العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

الثقافي

سرديات
خطاب القبائل الكونيّة في روايات أمين معلوف!

بقلم: الدكتورة ضياء عبدالله خميس الكعبي*



مصطلح «القبائل الكونية» من المصطلحات المحورية التي اجترحها الروائيّ اللبنانيّ الفرانكفونيّ أمين معلوف، وذلك في كتابه المهم جدًّا «الهويات القاتلة»، وهو يعني بالقبائل الكونية الجماعات المؤدلجة التي تعلو أدلجتها على انتماءاتها الوطنية، وبالتالي تكون أدلجتها كونية عابرة للقارات، وهو ما نراه حاليًا في خطابات التطرف على تنوعاتها في العالم. وخطاب أمين معلوف في كتبه الفكرية وفي إبداعه الروائي هو خطاب مناهض لهذه القبائل الكونية كما سمَّاها. ويقوم الخطاب المناهض عنده على إحياء قيم التنوع الثقافي وعلى الاحتفاء بتنوع العناصر في الهوية الواحدة والدعوة كذلك إلى تجاوز الحضارات سعيًا إلى هوية إنسانية جامعة قائمة على إحياء القيم المسكونية للبشرية وفي مقدمتها قيمة التسامح.
فإلى أي حد تنسجم روايات أمين معلوف الثماني في سردياته الكونية مع رؤيته الفكرية الناظمة هذه؟ إنَّ أبرز ما يميز روايات أمين معلوف هو انتقاؤه لحظات تاريخية مفصلية في التاريخ هي لحظات التوتر والتأزّم وأزمنة النهايات الكبرى؛ فعلى الرغم من عدم انتماء روايته الأولى «القرن الأول بعد بياتريس» إلى حيّز التاريخ المتخيّل الذي احتفى به في رواياته اللاحقة فإنَّ هذه الرواية بالأخص تتحدث عن اختلال رهيب يصيب العالم بين الشمال الغني والجنوب الفقير المتذمر ومن قيم اختلال الأنوثة وعوالمها؛ لذا يبدو السارد في الرواية معنيًّا بهذه النهايات بمؤشراتها الخطيرة، وكأنَّ فكرة هذه الرواية ظلَّت تختمر في ذهنه على مدى ما يقارب ثلاثين عامًا لكي يخرج لنا كتابه الأخير «اختلال العالم» الذي حذّر فيه من الاختلال العظيم الذي سيقود الكوكب والكون بأسره إلى النهايات المدمرة. وفي روايته «سمرقند» يتوزع التشرذم في زمن الفتن والانحطاط السياسي، فتهزم القوة المحضة وتتشرد العاطفة والروح الشاعرة ويكون الظفر من نصيب العقل المتلوّن بالحيلة والتقية. أمّا في روايته «صخرة طانيوس» سيكون الموت والاختفاء والتغييب مآل أي عقل تقدمي تنويري خارج على سلطة الإقطاع السياسية المتحالفة مع سلطة الكهنوت الديني. وفي «ليون الإفريقي» يكون أيضًا زمن النهايات المفصلية هو الزمن المتماهي مع الحسن بن الوزّان مع انهيار حكم بني الأحمر في غرناطة التي يتوازى ضياعها مع ضياع ابن الوزّان وتشتته وهجنته. وفي هذه الرواية يعجز معلوف عن إقناعنا بسر تحولات شخصية ابن الوزّان العميقة، وبخاصة العقائدية، ويعجز كذلك عن بيان سر استسلامها المطلق للقدر، فهي كما صوّرها سرديًّا «شخصية قدرية» بامتياز. وقد كان اختيار معلوف لشخصية «ماني» الإشكالية في سرده لها من البدايات إلى النهايات اختيارًا موفقًا وإن لم يوفق في التبئير السردي الذي جعله مرتكزًا على رؤية سردية واحدة منعت من تشكّل مستويات عدة للتبئير من خلال تعدد أصوات الساردين. وتتمثل النهايات في رواية «موانئ المشرق» في شخصيته الرئيسة «عصيان». وهي الشخصية التي تعيش أيضًا زمن النهايات والانقسامات والاضمحلال، من انحلال الخلافة العثمانية ومذابح الأرمن إلى المنفى البيروتي ثم الصراع العربي-الإسرائيلي. وفي «رحلة بالداسار» تكون النبوءة المتعلقة بنهاية العالم ونزول الدجّال هي المحركة لفضاءات السرد في الرواية. أمّا روايته الأخيرة «التائهون» فهي بحق رواية عدم الاكتمال والتشتت والتيه؛ إذ لم يستطع بطل الرواية آدم أن يجمع أصدقاءه الذين تعود صداقته بهم إلى ربع قرن بعد أن فرقتهم الآيديولوجيات والسياسة.
