الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

الغزو الفكري وآثاره (5)



يتخذ الغزو الفكري والثقافي لأبناء الأمة أساليب متعددة، ووسائل متنوعة، كلها تهدف إلى غاية واحدة هي إبعاد المسلم عن عقيدته، وهويته، والتحكم في فكره وسلوكه، وهو ما يُطلق عليه التغريب. والمقصود إما إبعاد المسلم عن عقيدته، فيكون غريبا بين المسلمين، وإما المقصود أن يعيش بثقافة الغرب بكل ما فيها، وإتماما لما سبق، نعرض هنا بعض أساليب الغزو الفكري وآثارها على الفرد والمجتمع، ومنها تشويه الشخصية المسلمة ورموز الأمة، حتى تُفتقد الثقة كما وقع من رسوم مسيئة لشخص الرسول-صلى الله عليه وسلم- وما أنتجته ثقافتهم من أفلام تُسيء للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- وتشوه حقيقة الرسالة الخاتمة في أذهان غير المسلمين، وتُظهر الإسلام بصورة مخيفة، صورة المتعطش للدماء، وتُثير الشك عند ضعاف الإيمان من المسلمين. وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: «يُريدون ليُطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون» (الصف:8-9)، كما ينتقل هذا التشويه الى عامة المسلمين وخاصة رجال الدين (الدعاة) فتُفقد الثقة في كل ما يدعون إليه، وذلك بعد التهكم على شخصية الدعاة، بإظهارهم في مواقف سيئة، عن طريق الأفلام ووسائل الإعلام، كإظهارهم بصورة المتسلط، والغليظ الذي يسفك الدماء من دون رحمة...... إلخ وإظهار المساوئ وإلصاقها بهم، ما أثر سلبا في ثقة الناس فيما يُلقونه من وعظ وتعليم ودعوة الناس الى أمور الدين، وهذا لا شك يُحدث فجوة بين المجتمع والعلماء، وحينها ينتشر الجهل، ويفقد الناس القدوة الحسنة في أهل العلم، فينتشر الجهل ويقل العلم، ويعم الفساد البلاد والعباد، بسبب هذا الجهل، ولعل هذا ما أشار إليه حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحذر منه. فيما أخرجه البخاري بسنده عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ» ولقد رفع الإسلام منزلة العلماء حيث جعلهم أحق العباد بخشية الله تعالى: يقول تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء». (فاطر: 28) ، ومن عظيم منزلتهم عند ربهم، أن قرن الله تعالى شهادته بوحدانيته سبحانه، وشهادة ملائكته مع شهادة أهل العلم، فقال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأُولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. (آل عمران: 18)، وهذا يستوجب من كل مسلم الاقتداء بهم، وأخذ العلم منهم، والتأدب معهم، فهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لا يُورثون درهما ولا دينار وإنما يُورثون العلم. وحين تقع فجوة بين العلماء وبين عامة المسلمين، تكون الكارثة عظيمة، والآثار وخيمة، أخرج أبو داود في سننه عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى الدَّرْدَاءِ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ. صلى الله عليه وسلم. لِحَدِيثٍ بلغني أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ، قَالَ: فإني سَمِعْتُ رَسُولَ الَّلهِ-صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ في جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر»ٍ. إن أعداء الأمة يسعون جاهدين لإحداث فجوة عميقة بين العلماء وبين عامة الناس، لينسلخ الناس من دينهم ومبادئهم فتُشوه عقيدتهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولذا فإن غيبة العلماء والخوض في أعراضهم، مما نهى عنه الإسلام وحذر منه، فإن لحوم العلماء مسمومة، فانتبه أيها المسلم لهذا الأمر الجلل، ثم ينتقل الأمر بالتشكيك في بعض أحكام الدين، وإثارة الشبهات حول بعض قواعد الدين وأصوله الثابتة، وخاصة في أمر لباس المرأة المسلمة، وهل الواجب عليها النقاب أم الخمار؟ ثم بإخراج ثوب المرأة في صورة تُخالف الإسلام، بما يُظهر مفاتنها فهو أقرب للزينة منه للستر، تحت مُسمى الموضة، فهي كاسية عارية، كاسية بثوب يشف ويُجسم الأعضاء، ويصف بدنها، لذا فهي لبست ثوبا غير ساتر، فهي كاسية عارية من الحسنات كما بينه الرسول-صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه البخاري وغيره عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ سُبْحَانَ اللهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ؟ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَة». يقول تعالى: «أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون». (فاطر: 8)، ومن آثار الغزو الفكري وخطورته الترويج بالدعاية المغرضة بأن العلمانية (بفتح العين) أو اللبرالية، هي البديل الذي يكفل للأمة التقدم والرقي، وهو المنهج الذي يجب أن تسلكه كل الأمم لأنه طريق الحرية، والتقدم والانفتاح، وكذبوا لأن دعاة العلمانية في بلادنا، من زمن بعيد ولا هم لهم إلا الحرب على الإسلام كلما سنحت لهم الفرصة، إن الإسلام كفل الحرية العقائدية والفكرية لكل الناس. يقول تعالى: «أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». (يونس: 99)، ويقول تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». (البقرة: 256)، وبعد أيها المسلمون: من ابتغى الهُدى في غير هُدى الله أضله الله، ومن أعرض عن ذكر الله وطاعته فإن له معيشة ضنكا ويحشره الله يوم القيامة أعمى، واعلموا أنه لا عزة للأمة إلا بالتمسك بدينها، فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى الهُدى في غيره أذله الله. فاللهم أعزنا بالإسلام وثبت قلوبنا على الإيمان برحمتك يا أرحم الراحمين.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة