العدد : ١٤٢٤١ - الاثنين ٢٠ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ٢١ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٤١ - الاثنين ٢٠ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ٢١ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

قضايا و آراء

لهذه الأسباب يصعد أردوجان ضد أوروبا

بقلم: د. سمير صالحة *



ألغت السلطات الهولندية من دون تردد قرار السماح لطائرة وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو بالهبوط على أراضيها لأسباب تمس الأمن الوطني، ثم كانت أشد قساوة حين منعت وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية فاطمة قايا من الوصول إلى مبنى القنصلية التركية في روتردام وهي تقف على مسافة 30 مترا منها، لتبعدها بالقوة إلى خارج الحدود.
الرد الأسرع كان لوزير الخارجية التركي الذي تنبأ باندلاع الحروب الدينية في أوروبا بسبب تفشي العقلية نفسها التي يتبناها ويدافع عنها جيرت فيلدرز، السياسي الهولندي اليميني المتطرف. لكنه كان أكثر شفقة من الهولنديين حين ذكرهم أن أنقرة لم تعامل هولندا بالأسلوب نفسه وإلا لكانت استدعت القائم بالأعمال الهولندي إلى مقر الخارجية ليلة الأزمة، «وأمسكناه من أذنه ورميناه في زنزانة».
المشكلة نجمت عن قرار حكومات هولندا وألمانيا والنمسا حظر المهرجانات الخاصة بالاستفتاء الدستوري التركي على أراضيها، ومنع ممثّلي الحكم التركي من المشاركة في مثل هذه المهرجانات.
هناك من يرى أن لغة التصعيد والتحدي والاستفزازات والإهانات بين الطرفين لم يرافقها أي ترجمة من هذا النوع على الأرض. كل ما فعلته تركيا عمليا حتى الآن ضد هولندا كان عبارة عن إعلان تجميد العلاقات الدبلوماسية وتعطيل عمل لجنة الصداقة البرلمانية في البلدين والتراجع عن قرار اعتبار روتردام مدينة توأمة لإسطنبول. وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكشي يؤكد أن توتر العلاقات التجارية والاقتصادية خارج أي نقاش.
لكن في الجانب الآخر هناك من يقول إن التوتر التركي الأوروبي هذه المرة يختلف عن التوتر الحاصل سابقا؛ فأسبابه والأدوات المستخدمة خلاله ومطالب الأطراف تعكس خطأ اعتبار المواجهة مجرد أزمة سياسية أو دبلوماسية، فالتصعيد يشمل المهاجر واللاجئ المسلم في أوروبا الذي يقابله مزيد من التطرف والتشدد العرقي والقومي الأوروبي ضد هؤلاء.
الذين يعرفون أردوغان يعرفون أيضا أنه لن يحاول أن يعوض أي خسارة محتملة في أصوات الداخل خلال عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية بالاعتماد على أصوات الخارج، وأن هدفه أبعد من ذلك بكثير.
أسباب عديدة وأبعاد مختلفة لتوتر العلاقات التركية الهولندية ومن ثم الأوروبية. لعل أهم بُعد في ذلك هو سعي تركيا إلى تغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، ما يجعلها أكثر تحررا وأكثر قوة واستقلالية في رسم سياساتها الإقليمية، وخصوصا أنها عبَّرت دائما عن تطلعها إلى المشاركة في قيادة العالم السنِّي في المنطقة وفي العالم.
ثم علينا أن نقبل حقيقة أخرى هي أنّ تركيا تشعر بخيبة أمل أوروبية بسبب اتفاقية اللجوء التي لم تدخل حيّز التنفيذ بعد. هناك حقيقة ثالثة تتقدم على الأرض، هي أنّ نحو ثلثي الأتراك -بحسب استطلاع للرأي أجرته شركة تركية محايدة- يريدون إنهاء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأنهم غير مقتنعين أن أوروبا ستضمهم إليها.
