الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الاسلامي

الصفر العربي ومعادلة الخوارزمي



ينسب إلى العرب أنهم اخترعوا الصفر أو أوجدوا له معنى، فالصفر له شأن عظيم إذا وضع على يمين العدد، وليس له قيمة إذا وضع على شمال العدد، حتى صار مثلا بين الناس يضرب في من لا قيمة له بأنه «صفر على الشمال»، وكم من شعوب أصبحت صفرا على الشمال، بفعل فاعل أو بفعل ظالم، وقد يرتبط الصفر بأشياء أخرى لم نعتقدها أو لم نفكر فيها، وقبل أن أذكر هذا الشيء، أود أن أسجل ما ورد في خاطري، وهو أن الصفر قد نزل في القرآن وكذلك باقي الأرقام من رقم واحد حتى الرقم عشرة، وكذلك ورد ذكر الأرقام الكبيرة التي لا بد أن تحتوي على الصفر عند كتابتها، فمثلا جاء ذكر الرقم مائة (100)، والرقم ألف (1000)، وبالمناسبة فإن الأرقام التي نكتبها ويعتقد كثير من الناس أنها إنجليزية هي أرقام عربية أصيلة، كتبها العلماء المسلمون في زمن التقدم العلمي الذي بفضله فتحت أبواب العلوم على البشرية كلها، ولا ينكر ذلك إلا جاحد أو حاقد أو جاهل، فقد كتب العلماء المسلمون الأرقام بناء على عدد الزوايا التي يمثلها العدد، فالعدد واحد يكتب بزاوية واحدة صغيرة (1) والرقم اثنان يكتب بزاويتين (2) وهكذا في باقي الأرقام، أعود إلى الصفر وأسراره، فكما قلت سابقا فإن الصفر ورد ذكره في القرآن، فقال الحق «أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» (البقرة: 259)، فالرقم مائة لا بد أنه كان معروفا لفظا وكتابة، وكذلك ورد ذكر الرقم ألف (1000)، حيث يقول الحق «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ» (الحج: 47)، وورد أيضا في آية أخرى تذكر عمر سيدنا نوح عليه السلام «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألف سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ» (العنكبوت:14). وللأرقام أسرار لا يعلمها إلا من تبحر في علوم الرياضيات، وللعلماء العرب باع طويل وأيادٍ بيضاء في علم الرياضيات حتى اليوم، ومازالت علوم الرياضيات تحمل اسمهم حتى اليوم، فعلم الجبر سمي بالإنجليزية (Algebra) نسبة إلى الجبر الذي برع فيه العالم الخوارزمي وغيره كثير من العلماء المسلمين في زمن اللاحدود بين البلاد الإسلامية، وفي زمن كانت لا توجد تأشيرة دخول، بل يركب الراكب من حضرموت في اليمن إلى بغداد في العراق وإلى القاهرة في مصر ومنها إلى القيروان في تونس ومنها إلى قرطبة في الأندلس ثم يعود بلا تأشيرة عودة.
آه يا زمن ولى ولم نره إلا كذكرى يحفها الشوق والألم.
وكذلك علم اللوغاريتمات أو ما يسمى بالإنجليزية (Algorithim) نسبة إلى الخوارزمي، وغيرها من علوم الرياضيات والعلوم الأخرى، والحديث عن هذا الزمن العظيم يطول وذو شجون، ولذلك أعود إلى الصفر وأسراره، فقد ورد أن الخوارزمي وضع معادلة جميلة عن الإنسان، فقال فيها: «إذا كان الإنسان ذا أخلاق فهو= 1، فإذا كان الإنسان ذا جمال فأضف إلى الواحد صفرا=10، وإذا كان الإنسان ذا مال فأضف صفرا آخر=100، وإذا كان الإنسان ذا حسب ونسب فأضف صفرا آخر=1000، فإذا ذهب العدد (1) وهو الأخلاق ذهبت قيمة الإنسان وبقيت الأصفار التي لا قيمة لها». قمة الروعة في التحليل، وقمة الفلسفة وقمة الحكمة تتجلى فيما توصل إليه الخوارزمي، ورحم الله شوقي حين قال «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا»، فماذا يكون الإنسان وقيمته إذا كان شديد الجمال ولكنه قبيح الخصال، لن يذكره الناس بجماله بل سوف يذكره الناس بسوء أخلاقه، وإذا ولى وذهب فرح الناس وقالوا بلا رجعه، فقد يقول الناس ارتحنا من وجهه، أي أنهم حتى لا يريدون رؤيته حتى لو كان في جمال يوسف، سيدنا يوسف عليه السلام الذي أوتى شطر الجمال، ولكن أخلاقه كانت هي سيرته التي عرفه الناس بها، فقال له الشاهد واصفا إياه كما ورد في القرآن «يوسف أيها الصديق» ولم يقل يوسف أيها الجميل، وإذا كان الإنسان ذا مال ولكن لا ينال الناس منه إلا الأذى والتكبر فسوف يكون ذكره البخل دائما، وربما يكون المال نقمة عليه لأنه تكبر ونسي رازقه سبحانه، فيقول كما قال قارون مغترا بكثرة ماله «إنما أوتيته على علم عندي»، فكان الجواب سريعا من الله «فخسفنا به وبداره الأرض»، فلم ينفعه مال ولا بنون «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم»، وهل ينفع الحسب والنسب إنسانا لا أخلاق له، أبدا لا ينفعه حسب ولا نسب، وإذا عددنا كل الصفات الذميمة لوجدناها أصفارا على الشمال، ويبقى الإنسان بأخلاقه، جمع كل ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولا قول بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.






نسخة للطباعة

الأعداد السابقة