العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٦٧ - السبت ١٥ أبريل ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ رجب ١٤٣٨ هـ

الثقافي

قضايا ثقافية
قصيدة عربية لم تولد بعد

بقلم: سلمان الحايكي



أُحاول جاهداً كباحث في الشعر العربي قديمه وحديثه الذي بين يدي وما أتوقع لمستقبله أن أشعر في يوم من الأيام أن هناك قصيدة من الشعر العربي لم تُولد بعد، لكنني أتعرض للإحباط الشديد الذي يُوصلني إلى اليأس.
كل القصائد التي عرفناها منذ العصر الجاهلي مروراً بالعصر الإسلامي وفي العهدين الأموي والعباسي وما تلاهما حتى يومنا هذا وُلدت عديدا من القصائد، لكن الذي بقيَ صار كالجثث المتآكلة التي لا ينفع معها التحنيط في الأجواء السائدة والمناخ العربي الثقافي الحالي.
لا يمكن لأي باحث أن يُنكر تطور الشعر العربي وتجاوزه كثيرا من المراحل وتحرره من كل الأوهام والعقبات المصطنعة والتسلط، وأمامي العديد من القصائد التي عاشت ردحاً طويلاً من الزمن، لكننا إن سلقناها وقلدناها وأعدناها إلى الحياة ستكون مُشوهةٌ وذات مذاق فاسد لا تصلح لأن يُلقيها غير صاحبها الذي أنتجها وخرجت من أحشائه وعظامه ولحمه ودمه.
يمكن أن يعترض سائل ويقول: قد يكون صاحب النص الأصلي غير جدير أو لا يُجيد الإلقاء في هذا الزمن والجواب ذكره صاحب السؤال حين أشار إلى الزمن وهل بالإمكان تقمص أرواح الشعراء السابقين؟
علينا أن نسأل: هل بالإمكان أن نجد شعراً في الزمن الحديث خالياً من (الخوف والرهبة) ويُلقى على مسامع من حضر بنفس قوة إلقاء الشاعر مظفر النواب أو حتى نزار قباني أو محمود درويش وغيرهم من المتميزين في السيطرة على قلوب المستمعين؟
ولو عدنا إلى زمن يسبق زمنه، هل بالإمكان أن تولد قصيدة لعمر الخيام (آخر) التي يسأل فيها بالسهل الفلسفي الممتنع عن أصل الوجود ويُلقيها أمامنا أي شاعر بنفس إحساس صاحب النص الأصلي؟
كذلك الحال مع الشاعر إيليا أبو ماضي في قصائده المشهورة ضمن إبداعاته المختلفة ومن أقواله المثيرة للجدل:
(جئت ولا أعلم من أين أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت)
وقد غنَّاها عبد الحليم حافظ وأثارت في حينها ضجة ثقافية لم تتوقف حتى يومنا هذا.
حتى الشاعر نزار قباني نفسه تعرض للهجوم المبرح يوم قال:
(قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك يا آخر قنديل صيف
يُضيء لنا في ليالي الشتاء)
وهو يصف جمال عبد الناصر بآخر الأنبياء وهو وصف خاص به وحرية الفكر مكفولة.
من هنا علينا أن نعي إن الزمن لا يمكنه أن يفرض شروطه على الشعر فالزمن لا يقود الإبداع ولا هو المسؤول عن الأحاسيس ولا هو صاحب السلطة على العقل واللسان والشعراء الذين يتوارون في التراب وينثرون الغبار على أنفسهم ليبرروا العجز لأنهم لم يكتشفوا أسرار هذا الزمن واكتفوا بالصمت أو المناورات، رغم أنه بالإمكان تطوير الشعر وجعله ثقافة لا نهاية لها. فأين القصيدة العربية التي لم تولد بعد والتي غيَّرت وظيفة الشعر لتحوله من كلام جامد فوق الورق إلى فعل متوارث بين الأجيال عامة والمثقفين خاصة؟
Sah.33883@hotmail.com





aak_news