العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤٢٣٨ - الجمعة ١٧ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ

الاسلامي

من قضايا التفسير المنير (1)
الحروف المقطعة - الدعوة والإنذار بالآخرة

إعداد: مروة سلامة إبراهيم



يعد التفسير المنير ومعالجة قضايا المجتمع من خلال القرآن الكريم لمؤلفه الدكتور عمر مختار القاضي، من أبرز الدراسات القرآنية في العصر الحديث، التي اتسمت بالطابع التجديدي، سواء على مستوى عرض المعلومة، وانتهاج المنهج العقلي في مخاطبة المتلقي، وخصوصا القارئ الغربي، أو على مستوى تجديد فهم الدين للمسلمين، وفتح آفاق العقول والأفهام ونوافذها لتستقبل أنوار الوحي المعصوم من أوسع الأبواب.. ولقد تضمن هذا التفسير معالجة 185 من قضايا القرآن، وخصوصا تلك القضايا التي يثيرها الغرب ضد الإسلام، وعالجها المؤلف بالعقل والمنطق والمنهجية العلمية، الأمر الذي أسهم في إقبال كثير من الباحثين في الغرب على دراسة الإسلام وإجلاله واحترام رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويبرز أيضا الدلالات العلمية والبراهين المثبتة لصدق النبوة، كما تضمنت مسائل عقدية واجتماعية وفلسفية وتشريعية وعولجت بالمنهج العقلي، ليس في حدود ما تستسيغه ثقافة المسلم المعاصر فحسب، ولكن في إطار أفق واسع يسمح لعقلية غير المسلمين في الشرق والغرب باستيعاب حلول تلك القضايا، وما يتعلق بها من تفسيرات وشروح.
ويسرنا أن نقدم للقارئ الكريم تلك القضايا تباعا على صفحات «أخبار الخليج» الغراء، لنسهم في زيادة الوعي وتحقيق فهم أكبر للقضايا القرآنية بالمنهج العقلي الذي يتسق تماما مع المنهج النقلي، وذلك على النحو التالي:
1- قضية: (الَمَ)، وما شابهها من آيات (البقرة: 1):
يقول المؤلف: هذه الآية وشبيهاتها من فواتح السور، ليس لنا علم قاطع بتأويلها، ولكنها مع ذلك لها فائدة كبيرة للناس، حتى من كان منهم من ذوي الفهم المحدود، إذ لم يعهد الناس في أي زمان ومكان أن يجيئهم من يخاطبهم فيبدأ الخطاب بكلمة أو عبارة غير مفهومة للمُخَاطَبِ، ثم يأتي من بعدها بكلام غاية في الحكمة والهداية والرشد، فإذا سأله الناس عن تلك البداية غير المفهومة، فقال إنه لا يعلم -وربما يكون مأمورًا بعدم الإفصاح- فإن ذلك دليلا على صدقه، وأن هذا القرآن ليس من تأليفه، إنما هو بلاغ من الله، ولم نعهد في البشر قبل محمد ولا بعده من يجرؤ على بدء الكلام (البلاغ) بعبارة غير مفهومة للمستمعين، ففي ذلك مجازفة كبيرة تُعَرَّضُ شخصه للازدراء والسخرية من الناس، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على ثقة بأنه كلام الله، وأن الله يحفظ له مكانته.
وتسمى هذه الآيات وأمثالها بالمتشابهات، وقد بين لنا الله ذلك فقال (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) أي نصدقه كما هو، دون شرط علم بمعناه، لثبوت وروده من عند الله، وكفانا بقية آيات القرآن مليئة بالمعاني والحِكَمِ: (كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران: 7).
2- قضية: الدعوة والإنذار بالآخرة.
يقول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أم لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة: 6).
هذه الآية إخبارية، تفيد أن الله هو العالم بالمؤمنين والكافرين، وهو الذي يتوفى الأنفس ويحاسبها وفقًا لعلمه بها، ولا تعني الآية التوقف عن دعوة الناس إلى الهداية، لأن الداعية لا يعلم بحقيقة الناس وما يدور في أنفسهم لا في الحال ولا في المآل، والذي يعلم ذلك هو الله، وليس لنا إلا الظاهر. والمقصود بالذين كفروا في هذه الآية هم الذين علموا برسالة الإسلام ومضمونها ثم أنكروها ورفضوا اتباع ما جاء بها.
الإنذار: أوله: إنذار بوجود الله ووحدانيته، وثانيه: إنذار بجوب طاعة الله فيما أمر به من أحكام، ومن لم يُؤَثّر في نفسه الإنذار الأول فلن ينفعه الإنذار الثاني، فسواء عليه ءأنذرته بالتزام أحكام الدين أم لم تنذره لن يفيده ذلك شيئًا، ما دام على كفره.
والآية تحمل أيضًا خطابًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم -والدعاة من بعده- بأن يتجنب الإلحاح الشديد في الدعوة، فأداء التبليغ الذي فرضه الله تعالى عليه، وعلى أمة الإسلام من بعده فرض كفاية بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125) يجب عليه أن يتوجه بالدعوة إلى قوم آخرين.. ويجب ألا يفهم من الآية إعفاء المسلمين من واجب الدعوة، فهي واجبة عليهم في إطار فروض الكفاية، ويجب على كل من يدعو إلى دين الله أن يعلم أنه لا يستطيع التيقن ممن تنطبق عليهم هذه الآية (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ...) فمن الناس مَن لا تؤثر فيهم الدعوة بتاتًا، وهؤلاء لا يعرفون إلا بعد موتهم على الكفر، ومن الناس من تؤثر فيهم الدعوة فيؤمنوا بعد فترة من العمر طالت أم قصرت، وتتبدل أحوالهم من معاداة الإسلام إلى نصرته، فيجب على الداعية أخذ هذه الأمور في اعتباره.. وهكذا كانت معالجة المؤلف لهذه القضايا معالجة رائدة تتسم بالمنهجية العقلية التي تناسب الفطرة السوية لأي إنسان.. وللحديث بقية.






aak_news