الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٩ - السبت ١٨ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٩ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الثقافي

نـــبــــــض
كن رحيمًا يا دكتور نادر: بناقد يحب زقزقة العصافير وحكمة داود!!



في كتاب الناقد السعودي عبدالله الغذامي «قراءة في الأنساق الثقافية» الذي اثار يومها عند صدوره جدلاً في الأوساط الثقافية، والذي عد انقلابًا على الخطاب النقدي الحديث.
حيث رأى الدكتور حاتم الصكر في مقالته المنشورة في جريدة الاتحاد الإماراتية 10 مايو 2012. «تمثل أطروحة الغذامي حول النقد الثقافي نموذجا للناسخ والمنسوخ الذي هو أحد المشغلات النسقية التي فات الغذامي رصدها، بل كان ضحيتها حين رأى ألا حياة للنقد الثقافي إلا بما اسماه موت النقد الأدبي، فكان الثقافي ناسخا والأدبي منسوخا، مذكرا برولان بارت وإعلانه الشهير عن (موت المؤلف) رغم أن بارت يتحدث عن إجراء تكتيكي مرحلي في عملية القراءة أشبه بالتخدير الموضعي لإجراء عملية جراحية لا يلغى بسببها العضو المخدر من الجسم. أما الغذامي فيدعو استراتيجيا لموت النقد الأدبي بتهمة وجود الأدبية والشعرنة فيه، وانصرافه إلى البحث في جماليات يصنعها مجازا لا حقيقة تسنده كما يرى.
وتغدو التهم الموجهة إلى النقد الأدبي نواقص تحسب على الحداثة ذاتها التي كان الكتاب يحاول جاهدا إثبات رجعيتها ويسفّه خطابها عبر انتقاء شاعرين من أعلامها في الشعر العربي، مضحيًا بأبي تمام والمتنبي ونزار وأدونيس».
وعلى هذا المنوال، وبعد مرور ما يقرب من ستة اعوام على صدور كتاب الغذامي: «قراءة في الانساق الثقافية» يأتي الدكتور نادر كاظم ليثير مجددًا هذا البعد من الإشكالية الثقافية التي اتفق معها البعض وخالفها آخرون عبر محاضرة قدمها قبل أيام في اسرة الأدباء والكتاب تحت عنوان: «هل تكون الدراسات الثقافية هي الحل لأزمة النقد» وكأني بالدكتور الغذامي قد عاد بجانب الدكتور نادر كاظم خلال الأمسية ليشكلا معًا روح المصادرة التي لم ار فيها الا شكلاً من اشكال الإثارة عبر وجهة نظر تقبل الصواب والخطأ، ولا يعني هذا موتًا للناقد.
فالصورة الجمالية والبلاغية في النص الشعري تختلف في قراءتها من شخص لآخر وكذلك الناقد.
ولا يعني إن النقد العربي يعيش ازمة الناقد، لأن الناقد لايزال بيننا، وان غاب بعض النقاد عن قراءة النص، فالآخرون من النقاد الحريصين على البعد النقدي موجودون، نقرأ لهم ما يسرنا وما يدفعنا نحو الحرص على نقاء النص الذي نكتبه.
فالإشكالية ليست في الناقد وحده، ولكن ارى ان الإشكالية فيمن يكتبون النص، لأن الاستسهال جعل كثيرين من الكتاب الجدد يستسهلون الكتابة، وهذا في اعتقادي لايغري الناقد الوقوف على تجاربهم.
ولا يعني هذا إن النقد العربي المعاصر يعيش في أزمه، كما تسأل كاظم في سياق محاضرته.
ولستُ ممن يبرر للناقد غفلانه أو سهوه عن مواكبة الجديد، والهروب نحو الأعذار الممططة والضعيفة، لأن النقد رسالة ويجب ممارستها حتى لاندع المستسهلين الكتابة في التخبط ومناصرة النصوص التي لا ترتقي بذائقة القارئ.
ولستُ مع الدكتور نادر كاظم، في الغاء الناقد، لأن جمال النص وما يحمله من بعد بلاغي محط لتحفيز ذاكرة المبدع نحو مسايرة المتغيرات وتقديم الأجمل من النصوص.
وعندما يقول كاظم: «ماذا لو استيقظنا من النوم وقد اختفى الأدباء، الأطباء، المهندسون أو حتى عمال البلدية «المسؤولون عن النظافة»، سنشعر بأن هناك شيئا ما ناقصا في حياتنا وستكون هناك أزمة شيء جميل نفتقده ويختفي من العالم».
