الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٩ - السبت ١٨ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٩ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الثقافي

في أمسية حوارية مع ثلاثة روائيين شباب
تباين في الرؤى حول البنية ومقدار الخيال والمرجعيات في الرواية البحرينية



طرحت العديد من التساؤلات والمحاور حول الرواية البحرينية والحالة الفنية التي تعيشها والمرجعيات التي تعتمد عليها ومقدار الخيال فيها في ظل ما تشهده الساحة الأدبية البحرينية من نتاج عزيز ومتنوع في المنجز الروائي، جاء ذلك في الأمسية التي أقامها نادي السرد بأسرة الأدباء والكتاب ضمن برنامجه المنوع تحت اسم «روائيون بحرينيون» في الساعة الثامنة من مساء الأربعاء الماضي بمقر أسرة الأدباء والكتاب بمنطقة الزنج، واستضاف الروائيين جليلة السيد وأيمن جعفر وحسين عبدعلي, وأدار الحوار الروائي الكاتب رسول دوريش متناولا تجاربهم في الكتابة الروائية وفي الوقت الذي تناول فيه عدة محاور كانت كفيلة بإثارة رؤى الحضور والتسابق في تقديم مداخلاتهم ونقاشهم حول هذه التجارب، وتناول المحور الأول سؤالاً حول من يكتب الرواية، إن كان هو الروائي بحد ذاته أم أن أحداث الرواية تفرض نفسها على الكاتب، وتحدثت الروائية جليلة السيد مؤلفة رواية أنا لست لي مؤكدة أنها كانت تحمل جرحًا كبيرًا وعليها أن تتصافى معه، فجاءت تجربتها الأولى التي تمثل ولادة من عمق الجرح والألم، وفيها وجع وحزنٌ كبيران، أثمرا عن ولادة عملها البكر.
ومن جانبه أكد الروائي حسين عبدعلي أنه من يكتب النص بذاته، ولا تفرض أحداث العمل نفسها عليه، فهي جملة بلاغية ليس لها حضور، ولكنه يستدرك أن فكرة الكتابة تأتي بعد وجود سؤال يزعجه ويقلقه، مشبهًا الكاتب بحيوان منوي عليه أن يخصب البويضة وهي الرواية، وفي ذات السياق، أضاف الكاتب أيمن جعفر أن كثيرًا من الأحداث تفرض نفسها عليه، فيمهد لها، ويحضر لها قبل أن يشرع في كتابتها.
وعلى صعيد آخر تطرق المحاور رسول درويش إلى أهداف الكتاب الروائية، فأبرز أيمن جعفر فكرته قائلاً: «إن أكبر خطأ هو تحديد هدف من البداية، لا أميل إلى الأفكار الكبرى التي تغير العالم، نحن نميل للتصالح مع الذات والواقع لنكون اشخاصا أفضل، ففي كتبي الثلاثة كانت هناك كتابة بلا هدف تحاول أن توصل قيمة الحقيقة بلا وهم أو إيهام، وفي كتابي الثاني قرأت عن ابن عربي وكانت الفكرة التي تشغلني هي ماذا لو تخيلنا العالم على شكل حروف انا لا ارسم هدفا كبيرا نحو تغيير العالم».
ومن جانبها، قالت جليلة السيد: «إن نجاح أي عمل أدبي ليس في إيصال الرسالة وإنما الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القراء، إن منجزي الأول أي (أنا لست لي) وصل إلى أكبر شريحة من القراء، وهذا كان هدفي من وراء العمل». ومن ناحيته، قال حسين عبدعلي: «إن تغيير العالم فكرة ماركسية والعالم في انحدار، الكتابة هي اكتشاف الذوات قبل الآخرين وأن يضع اكتشاف نفسه قبل الآخرين، الأدب ليس لتحسين العالم فالعالم مأخوذ بالسوق، وإنني ككاتب ومشتغل بالفن أضع عدة اسئلة بحيث يكون القارئ مرتبكا ويعيد صياغة نفسه».
