العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

الثقافي

البيئة البحرينية والكنوز الثقافية

بقلم: زينب علي البحراني*



يُقال في الأثر المصري القديم أن «من شرب من ماء النيل لا بد وأن يرجع له»، وأنا أقول أن من يستنشق هواء البحرين لا يمكن إلا أن يرجع لها مرارًا وتكرارًا، لا أقول هذا من باب المُبالغة أو المُجاملة، بل من باب الاعتراف بحقيقة يُعلنها الواقع كل يوم، وإذا كانت الأجواء الإنسانية والمكانية البحرينية لا بد وأن تطبع بصماتها على روح أي زائر مهما كانت ميوله أو توجهاته أو هواياته؛ فإن بصماتها تتوغل في وجدان من يخوض التجربة الثقافية أو الإبداعية على الساحة البحرينية بمختلف مستوياتها، وتحفر صورتها ورائحتها ومذاقها على جدران أرشيف ذاكرته إلى الأبد.
كثير من المثقفين والمبدعين العرب يدينون ببعض جوانب شُهرتهم لفترات إقامتهم في البحرين، ومنهم من يكون مغمورًا في بلده ولا يسطع نجمه إلا بفضل تلك الفرصة التي تقدمها البيئة الثقافية البحرينية لكل موهوب مجتهد، وأنا من هؤلاء الذين لا يمكنهم نسيان ما وهبتني إياه تلك البيئة من فرص، ولا يسعني إلا أن أكون ممتنة للمكان الذي بسببه تمكنت من حضور أول عرض مسرحي حي في حياتي، وشاهدت أول فيلم يُعرض في قاعة عرض سينمائية حقيقية، واستمتعت للمرة الأولى بأجواء عرض حي للموسيقى العالمية، ونشرتُ فيه أول إصداراتي الأدبية، وتمت استضافتي لأول أمسية قصصية، وكتبت صحافته أول خبر أدبي عني، وعبر أثير إذاعته تم بث أول حوار إذاعي أجري معي، واستطعت أن أرى عن قرب عشرات المثقفين والأدباء والفنانين الذين كنت أنبهر بإطلالاتهم التلفازية بعيدة المنال خلال طفولتي ومراهقتي، ولست الوحيدة التي تعترف بدور هذه البيئة في مسيرتها الإبداعية، إذ سبق وأن صرّح كل من الدكتور الأديب غازي القصيبي رحمه الله، والفنان عبدالمحسن النمر، والفنان راشد الماجد، وآخرون كثيرون، بما لتلك الأرض من آثار في رحلتهم نحو عالم النجومية، لذا كان من الملفت للاهتمام بالنسبة إلي أن يطرح بعض البحرينيين تساؤلات عن الطرق التي تفتح لهم الأبواب لدخول عوالم تلك المجالات، فطريق الوصول في البحرين أسهل كثيرًا من أي بلد آخر أكبر مساحة وأكثر اكتظاظا بالسكان، وكل ما يُطلب منك كي تحقق نجاحًا حقيقيًا هو أن تكون مهتمًا حقا، مُجتهدًا حقا، مثقفا حقا، وأن تركز على الإيجابيات لتتمكن من اقتناص الفرص وتتجاهل المُحبِطين من ذوي الميول السلبية الذين لا يُبصرون إلا النقطة السوداء على امتداد الصفحة البيضاء، اعمل بصدق وإخلاص ولا تنتظر دعمًا أو مساعدة من مخلوق، وكُن على يقين أن دورك في النجومية قادم لا محالة.
البحرين تمتاز بسمات لا تمتاز بها أي أرض أخرى، وهذا ما يكتشفه أي عربي أو أجنبي من عشاق النجاح والصعود في أي مجال بينما لا يستطيع بعض البحرينيين رؤيته لأننا لا نستطيع رؤية الأشياء القريبة منا جدًا مثلما لا نستطيع رؤية البعيدة عنا جدًا، فهي حلقة وصل ممتازة بين ثقافات الشرق والغرب، ولا يمكن تجاوز حالة التزاوج الفريدة بين الثقافة المحلية المتجذرة في أعماق الأرض البحرينية وإنسانها وبين أطياف الثقافات القادمة من أقصى الأرض وأدناها لتقدم لوحة ثقافية يومية حية على أرض الواقع، والنشاطات الثقافية دائمة ومستمرة إلى درجة أنه لا يكاد يمر يوم من أيام العام دون إعلان عن أمسية أدبية أو فنية أو فكرية تضيف لحاضريها معلومات ثرية، وهناك ستصادف كثيرا من المبدعين والمثقفين والإعلاميين الذين لا يمكن أن تصادف أمثالهم في أي بلد آخر، وسيسمحون لك بالاقتراب منهم وإلقاء التحية عليهم والتحدث معهم كما لا يحدث في أي مكان آخر.. في السعودية مثلاً نحن لا نملك هذه الفرصة لأسباب كثيرة منها اتساع المساحة وكثرة عدد السكان وتباعد أماكن إقامتهم، لذا من الصعب أن يجتمع كل أولئك الناس في مكان واحد، ومن الصعب أن يسمع الناس باسمك لمجرد نشر خبر عنك في صحيفة كما يحدث في البحرين لأن الصحف كثيرة ومتناثرة في مدن متباعدة.
البيئة الثقافية البحرينية كنز حقيقي إذا أتقن المثقف البحريني استغلاله بذكائه واجتهاده، وهذا الكنز يستحق الشكر والتقدير والامتنان من كل مثقف غير بحريني وهبه الحظ فرصة اغتراف شيء من خيراته المعنوية الثمينة، كي لا تذوب تلك النعمة تحت وطأة التجاهل أو الجحود.
* كاتبة: سعودية





aak_news