (قضية سمرقند)، ومن الشام في آخر أيام بني أمية فيها (سيدة من بني أمية)، ثم منها في القرن الثامن (في صحن الأموي)، ومن مكة في وسط القرن الثالث (حكاية الهميان)، ومن بغداد في أيام المأمون (وديعة الله)، ومن فلسطين في أيام صلاح الدين (في بيت المقدس، وهيلانة ولويس)، ومن الأندلس في آخر القرن الخامس (عشية وضحاها)، ثم منها في ساعات الوداع قبيل سقوط غرناطة بيد النصارى في آخر القرن التاسع (آخر أبطال غرناطة)، ثم منها بعد السقوط (محمد الصغير)، وأخيرًا ها هي ذي قصة «عالِم» من دمشق في عام 1831م. وفي الكتاب مشهد مسرحي واحد عنوانه «أبو جهل»، وللعلم تم تحويل هذه الحكايات إلى حلقات تلفزيونية بتقديم الدكتور طارق السويدان تحت عنوان (من روائع حضارتنا)، الجميل في تجربة الطنطاوي الأدبية عندما سرد الحدث الإسلامي الواقعي بطريقة مشوقة خاصة في قصة (وديعة الله) يأخذ التشويق القارئ عندما يريد معرفة ماذا سوف يحدث للبطل في نهاية القصة عندما غاب عن زوجته سنوات طويلة؟، وماذا سوف يحدث للمرأة ورضيعها في قصة بيت المقدس؟، في هذه المنطقة الأدبية تواجدت القيمة الروائية لدى الطنطاوي لجذب القارئ حيث جعل المادة التاريخية المقروءة مثيرة وتطرح التساؤلات منذ بداية القصة ويستمر السؤال إلى النهاية، إذا انقطع حبل الأسئلة في المنتصف فسوف تفقد القصة قيمتها، والشيخ الطنطاوي استخدم هذا الأسلوب القصصي في أغلب مؤلفاته ذات الطابع السردي (أعلام التاريخ - رجال من التاريخ - حكايات من التاريخ) رحم الله الشيخ علي الطنطاوي رحمة واسعة.
الشيخة مي بنت محمد آل خليفة نموذجا
تعد مؤلفات الشيخة ذات أهمية كبرى في الشأن الثقافي البحريني حيث تحتل الجانب القصصي فيها من كل الجوانب، وتعتبر الشيخة أول وزيرة للثقافة في دول مجلس التعاون ويشهد المثقفون البحرينيون لها بالبنان حول إنجازاتها على مدار 10 سنوات، تعتبر مؤلفاتها ضمن أهم المراجع التاريخية المعنية بالبحرين واستطاعت أن تضيف الذكاء الروائي في كتبها بالرغم من دسامة المادة التاريخية المكونة من إحصائيات الأزمان.
محمد بن خليفة الأسطورة والتاريخ الموازي 1996م
بالرغم من كثرة صفحات هذا الكتاب التي تبلغ 1002 صفحة إلا أنه يحمل أهمية كبرى قد غفل عنها المثقفون البحرينيون الشباب ويرجع السبب إلى احتواء الكتاب على قصة الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة ومناقبه وكيفية إدارته لزمام الحكم والتحديات التي واجهها في حكم البحرين والتوتر الذي كان يسود الجزيرة،كل ذلك دونته الشيخة مي في قالب الرواية التاريخية ومن روادها في الوطن العربي الروائي المعروف (أمين معلوف)، الشيخ محمد بن خليفة قد لا يكون مشهورا في ذهن الشاب البحريني المثقف لكن تم الحديث عنه في الكتاب كشخصية لها قوتها ليس في البحرين فقط بل في الخليج بأكمله.
سبزآباد ورجال الدولة البهية، قصة السيطرة البريطانية على الخليج 1998م
التاريخ الحديث للخليج العربي لا ينكر وجود الاستعمار البريطاني وسيطرته التي أضافت التطوير في جميع المجالات لكن في هذا الكتاب تم الحديث عن علاقة الرعايا البريطانيين مع السياسة الخليجية وخاصة مع القيادة البحرينية المتمثلة بحكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1848م-1932م) وطريقة الشد والربط بين الشيخ عيسى والراعي البريطاني وتصرف البريطانيين إزاء ذلك، يأخذك الكتاب إلى عالم الأسئلة (ماذا سوف تترتب عليه الأحداث في نهاية الكتاب؟).
من سواد الكوفة إلى البحرين، القرامطة من فكرة إلى دولة 1999م
الأرشيفية المتحدثة عن تاريخ القرامطة في البحرين، حيث يسبق الموضوع سرد مختصر للأحداث المعروفة للخلافة الأموية وانهيارها وتولي الخلافة العباسية حكم الإمبراطورية الإسلامية وتتوالى الأحداث في النهاية إلى الفصل الذي يتحدث عن فترة حكم القرامطة وسيرتهم أثناء تمركزهم السياسي في البحرين، تجزئة الكتاب مكونة من فصول قصيرة، ومن عادة القارئ أن يتشوق إلى محتوى الكتاب لما يحتويه من الفصول المتعددة.
عبدالله بن أحمد محارب لم يهدأ (2002م)
في هذا الكتاب استعرضت سمو الشيخة قصة حياة الشيخ عبدالله بالإضافة إلى وصف المشهد السياسي البحريني أثناء وجود الانتداب البريطاني آنذاك وكيفية محاولة الشيخ لردع الاستعمار بالطرق الدبلوماسية مما أسفر ذلك إلى نفيه حيث توفي في المنفى، كتاب سردي يحتوي على الحبك القصصي السلس ذات طابع ليس مملا.
ومضة قليلة من المثقفين الجدد في البحرين يعلمون السرد المبسط في مؤلفات الباحثة الشيخة مي بنت محمد، المعلوم والدارج عنها في الوسط الثقافي والسياسي البحريني بأنها وزيرة للثقافة فقط، بل لا يجب عليهم أن يقرؤون إنتاجها الذي يتحدث عن تاريخ البحرين حيث استخدمت كل سبل التبسيط القصصي والمعروف عن كتب التاريخ ليست هي إلا حصيلة أرقام وأيام وتواريخ تنفر القارئ لكن استطاعت الباحثة أن تغير الموازين في تلك المعادلة.




aak_news