النبش في التجربة
وتابع درويش طرح المحاور متسائلا عما ذكره ماريو بارغاس، حيث قال إن الكتابة الروائية تشبه الممثلة التي تخلع ملابسها قطعة تلو الأخرى على خشبة المسرح، فيما ينتظر الجمهور النهاية.. وبكلمات أخرى فإن الكتابة تشبه النبش في التجربة الحياتية الخاصة للكاتب.. فتساءل عن مدى مصداقية هذه المقولة على تجارب الكتّاب الشخصية؟
أيمن جعفر أوضح أن المد الروائي مدٌ عالمي، نحن في زمن الرواية وتداخل الاجناس الادبية، وأنا أكثر تأثرا بأدب أمريكا الجنوبية والواقعية السحرية والكتاب في لبنان، مثل نجوى بركات، ربيع جابر، الياس خوري. وعبده خال في الخليج العربي. وقال إننا أصبحنا في الخليج نتحرر من قضايا النفط.. وتطرق لما قالته الكاتبة نجوى بركات حيث تفاجأت في «المحترف» من كمية التحرر من الكليشهات لدى كتاب الخليج وجوائز البوكر تثبت ذلك.
وبدورها، أوضحت جليلة السيد فكرتها بالقول: «تأثرت في قراءتي بالكاتب يوسف السباعي والكتاب الكلاسيكيين، وأتأثر أكثر بالكلمة ورواية الحدث، الشارع الثقافي له حدان في التأثير على الكتابة، حد إيجابي وحد سلبي، الحد الإيجابي هو كثرة الإصدارات التي تنم عن أقلام واعدة وموهبة لم تكن موجودة سابقا تبرز أقلامًا قوية، والحد السلبي أن كل من هب ودب يحاول ملء الكأس!
واتفق حسين عبدعلي مع ما ذهب إليه زميله أيمن جعفر، وقال: «إن هذا زمن الرواية، والرواية من الأنساق النادرة، المسرح وصل كاملا، والشعر وصل كاملا، إلا الرواية فهي لا تزال في طور التجريب. نحن نتاج تراكم من التأثرات حتى في التجارب السيئة. ولا يمكن عزل المسرح عن الرواية خصوصا مع تداخل الأجناس الفنية، وحاولت ان أعزز المسرح والسينما والصورة الفوتوغرافية وهذا جزء من نص متاهة زهرة.
وفي محور آخر حول طبيعة الكتابة باعتبارها فضحًا وتعرية للذات قال أيمن جعفر: «إن الكاتب يتماهى مع شخصياته، وقد اتخذت من كتابة الرواية البطل وسيلة لإيصال أفكاري، فكيف تتعاطف معها وتغضب منها؟ ربما يتسلل الكثير من ذاتي ولكن لا أتقصد ذلك، أحب أن تكون لشخصياتي حريتها، ففي (مداد الروح) كتبت قصتي عن مدرس خط، وربما كان البطل يشبهني ولكن لم أتقصد ذلك، جدلية الذات الفعلية والمتخيلة ستبقى دائما قائمة».
وأوضحت جليلة السيد مشيدة بما ذهب إليه أيمن، وذكرت: «أشيد بكلام أيمن، فالرواية بكل شخوصها ليست كل تفاصيلك داخلها، لا بد أن ستلتقي مع جزء منك ولكن ليس مع كل الشخصيات، لا توجد كتابة ناجحة خارج الواقع، ولا أميل للكتابات الخيالية، إن واقعية (أنا لست لي) هي مزيج من الخيال والواقع. وبدوره قال حسين عبدعلي: إن الإجابة تتبلور بعد الموافقة والنفي، فأنني ككاتب موجود في متاهة زهرة ولكن في صور شتى. والاجابة على السؤال اي.. ولا.
