العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

التربية الحضارية في السنة النبوية.. (2) التوحيد الخالص

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا



علمنا في جولتنا السابقة مع التربية الحضارية في الآيات القرآنية أن الأساس التربوي الأول في بناء الحضارة الإنسانية هو الإيمان بالله رب كل شيء ومليكه، وإفراده وحده بالعبادة كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) )النحل: 36(.
وعندما تغيب قاعدة الإيمان بالله وتوحيده بالعبادة من البناء الحضاري نجد التردي الحقيقي للسلوك الإنساني، حيث يتيه الإنسان في ظلمات البحث عن المعبود فيعبد الحجر والشجر والحيوان والإنسان والنجوم والكواكب، لذلك لم يترك الله تعالى الإنسان حائرًا تائهًا فأرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب وبرهن بالبراهين العقلية والعملية والكونية على وجود الخالق القادر العظيم الحكيم المدبر. وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار، قال تعالى: (يا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 22). فهذا أمر في القرآن وكذلك في السنة المطهرة.
وقال هرقل لأبي سفيان لما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما يقول لكم؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: إنك تأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله. وفي رواية (أن يوحدوا الله)، وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف، وأول ما يدخل فيه الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا.
كما قال صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (حديث صحيح)، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) (متفق عليه).
وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) (جزء من حديث أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح عن كتاب فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، عبدالرحمن بن حسن بن عبدالوهاب، الرياض: المملكة العربية السعودية، ط: 1. ص: 15. 1999م).
وبذلك رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمهم التوحيد الخالص، وأن هذا من الشرك الذي وقعت فيه بنو إسرائيل، وأن المؤمن الحق ذو شخصية مؤمنة موحدة لا يشرك بالله شيئا.
وفي حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً وفي يده حلقة من صُفر، فقال: ما هذه؟!، قال: من الواهنة، فقال: (انزعها فإنها لا تزيدك إلاّ وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا) (رواه ابن ماجة وأحمد واللفظ لأحمد).
وهذه عملية كفَّ ذاتي وفوري من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين عن الشرك ومظاهره وكل ما يؤدي إليه. (بناء الشخصية الإسلامية في السيرة النبوية، نظمي خليل أبو العطا موسى، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة: مصر، ص: 1. ص: 94. 2013م).
وقد تردت البشرية وتردى معها بعض المسلمين الذين يرتدون ويعلقون هذه الأساور والتمائم ويقولون عليها «حظَّاظَّة»، أي: تجلب الحظ لصاحبها وتزيل عنه الغم والهم والحزن، إنه التردي العقائدي والعقلي والفكري الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لنزعه بالتربية الإيمانية وتوحيده في القلب ليبني الإنسان حضارة علمية واعية وموحدة.
وعن عبدالله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما هذا يا معاذ؟!)، قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن أفعل ذلك بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) (أخرجه ابن ماجة والبيهقي والإمام أحمد والحاكم).
فالسجود للعباد حرام وممنوع في الإسلام، وفي هذا تحرير للعباد من العبودية للعباد.
وقد أثر تعليم وتعلُّم وتربية النبي صلى الله عليه وسلم في بناء شخصية المسلم، حيث رضي بالله تعالى ربًا لا شريك له في العبادة والدعاء والتقرب والتألُّه كما قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) (الأنعام: 164).
واللوازم الظاهرة التي يتحقق بها التوحيد الخالص تتلخص في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وتحقيق ذلك باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والالتزام بالشريعة وهذا هو مقتضى الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله. (الجهل بمسائل الاعتقاد، عبدالرازق بن طاهر بن أحمد معاشر، دار الوطن، الرياض: المملكة العربية السعودية، ط: 1. ص: 381. 1417هـ).
وبذلك ربى المصطفى صلى الله عليه وسلم المؤمنين على ألا يطلبوا الدعاء والشفاعة من رسول الله، ولا يتبركون بقبور الصالحين ولا يغالون فيهم ولا يتبركون بالأشجار والأحجار وغيرها من المخلوقات، وبذلك تتميز شخصية المسلم في الحضارة الإسلامية الإيمانية فلا يفعل المسلم المشينات والمهينات من سلوكيات شركية وبدعية ويتميز المسلم عن تلك الشخصيات التي عششت الخرافات في عقولهم وانعكست على سلوكها، فطلبت قضاء الحاجات من الأحجار والأبقار والأشجار والفئران وما لا يملك للإنسان ضرًا ولا نفعًا.
إنها التربية الحضارية المتميزة في السنة النبوية والسيرة النبوية.






aak_news