إنَّ أمين معلوف من أكثر الروائيين والكتاب العرب عناية بالتحبيك التاريخي للهويات لصهرها في هوية كونية واحدة. وقد تبلورت عنايته بهذه القضية في مشروعه الفكري وفي إبداعه السردي؛ ففي منجزه الفكري الذي بلورته كتبه «الهويات القاتلة» و«بدايات» و«اختلال العالم» أسّس مصطلحات مركزية كبرى، منها دعوته إلى إلغاء «الهويات القاتلة»، والقضاء كذلك على زمن القبائل الكونية الكبرى، ومنها استشرافه للهويات الكونية بعيدًا عن التحديدات العرقية واللونية والجنسية، ساعيًا إلى الاحتفاء بالاختلاف الثقافي وبالهجنة الثقافية وبانصهار الحضارات واندماجها، وهو الاندماج المؤسّس على الخلاص بواسطة الثقافة والاحتفاء بالتنوع البشري.
إنَّ معلوفًا يبدو في رواياته مهمومًا بالبحث عن سبل لخلاص البشرية من آفاتها الكبرى التي ستقضي عليها. ولكن إلى أي مدى تضافرت رؤيته الفكرية التي عبّر عنها في كتبه الفكرية مع تحبيكه السردي في رواياته الثماني؟ إنَّ المتخيّل في رواياته خطابٌ لا يخلو من محمولات فكرية وثقافية ناظمة له؛ إذ تشكّل الهجنة الثقافية والاحتفاء بالهويات المتنوعة أساس هذا الخطاب الذي يصدر عنه الكاتب، إلا أن تأويله للتاريخ وتحبيكه إياه قد لا يتوافق أحيانًا مع القيم المسكونية الكبرى التي بشّر بها في منجزه الفكري، ومنها التنوّع الثقافي بوصفه وسيلة لخلاص البشرية؛ فشخصياته الرئيسة جميعها تنتهي إلى النهايات القاتلة بسبب هزيمتها، ما يضفي على أجواء رواياته أجواء تاريخية قاتمة لرؤية سردية تحمل قدرًا كبيرًا من التشاؤم، كما أنه في عدد من الروايات يبدو معنيًّا بالسرد التاريخي الوثائقي بعيدًا عن الغوص في أعماق شخوصه لبيان تحولاتها النفسية الرهيبة، ونمثل لذلك بشخصية الحسن بن الوزّان في «ليون الإفريقي» وشخصية ماني في «حدائق النور»، كما أن هجنته الثقافية لشخصياته في بعض رواياته مثل «ليون الإفريقي» و«موانئ المشرق» إما أن تنتهي «باللاانتماء» و«التشتت» كما هو حال ليون الإفريقي وإما تنتهي بالجنون والعزلة والوحدة كما هو حال «عصيان» في «موانئ المشرق». وهذا يعني أن الهويات المهجنة في روايات معلوف لم تحقق تصالحًا مع واقعها السياسي والاجتماعي والثقافي في محيطها الكوني الأكبر. ولعلّ الأمل الذي لمحناه في روايته الأولى «القرن الأول بعد بياتريس» يتحقق في روايات جديدة لمعلوف تحمل قدرًا أكبر من تحقيق رؤيته الكبرى الكونية التي يحلم بها لخلاص البشرية.
ونخلص إلى القول إن منجز أمين معلوف الفكري والسردي يتميز من بين خطابات الروائيين العرب المعاصرين بتفرده باندماجه في مشروع مؤتلف واحد يدعو إلى انصهار الحضارات واندماجها، ويدعو كذلك إلى الهويات الكونية الجامعة بعيدًا عن التحديدات الضيقة، وهو ما نحتاج إليه في عالمنا المتشرذم اليوم بعيدًا عن الكراهية القاتلة.
* أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد كلية الآداب-
جامعة البحرين





aak_news