الرئيس التركي أعلن أيضا أنّ بلاده ستعيد النظر في اتفاقية اللجوء وإعادة القبول المبرمة بين أنقرة وبروكسل؛ لأن الجانب الأوروبي لم يلتزم بتنفيذ تعهداته في موضوع تقديم المساعدات إلى اللاجئين السوريين ومسألة رفع تأشيرة الدخول عن الأتراك في منطقة شينجن. هي ردة فعل تركية مقلقة وموجعة إذا ما تبنتها أنقرة.
الرئيس التركي يقول أيضا إن احتياطي البنك المركزي التركي الذي بلغ 120 مليار دولار هو الذي يغضبهم. ويشير إلى وجود عديد من دول الاتحاد الأوروبي لا تستطيع تقبّل نهضة تركيا وتطورها، وأنّ ألمانيا التي تقدّم الدعم للجماعات التي تصفها تركيا بالإرهابية كحزب العمال الكردستاني والكيان الموازي (جماعة جولن) تتقدّم تلك الدول.
الاستفادة من الجاليات التركية في أوروبا قرار يهدف إلى جمع شملها وتنظيمها في مواجهة الحملات التي تستهدف تركيا من قبل تنظيمات وقوى أخرى مثل اللوبيات الأرمينية التي تستغل غياب تركيا عن الساحات الأوروبية وربطها بالوطن الأم تركيا، وهي إستراتيجية تركية ظهرت إلى العلن في السنوات الأخيرة وأغضبت الأوروبيين بسبب تمدد نفوذها وشبكة ارتباطاتها الواسعة.
كتَّاب أتراك رأوا أن ما يجري هو حرب تصفية حسابات مع تركيا بدأت في منتصف يوليو المنصرم بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، لذلك لا بد أن يكون الرد قاسيا في 16 أبريل المقبل. الترجمة العملية لهذا الكلام هي أن تركيا قادرة على تحويل الأزمة إلى قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار، ليس في علاقاتها بالدول الأوروبية بل داخل أوروبا نفسها إذا ما قررت إلغاء اتفاقية اللجوء، ما سيعني ارتفاع شعبية اليمين القومي المتشدد.
لماذا قرَّرت أنقرة استحضار النازية والعرقية؟ وكيف ستلتحق تركيا بعد الآن بمن تتهمهم بأنهم أنظمة فاشية وقمعية؟ وكيف ستجلس تركيا جنبا إلى جنب مع قيادات سياسية أوروبية أطلقت عليها كل هذه التوصيفات؟ الكرة في الملعب التركي هذه المرة، وأنقرة هي التي ستقرر بعد الاستفتاء في الشهر المقبل إذا ما كانت ستعمق الأزمة أو لا.
هناك «خطورة» أخرى أشار إليها البعض في الداخل الهولندي مع إعلان النتائج، تمثلت في فوز جماعات إسلامية ناشطة بثلاثة مقاعد في البرلمان الجديد. هم يقولون إنهم فوجئوا بمدى شعبية تركيا وأردوغان وقدرة تركيا على تمويل هذه الحركة وتنظيمها وسط المسلمين الهولنديين، على الرغم من أن أنقرة لا تتحدث كثيرا عن هذه المسألة.
لكن مخاطر ارتدادات ما يجري على أنقرة لن تكون سهلة أيضا، فهي أزمة تخللها الضرب تحت الحزام السياسي وفوق الرأس، وكانت ارتداداتها تتحرك على خط الإسلاموفوبيا والعثمانوفوبيا ثم التوركوفوبيا. التهديد بإغراق أوروبا باللاجئين يحمل معه خطر تحميل تركيا مسؤولية التورط في غرق المئات والآلاف إذا ما قررت التخلي من جانب واحد عن اتفاقية اللجوء.
نسب إلى الزعيم التركي التاريخي وخليفة أتاتورك عصمت إينونو قوله إن الخطأ الذي ترتكبه في بداية أي أزمة سياسية أو دبلوماسية لن يفارقك حتى نهايتها، لذلك عليك أن تكون حذرا في اختيار كلماتك وتحديد مواقفك.
* أكاديمي وكاتب تركي






aak_news