وعلى العكس من ذلك لو استيقظنا في صباح أحد الأيام وقد انقرض كل النقاد فلن يحدث أي تغيير على الإطلاق ولن يشعر أحد منا بفقد شيء مهم وخطير».
قد يكون هذا متفق عليه في حساب الزمن السريع، ولكن ارى ان المتغير ليس مرئيًا كمتغير في فقدان عمال النظافة والأطباء، لكن بحسب الجمال والمريح لنفس ومن يقودها نحو الانشغال بالجمال والتقدم نحو مركبة الحياة الأدبية، يكون النص ناقصاَ من دون ناقد، فالنقد يغربل الجمال والفلسفة ويقربها من القلب، ويعطي الحافزية لمن هو مجد الكتابة بروح الناقد.
وعندما تسأل نادر كاظم: «إن كانت الدراسات الثقافية هي الحل لأزمة النقد، معتبرًا إن النقد لا يؤدي وظيفة حقيقية، هو في الأصل مجرد خطاب اشتغال قول على قول».
مستندًا في رؤيته عبر المثقف والناقد الغربي قائلاً: «في العام 1987 نشر راسل جاكوبي المفكر اليساري الأمريكي كتابه آخر المثقفين: الثقافة الأمريكية في عصر الأكاديميا، وهو كتاب يرسم معالم حقبة جديدة يهيمن فيها نوعية جديدة من المثقفين، وهو يطلق على هذه الحقبة اسم عصر المثقف الأكاديمي، والكتاب بشكل عام رثائي وهجائي في الوقت ذاته، فهو يرصد بحزن ظاهرة اختفاء المثقف العام أو المفكر الحر الذي كان يكتب بحيوية وقوة، ويتمتع بالجرأة والشجاعة والوضوح في طرح أفكاره في الحياة العامة، وباختفاء هذا النوع من المثقفين الذين أثروا الحياة العامة بكتاباتهم ومواقفهم، حلّ محلهم مجموعة من أساتذة الجامعات الذين يستحوذ عليهم تخصصهم الدقيق ولغتهم الاصطلاحية الغامضة، والمفارقة أن المجتمع لم يعد يعيرهم أي اهتمام، وهم في المقابل لم يعودوا يعيرون هذا المجتمع اهتماما كبيرا».
لا يعني هذا ما يراه الناقد الغربي صالحًا لتحول الثقافي في الغرب مفيدًا لنا في حراكنا الثقافي العربي، ولا يعني موت الناقد الغربي، هو موت للناقد العربي، فمن لا يعرف اشهر النقاد للأدب الجاهلي الناقد الشهير «محمد بن سلام الجمحي صاحب كتاب» طبقات فحول الشعراء»، والناقد رجاء النقاش وشيخ النقاد احسان عباس، وعندنا في البحرين والذي لولاهم ما عرفنا قاسم حداد وعلي الشرقاوي ولم نعرف علي سيار وإبراهيم العريض واحمد محمد الخليفة، وأخرين ممن عرفنا ادبهم شعرًا وسردًا كان للنقد وتقديم تجربتهم للقارئ على يد نقاد امثال: الدكتور علوي الهاشمي، الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم، ومن الشباب الناقد الجديد الدكتورة ضياء الكعبي، والدكتورة انيسه السعدون والدكتورة انتصار البناي في الجانب المحلي، الدكتور فهد حسين.
هؤلاء لسنا من نغفلهم، لأنهم مرجعنا، ولكن اتفق مع الدكتور نادر كاظم إن بعضا ممن يحسبون على النقد نائمون، والقارئ مر من بين ارجلهم سريعًا، اتمنى أن تكون رسالة الناقد لا تغفل ولا نرفع شعار موته، لأنه وان نام فلن نتركه لينام نوم القُطا، لأننا بحاجة إليه والدنيا لا تقوم الا برؤية وكل رؤية لا بد لها من شرفات تطل بناظرنا نحو جماليات النص وبعد كاتبه، ففي هذا البعد يستقيم الكاتب باستقامة الناقد لتصديه لمن يفسد جماليات الأبداع.
مع الناقد، ولستُ مع موته، ولكن ناقدنا المحلي هل أنت حريص على غربلة ما يكتبه ابن وطنك فهو أحق برسالتك؟
وجمال العالم اخي وحبيبي الدكتور نادر كاظم بجمال قلب ناقد لاينام، يبحث عن الجمال ويكون مثله لحاجتنا كعامل النظافة، وأعتقد أن بعد مرور تلك الأعوام من رؤية الغدامي هو نفسه يرى انه منقلب على آرائه، فكن رحيمًا بناقد يحب زقزقة العصافير وحكمة داود.
a.astrawi@gmail.com





نسخة للطباعة

مقالات أخرى...

الأعداد السابقة