الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

من وحي الإسلام
الفنون الإسلامية: صناعة الأدوات المعدنية والنفائس (4)



*تنوع الحاجات وتنوع الصناعات:
يقول العالم الشهير عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته «على مقدار عمران البلاد تكون جودة البضائع، وكلما ازداد العمران تعددت أنواع البضائع التي يتطلبها الناس، ففي المرحلة الحضارية التي وصلت الدولة الإسلامية خلال القرن الثالث الهجري ازدادت حاجة الناس الى صناعات أنواع من الأمتعة، وكان الرخاء قد حل بالبلاد في عهد الخليفة هارون الرشيد العباسي فتزايدت الصناعات وازدهرت البضائع وعاش الناس في بحبوحة.
وكان من عوامل تشجيع الصناعة حينذاك تهافت الخلفاء والأمراء ورجال الدولة والأثرياء على الجديد والحديث من الأمتعة والملابس والأدوات والأثاث، ما شجع الصناع على العمل وتصنيع المنتجات فازدهرت بذلك معظم مدن الدولة الإسلامية حتى كادت الصناعات تنتقل من بلد إلى آخر بل استقطبت بغداد مدينة السلام آنذاك في منتصف القرن الثاني الهجري أهل الصناعات والمهرة والفنانين إليها من كل أقطار الدولة حتى يقال ان الخليفة المعتصم بالله عند تأسيس مدينة سامراء استقدم من كل بلد إليها من يعمل من الأعمال ويتفنن في كل مهنة فأحضر من مصر الكنانة من يقوم أو يمارس صناعة الورق، ومن البصرة الزجاجيين والخزافين، ومن الكوفة الفخارين والدهانين، ومن اليمن صناع الخناجر والسيوف والدروع، ومن إيران النساجين والحاكة، ومن الشام الصاغة والزجاجيين والنجارين.
*تكتل أصحاب الحرف والصناعات:
ومن هذا التطور الصناعي والحاجة إلى البضائع المتنوعة وتكتل أرباب كل صناعة ليكونوا صنفا خاصا فيعملون على تنظيم متدرج ومعين، فهناك الصناعة والأساتذة لكل حرفة رئيس من بين أصحابها كما نسميها اليوم النقابات، إذ كان لكل صناعة تقاليدها ونظمها وشروطها، فلا يسمح لأي شخص أن يعمل في إحدى الصناعات ما لم يكن قد تدرب على مزاولتها واكتسب مهارة فيها، وكل أرباب الصناعة يحرصون على حفظ صناعتهم وأسرارها ولا يقبلون سوى من يتفقون معه، وعلى الصبيان أن يتمرنوا مدة غير قصيرة تحت إشراف غيرهم حتى يحترفوا الصناعة قبل أن يعترف بهم صناعا ماهرين.
وعند تحسين الصنعة ورفع مستوى نوعيتها فلمؤسس الحسبة دور مهم في الحفاظ على متانة الصنعة وجودتها بفضل الرقابة التي يتولاها المحتسب، وللحسبة شروط لكل صناعة ومهنة وواجبات القائمين بها والتزامهم بجودتها.
وهناك رقابة شديدة على الصناع من قبل المحتسب على وزن البضاعة وعدم خلط قديمه بجديده وتنظيفها مما يشوبها أو يخالجها من غش أو تدليس وعدم خلط البضاعة جديدها برديئها، وعدم غش المعادن بغش بضاعتهم، ومراقبة هذه الأصناف من البضائع تحتاج إلى مهارة عالية ودقة ومعرفة بها من المحتسب وهكذا!
*أهم الصناعات المعدنية ومراكزها:
قامت الدولة الإسلامية باستعراض الصناعات والمحافظة عليها، ونقلها واستخراجها، والبحث عنها، وإيجاد مصدرها وتوفيرها وكانت الصناعات كما يلي.
1-صناعة السيوف والخناجر والدروع والجواشن: في المدن اليمانية وخوارزم وفرغانة وسمرقند وخراسان.
2-صناعة المعادن كالحديد والسلاسل والسكاكين والأسطال والنشاب والدوايات والمواقد: في مدن الموصل وحران ونصيبين وخاصة الآلات الدقيقة والاسطرلاب وصنع الموازين.
3-صناعة الأدوات النحاسية والصفريات وتكفيت المعادن: في الموصل ودمشق، والقماقم في قاشات (كاشان) وسجستان.
4-صناعة القناديل: في مدينة القدس، والقدور في سمرقند، والأقفال في أصفهان ونيسابور وخوارزم.
5-استخراج الذهب والفضة والزيبق والزاج والفيروز والفحم الحجري من منطقة جبال فرغانة وشواطئ نهر جيحون والحديد والنشادر من سمرقند، والنحاس والرصاص والزيبق من شمال طخارستان.
6-استخراج أحجار الياقوت والبللور واللازورد والبازهر وحجر الفتيلة من مدينة بنخشان وباسبرة الإيرانية.
7-استخراج خام الذهب والفضة والحديد والنحاس والتوتيا: من مناجم دمندان وإقليم كرمان وجبال القفص وإقليم الرحاب.