لكل رواية مرجعية
وفيما يخص مقدار المرجعيات الثقافية في الكتابة، ذكر رسول درويش ما ذهب له إيمبرتو إيكو حين شرع في كتابة (اسم الوردة) العام 1981. حيث أعد الكثير من المراجع والمصادر للكتابة عن أحداث العصور الوسطى، ثم وضعها في قالب فلسفي قصصي، وهو ما جعل روايته تلك من روائع الأدب العالمي، وأوضح أيمن جعفر أن المرجعيات تقع في عدة أقسام، فمنها مثلاً المرجعيات العلمية، وأنا لا أغفل الدراسات النفسية لصوغ شخصياتي. وهناك مرجعيات ثقافية متنوعة.. وفي كتابي دفاتر البحر والموت تجد فيه الكثير مما ذهب إليه ابن عربي، ولذلك قمت بالقراءة كثيرًا في الصوفية وعالم الأساطير، إن مداد الروح تتحدث عن عالم المداد، ولذا اضطررت للقراءة في تاريخ الخط العربي.
وقالت جليلة السيد: «إن الحقبة الزمنية عن عهد البعث البائد في العراق لم تكن محض خيال، ومن المستحيل التنكر لها ولوقائعها، ولذلك كانت عنصرًا أساسيا في تكوين أنا لستُ لي. وتطرق حسين عبدعلي إلى أن تراكم البحث في التفاصيل كمفهوم عام، وإن الفكرة تكون محمومة عندك من فترة طويلة، تجربة متاهة زهرة في الانجاب العلاقات والروابط اليومية، وأنت لا تكتب رواية تاريخية، الرواية عملية بحث ليست منجز شهر أو شهرين وإنما رأي تحمله من فترة طويلة يتخمر في داخلك.
الخيال ومكانه في صياغة الرواية
ذهب المحاوِر رسول درويش بعد ذلك إلى مقدار الخيال في الكتابة الروائية، فأوضح أيمن جعفر أنه في عملية السرد لا بد من خيال ورصد للواقع، ومادام الكاتب يقرأ فهو يجد ما يقرأه معاشًا، والكاتب الجيد الذي يسرق كل شيء ويوظف كل شيء في كتاباته، وذهبت جليلة السيد إلى إمكانية أن نضع أحلامنا وخيالنا في عقولنا نصب أعيننا قبل الشروع في الكتابة. وأوضح حسين عبدعلي أن مسألة وجود الخيال في الرواية شيء حتمي، وليست مهمته نقل الواقع وإنما إعادة صياغة الواقع بمتخيل روائي.
وجاء السؤال اللاحق حول هل يضع الكاتب النقاد نُصب عينيه أثناء عملية الكتابة؟، فقال أيمن: «في كتاباتي أحاور قارئا ما واستدرجه نحو النص، لأوجد قارئا متلهفا يقرأ لي، يأتي النقد لاحقا ولكن لا أعول عليه بقدر ما أقول أن القارئ يأتي أولاً. وأما جليلة السيد فقد أكدت أن الكاتب الناجح لا بد أن يبعد النقاد عن عينيه وهو يكتب عمله.. وبجانبه، أوضح حسين عبدعلي ذلك بالقول: «أنا أضع زوجتي نصب عيني لأنها ناقدة شرسة، وأن هناك فهما خاطئا لدور الناقد، فدوره الحقيقي يأتي (قبل) الكتابة وليس بعدها. الكتابة جهد الناقد نفسه، الناقد الذي يفتح افاقا قبل الكتابة قليل جدا، الناقد يفتح مجالات جديدة.
وفي محور مغاير، تساءل رسول درويش عن الأمور التي يود الكتاب الثلاثة تغييرها لو أُعيدت بهم عجلة الزمن قبل كتابة أعمالهم الروائية، فقال أيمن جعفر: لو عاد الزمن بي إلى برنامج محترف نجوى الذي كان زمن الكتابة فيه ضاغط جدًا؛ لأعدت النظر في بعض التفاصيل، أستطيع أن أعتبر نفسي متهملاً في الكتابة، سوف أتمهل لو عاد بي الزمن لأضيف أشياء واحذف أشياء أخرى. وقالت جليلة السيد: «إن بعد الإصدار، لا يوجد حذف ولا إضافة، وإنما قبل التغيير يكون قبل الإصدار».





نسخة للطباعة

الأعداد السابقة