الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٥ - الثلاثاء ١٤ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٥ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الخليج الطبي

مرضى تحت التجربة



ما جعلني لا أتردد طويلاً هذه المرة في التذكير بأهمية إنشاء مؤسسات أو هيئات حكومية في دول مجلس التعاون تقوم بإصدار لوائح تنظيمية ومعايير للتجارب الطبية السريرية بشكل عام، هو ما تشهده أقطارنا العربية من خلل وتقصير في تطبيق تلك الممارسات، كما أن البحوث العلمية والتجارب الطبية على الإنسان، بما فيها العمليات الجراحية التجريبية غير المسبوقة (المخالفة للممارسة الجراحية المعهودة) أصبحت تجرى بوتيرة متزايدة ومقلقة، وفِي ظل تنامي الإعلام غير المسؤول أصبحت تلك الممارسات إنجازات عظيمة وغير مسبوقة!!
في الوقت الذي ينبغي الموازنة بين الطموحات العلمية للباحثين وبين توافر الحد الأدنى من احترام حقوق المرضى وتجنيبهم مخاطر تلك التجارب، فإن غياب المؤسسات الرقابية الحكومية عن تلك الممارسات وبالتالي غياب العقوبة تجعل مصير هؤلاء المرضى مجهولاً ويعتمد بشكل كبير على أخلاق وطموحات هؤلاء الباحثين
صحيح أننا ولله الحمد نحظى بمؤسسات طبية رفيعة المستوى، تقدم خدمات علاجية متقدمة، ولدينا ممارسون طبيون يحظون بكثير من التقدير والاحترام ولهم إسهامات رائدة في نهضتنا الطبية، إلا أن هذا لا يبرر ترك تقدير الأمر لمجرد وازع الضمير الذي قد يحتمي به بعض الأطباء والباحثين.
إن التجارب الطبية والبيولوجية، بما فيها العمليات الجراحية التجريبية وغير المسبوقة، والتجارب العلمية على الجنين الآدمي، وتجارب الخلايا الجذعية، والهندسة الوراثية، هي أكثر ما قد يتعرض له الإنسان من ضرر في زمن الظفر بالسبق الطبي، فهذه التجارب بطبيعتها تحتمل كثيرا من المخاطر، ومن هنا كانت المحاذير والتي دفعت كثيرين من المهمتين بهذا الشأن في الدول الغربية ومنذ أوائل القرن الماضي للمطالبة بضرورة وضع ضوابط أخلاقية وتنظيمية لمثل هذه التجارب، ورغم ما شهده العالم حينها من تطور سريع واكتشافات عظيمة في مجال الطب أسهمت في إنقاذ حياة العديد من الناس، إلا أن آمال العلماء وطموحاتهم في إحداث نقلة طبية قد تتعارض مع الأخلاق وتنتهك كثيرا من حقوق المرضى، وحدثت بالفعل تجاوزات مشينة ومتكررة لأخلاقيات المهنة أثناء الحربين العالميتين ثم أثناء زمن الأوبئة في أوروبا وأمريكا إلى أن توصل العالم بعد ذلك إلى إدراج معايير وضوابط التجارب الطبية في الاتفاقيات الدولية في إعلاني هلسنكي في عام 1964 وطوكيو في عام 1975. 
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت تلك التجارب محاطة بسياج متين من الحماية الأخلاقية والقانونية، أدرك حينها الباحث الغربي على وجه الخصوص ضرورة احترامها والالتزام بمعاييرها، وبالتالي أصبح الأمر جليًا لا يحتمل التأويل، حيث إنه لا يجب إجراء أي تجارب طبية على الإنسان، بهدف البحث العلمي أو الطبي التجريبي إلا بعد أخذ موافقة خطية من المريض بعد أن يتم شرح كل التفاصيل مع ذكر المضاعفات المُحتملة، ويجب أن يكون الباحث أو الطبيب قد قام بتجارب مخبرية أو حيوانية موثقة، كما يجب أن تكون المنافع المتوقعة أكثر من المخاطر المُحتملة، وهذا يجب ألا يحدث إلا بعد أخذ الموافقات اللازمة من الهيئات الحكومية التي تحظى بنظام مراقبة فعال ومستقل.
وإذا كنا نحن الأطباء مطالبين بأن نجسّد سلوكًا حسنًا وأن نتحلى بأخلاق ديننا الحنيف، وفِي ظل غياب هيئة تراقب تلك الممارسات، فيجب علينا أن نحمي مرضانا من القيام بأي إجراء طبي مبتكر قبل التثبت من جدواه. 
علينا ألا ننسى أمرًا بالغ الأهمية وهو أن المستلزمات الطبية والأدوية أصبحت كثيرة ومتنوعة، ويتصف كثير منها باختلاف النتائج والتطبيقات، وبالتالي يجعل من الصعب إثبات جدواها، بل انها قد تحمل كثيرا من المخاطر التي يجب أن نتنبه اليها قبل حدوثها وقبل فوات الأوان. 







نسخة للطباعة

الأعداد السابقة