8-استخراج النفط والقار (الزفت) من مدينتي باكو وباطوم على شواطئ البحر الأسود وبحر الخزر من مناطق خوزستان وكذلك من مدينة بالس والموصل كما يروي العالم الإصطخري في مؤلفه «الأقاليم».
9-أحجار الزبرجد: من صعيد مصر من بعض القرى المقطوعة من العمارة، والشب يستخرج من بعض جبال مصر.
10- خام الرصاص ومنابت الكحل: من منطقة قريبة من القيروان وقريبة من مجانة والزئبق من مدينة جيان المغربية.
11-استخراج الحديد والكبريت: من جبال بيروت والأغوار، والشب من بلاد اليمن وكذلك العقيق الجيد من أطرافها الجنوبية.
12-استخراج الذهب والفضة: من سجلماسة المغربية والنفط من مدينة سرت الليبية مع الشب بكميات غزيرة.
*تطعيم المعدن بالمعدن:
وتطلق على هذه العملية صناعة التكفيت وهي مهنة يدوية قديمة تمارس في مدينة دمشق، وهي طريقة من طرق الزخرفة على التحف، حيث تملأ الشقوق المحفورة والمحزوزة بالمعدن الثمين ليزيد ثمنه بعد صناعته، ويزيد من جمال الصنعة ورونقها.
والتكفيت هو أسلوب فني في زخرفة المعادن، حيث يستخدم خليطا معدنيا تملأ به الخطوط المرسومة والمنقوشة على صفائح المعدن، حيث تحضر ألواح نحاسية تصنع منها الصحون والصواني والعلب بمختلف الأشكال والأحجام، بعد أن ترسم على القطع الرسومات من المخيلة بحسب رغبة الزبون، ومعظم تلك الرسوم مقتبسة ومأخوذة أصلا من التراث العربي الإسلامي أو بعض آيات القرآن الكريم أو الحكم البليغة.
وتستغرق عملية الزخرفة والتحلية والتطعيم عبر مراحل عديدة بعد أن يجهز الرسم على الورق ثم تحفر على النحاس بشكل يدوي وبأقلام الحفر، ثم يتطلب التكفيت أن تطلى بالفضة في مواقع الحفر.
*النظرة الإسلامية إلى الحلي:
لقد تغيرت النظرة الإسلامية للحلي بشكل كبير خلال السنوات العشر الأخيرة إذ كانت في الماضي تلك الحلي ترتبط بالنساء الريفيات وفتيات المناطق الشعبية بالأخص، وكانت حينئذ تتميز المصاغات بضخامة الحجم والتصاميم التقليدية، ولكن بعد ان أهتم المصممون بتلك الحلي وبرعوا فيها كذلك الأمر بالنسبة الى الشركات العالمية والمحلية على حد سواء توسعت رقعة الاهتمام بها فدخلت مناسبات النهار والمساء خصوصا، فأصبحت أكثر شمولا وتجاوبا معها، وقد تكون كتابة آية قرآنية عليها أو حديث شريف أو قول مأثور أو بيت شعر يقربها من الناس في رغبة اقتنائها.
ويقول محمد بن مأمون: إن أسعار الذهب تتفاوت بحسب المعادن المصنوعة منها وإن كان أرخصها الفضة وأغلاها البلاتين والماس والجواهر الأخرى، وفي الأسواق حاليا تصميمات عصرية رائعة وأحجام لافتة للنظر يمكن ارتداؤها بشكل يومي وتكون غالبا من الفضة والذهب الأبيض، أما في المناسبات الخاصة فيكون الذهب الأصفر إلى جانب التصميمات الناعمة هي المفضلة.
وهذا ليس كل شيء فالمجوهرات المستوحاة من الطراز الإسلامي، وذات الإيحاءات والرموز الدينية كثيرة وتحمل رسائل تعبر عن شخصية من ترتديها، وخاصة عندما تطعم بالأحجار الكريمة فمثلا المعوذتان يتلاءم معهما الفيروز أو اللؤلؤ، وذكر قوله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» يختار لها العقيق الأحمر، ودلاية «ما شاء الله» يمكن أن ترصع بحجر الزمرد الأخضر، وآية الكرسي أو آية التوحيد يتفاءل بها المسلمون في مصر أو المغرب أو السعودية على صفيحة ذهبية أو قلب أو دائرة وهكذا!
وقد يعتبر الشكل الذهبي للهلال وهو موروث شعبي محبب لدى البعض من النساء كما تقول (الأستاذة رانيا سعد الدين) في بحثها عن رسائل منقوشة بعبق التاريخ، وهذه الحلي يزداد الإقبال عليها في مختلف المناسبات بالحياة، وكذلك في الأعياد ونعتبر هذه الحلي الإسلامية «رسائل خاصة» تفوح بعبق التراث والتاريخ، حيث يلجأ نساؤنا إليها لتخليد ذكرياتهن ومناسباتهن الطيبة الجميلة بل تظل شاهدة على المودة والمحبة مهما يطول الزمان بهن.
(الهوامش: الإسلام في عظمته الأولى: موريس لومبارد، ترجمة ياسين الحافظ بيروت 1977م، تاريخ الإسلام الحضاري في العصور الوسطى: د. عبدالمنعم ماجد القاهرة 1996م، الحضارة العربية الإسلامية: د. إبراهيم سلمان الكروي الإسكندرية 1999م، موسوعة إعلام الحضارة الإسلامية: الأستاذ مصطفى فتحي الأردن 2001م).






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة