الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٤١ - الاثنين ٢٠ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ٢١ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

زاوية غائمة

لا يمكن للنيكوتين أن يكون زين



معظمنا صار مدخنًا من باب الفنكهة والمنظرة، لأن التدخين كان مرتبطًا في الخيال الشعبي بـ«التفكير» و«الإبداع»، وكنا نرى صور الشعراء والمشاهير عمومًا وهم ينفثون الدخان، وشخصيًا كان أكثر ما ملأني حماسًا لممارسة التدخين، أن أخرجه من فتحتي الأنف، وياما دمعت عيناي وسالت برابيري وأنا أتدرب على إخراج الدخان عبر الأنف، وواصلت المران والتدرب إلى أن اكتشفت أنني صرت «محترفًا» أي مدمنًا للتبغ، وكانت بداياتي مع تبغ القمشة الذي يزرع في شمال السودان النوبي، وهو من أسلحة الدمار الشامل للرئة والجهاز الهضمي والمسالك البولية، فرائحته كريهة ولاسعة، لأن النبتة –فيما أعتقد– من فصيلة الشطة، ثم ظهر نوع من السجائر باسم أبو نخلة وكانت العلبة بثلاثة قروش، وكان تدخين أبو نخلة يمثل «طفرة حضارية» وطبقية بالنسبة إلينا الذين كنا نلف السجائر المحشوة بالقمشة الركيكة بأيدينا، على نفس الورق الخفيف الذي يستخدمه الحشاشون لصنع البلاوي التي يدخنونها.
وإلى يومنا هذا وتدخين السجائر مرتبط بالرجولة والفحولة، وقبل أن يتم حظر إعلانات السجائر، كان الصنف المسمى مارلبرا (وهكذا يُكتب ويُنطق اسم هذا النوع من التبغ وليس مارليبورو)، يظهر في الصحف وعلى الشاشات، مقرونا براعي بقر (كاوبوي) ذي لياقة بدنية عالية، يمتطي حصانًا في مناطق جبلية وكل ما حوله يوحي بالقوة والبهاء!! ومن ثم كان هناك استنكار تدخين النساء، ليس من منطلق أنه ضار بالصحة ولكن بمنطق أن التدخين نشاط ذكوري، وهكذا صار التدخين عند بعض النساء ضربًا من التمرد على التقاليد ولفت نظر الرجال إلى «أننا لسنا أقل منكم»! وإذا كان التدخين مرتبطًا بالرجولة فقد جعلت الحكايات الشعبية السطل والانسطال، الذي هو تعاطي المخدرات، مرتبطًا بحضور البديهة وخفة الظل والدم، وعبارات مثل «فلان انسطل» و«فلان في حالة سلطنة» تعني أنه يحس بأنه سلطان زمانه، ما يعني أننا نعتقد أن تعاطي المخدرت يجعلك تحس بأنك «فوق» الآخرين، بينما نكات المساطيل تعكس في حقيقة الأمر أنهم يعانون من غياب ذهني.
كل السفسطة والفذلكة أعلاه، تداعت إلى ذهني بعد أن قرأت ملخص ما أوردته دورية نيتشر مديسين وترجمتها «طب الطبيعة»، حول أن النيكوتين، وهو المادة المسببة للإدمان في التبغ، يؤدي إلى معالجة بعض الاضطرابات النفسية، والشلل الرعاش «متلازمة باركنسون»، وخرف/عته الشيخوخة (الزهايمر)، حيث يقوم النيكوتين بتنشيط بعض خلايا المخ فتطلق بدورها مادة الدوبامين التي تجعل الإنسان يحس بالاسترخاء، واسترخاء في استرخاء يكون الإدمان، ويرى الدكتور دان ماكقيهي من جامعة شيكاغو الأمريكية والدكتور توني جورج من جامعة ييل الأمريكية، أن كثيرا من الناس يمارسون التدخين لأنه يخفف من معاناتهم من اضطرابات نفسية، وقد أثبتت مسوحات أجرتها فرق طبية أن نصف من يعانون من الاكتئاب وثلاثة أرباع من يعانون من الفصام (سكيتزوفرانيا) يدخنون لأنهم ربطوا ولو عن غير وعي وإدراك، بين التدخين وتخفيف أعراض الأمراض التي يعانون منها.
ولكن لا تحسب أن ذلك يمثل «رخصة» للتدخين! وخصوصا أن عدو المدخنين الأول، د. حجر البنعلي، وزير الصحة الأسبق، صار قليل الظهور. لا يا بعد عمري: مازال التدخين سببًا أساسيًا لسرطان الرئة والبلعوم واللثة، والعجز الجنسي عند الرجال، وتشوه الأجنة عند الحوامل، وحتى لو كنت تعاني من العلل النفسية والعضوية التي يعالجها النيكوتين، فلا يعني ذلك أن تواصل أو تستأنف أو تبدأ التدخين، فالنيكوتين موجود مغلفًا وتستطيع أن تشتريه من الصيدلية على شكل لصقات أو علكة.





jafabbas19@gmail.com


نسخة للطباعة

مقالات أخرى...

الأعداد السابقة