العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

الدكتور زكي علي الطبيب الداعية والمجاهد بغير طبول (7)

بقلم: د. غريب جمعة



يقول الدكتور محمد رجب البيومي ما نختار منه:
كان الدكتور زكي علي من نفر استحبوا الشقاء على الراحة والعذاب على النعيم، إذْ دقت ساعة العمل تدعوه إلى أن يحق الحق، وإن كان قد درس من الطب ما يكفي، وإذا كان قد نال في تخصصه درجة عالية فليس بعد دينه شيء يحرص عليه! وعليه أن يكتفي بما حصل في مهنته لينتقل من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر في غير جلبة أو ضجيج.
لقد كانت الصحف العربية تتحدث عنه بين الفترة والفترة حديث من ألف الكتب الإسلامية وعقد المؤتمرات الشرقية وبنى المساجد الجامعة في عواصم الغرب فتدفع بي إلى تتبع آثار الرجل.
ومن توفيق الله أني راسلت بعض من أعرفهم في موطن إقامته بسويسرا فأخذ يواليني بمجموعة من المقالات تعرف به وبمجموعة من الكتب التي ألفها متحدثا عن مزايا دينه، ورد على شبهات المرجفين، وبعدة صور له في مؤتمرات متكررة حتى احتل الرجل من نفسي منزلة أي منزلة، فدفعني الشوق إلى مراسلته وأنا أتهيب ذلك حننا بوقته أن يضيع في غير الأهم والأولى. ولكن نعمة الله قد غمرتني بالحسنى حيث توالت رسائله إليّ تباعا فشفت غليلا، وأسعدتني بقراءتها فكنت أعيدها مثنى وثلاث ورباع وأقرأها لأستفيد الجديد كلما قرأت، وكان يخيل إلي أني أحادثه وأني أراه رأي العين بجسمه دما ولحما حين أقرأ ما يكتب إليَّ حتى ليتحقق معي قول الشاعر بالنسبة إليه:
يمثلك الشوق الشديد لناظري
فأطرق إجلالا كأنك حاضري
( د. رجب البيومي ـ النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين ـ المجلد الرابع ـ الطبعة الأولى 1999م).
أما شاعر البادية الشيخ محمد عبدالمطلب فيقول عنه الدكتور محمد رجب البيومي في المرجع المشار إليه:
من أجمل ما بعث به إليّ الدكتور زكي علي من صور الرسائل التي أرسلها إليه المشجعون له والمعجبون به صورة خطاب أرسله إليه شاعر البادية الشيخ محمد عبدالمطلب -رحمه الله- حين قرأ كتابه عن الطب العربي وهو قطعة من النثر البليغ بدئت بمقطوعة شعرية رائعة لم ينشرها القائمون على طبع ديوانه بعد وفاته وقد كتبها الشيخ محمد عبدالمطلب قبل شهر واحد من رحيله وفيها يقول:
زكي اتئد في طلاب العلا
فإنك أدركتها من كثب
سموت إلى المكرمات الكبار
سمو الزمان إذا ما غلب
وبوأت أسلافك السابقين
بالعلم فوق مدرا الشهب
تقدير الأجانب لدور الرجل وتكريمهم له:
كان الدكتور زكي قد ألقى محاضرة بالفرنسية في 22 فبراير سنة 1932م في باريس عن تاريخ مدرسة الطب في مصر «قصر العيني»، وعلى أثر نجاحها أعد بحثا تاريخيا علميا عن تاريخ الجراحة العربية في الأندلس وقدمه إلى رئيس جمعية تاريخ الطب الفرنسية بباريس، فبلغ من استحسانه له أن ألقاه بنفسه نيابة عنه في ابريل سنة 1932م أمام الجمعية، واقترح انتخاب المؤلف عضوا بتلك الجمعية (وهي جمعية علمية لا نقابة)، وتم ذلك بالإجماع وظل عضوا عاملا بها منذ ذلك التاريخ حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها:
وفي سنة 1983م انتخبته الجمعية الطبية بجنيف عضو مزاملا فيها كما اختارته نقابة الأطباء السويسريين رئيسا لها باعتباره أكبر الأطباء سنا في مدينة جنيف ولكنه اعتذر شاكراً لظروفه الصحية.
وآذنت شمس العمر بالغروب:
كان الرجل يرحمه الله يعاني من وطأة ثلاثي شديد يجتمع عليه هو ثلاثي: الشيخوخة، المرض، الغربة، ولم يقترن بزوجة طوال حياته، فأنفق في خدمة الدعوة إلى الله متفرغا لها زهاء ثلثي قرن أو يزيد صابرا محتسبا راضيا بحياة الجهاد وعيش الزهاد.
وبعد رحلة قصيرة مع المرض أدخل على أثرها مستشفى بجنيف فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة من مساء السبت الموافق 11 من ذي القعدة سنة 1419هـ ـ 27 من فبراير 1999م بعد عمر مديد بلغ 94 (أربعة وتسعين عاما) بالتقويم الميلادي وسبعة وتسعين عاما بالتقويم الهجري.
ومن قدر الله في ذلك المجاهد أنه عاش هذا العمر المديد بعين واحدة حيث إنه أصيب بمرض بعينيه وهو صغير ترتب عليه أن فقد قوة الإبصار تماما في إحدى عينيه وإن كانت لم تتضرر في شكلها الخارجي. رحم الله ذلك الطبيب الداعية والمجاهد بغير طبول الذي يشرف به مجتمع الأطباء وتشرف به محافظة الشرقية التي ولد بها في أول يناير عام 1905م.
وهنا سؤال يطرح نفسه:
ما دور نقابة الأطباء في مصر ومثيلاتها في العالم العربي والإسلامي تجاه واحد من الرعيل الأول من الأطباء وعلم من أعلام المسلمين المجاهدين في ديار الغرب على مدى ثلثي قرن من الزمان كارها الحديث عن نفسه، بعيدا عن الأضواء. حسبه أن الله يسمع ويرى؟
وتبقى كلمة وهي:
لا تحسبن أخي القارئ أن ما سطره قلمنا المتواضع جدا هو كل ما يقال عن ذلك العلم .. إذ لا يمكن لكاتب مهما بلغ من عذوبة الأسلوب وتسلسل الفكر وسعة الاطلاع أن يحمل إليك النهر كله ولكن حسبه أن يحمل إليك كوبا منه لترى أي نهر كان ذلك الذي يفيض بالعطاء على مدى ثلثي قرن من الزمان. والميدان فسيح لمن أراد المزيد من الحديث عن ذلك العطاء العلمي والدعوي والأخلاقي الذي عز نظيره في هذه الأيام. رحم الله ذلك المجاهد ورفع درجته في عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
اللهم آمين
وإلى حلقة قادمة بإذن الله






aak_news