الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٣ - الأحد ١٢ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٣ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

دراسات

العـــلاقــات الهنـديــة الخليجيــة.. فــرص وتحــديــات
دول «مجـــلــس التعـــاون» ثانـــي شــــريـــك تجــاري للهنـــد بعــــد الـــولايـــات المتحـــــدة




تُشكل الهند، من بين جميع القوى العالمية الراسخة والصاعدة، القوّة الإقليمية الأقرب جغرافيا إلى منطقة الخليج، فيما تقع دول مجلس التعاون الخليجي ضمن أحد أهم المواقع الاستراتيجية في المحيط الهندي، أي على حدود الممرات الملاحية، التي تعبر فيها إمدادات الطاقة وغيرها من السلع بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا؛ وهو ما يجعل من منطقتَي الخليج وجنوب آسيا، منطقتين حيويتين، ومترابطتين استراتيجيا، يدل على ذلك حجم التبادل التجاري بين الطرفين، الذي بلغ حوالي 100 مليار دولار خلال عام 2016. حيث تُعتَبر دول مجلس التعاون الخليجي ثاني شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة، وتحصل الهند على ثُلثي احتياجاتها النفطية من دول الخليج، فضلا عن توقيع الهند أضخم اتفاقية في مجال الغاز مع قطر.
وانطلاقًا من رغبتها في الرقي بمستوى العلاقات الخارجية إلى مستوى غير مسبوق، والارتقاء نحو قمّة الهرم العالمي على الصعيدين السياسي والاقتصادي، اتجهت الحكومة الهندية إلى تلبية احتياجاتها من موارد الطاقة عبر دول الخليج، في إطار سياسة «ناريندرا مودي» رئيس الوزراء الهندي المعروفة بـ«التوجه غربًا».
وفي تقرير لمركز «بروكنجز»، استكشف الباحث «كديرا بثياغودا»، وهو زميل زائر بالمركز، مختص بالعلاقات الآسيوية والشرق أوسطية، الفرص التي تواجه كلا من الهند ودول مجلس التعاون الخليجي من أجل تحسين الروابط الاستراتيجية، فضلاً عن تناول التحديات التي يمكن أن تواجه مثل هذه العلاقة خلال العقود المقبلة، حيث يرجع تاريخ العلاقات الهندية الخليجية إلى قرون عدة، نتيجة لحركة التجارة المتبادلة بين الجانبين، وقد ازدادت هذه العلاقات قوة، خلال الفترة الاستعمارية، نتيجة خضوعهما لإدارة سياسية واحدة هي إدارة الهند البريطانية. غير أن العلاقات الهندية مع دول الخليج، تأثرت سلبا إلى حد ما خلال الحرب الباردة، جراء نشاط الهند في حركة عدم الانحياز عن طريق دعمها لدول الكتلة الاشتراكية السابقة، بدلاً من دول الخليج العربي المتحالف مع المعسكر الغربي وقتذاك.
وباعتبارها عضوًا في مجموعة دول «البريكس»، وهي الدول صاحبة أكبر نمو اقتصادي في العالم، وتضم (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا)، بات من أولويات الهند تعزيز دورها عالميًا؛ لذا كان لزاما عليها من أجل مواصلة النمو الاقتصادي وإرضاء طموحاتها العسكرية في المحيط الهندي، تعزيز مصادر الطاقة المستدامة، والتي تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دورًا مهمًا فيها، وخاصة أن 25% من الشعب الهندي يفتقد الطاقة الكهربائية، والباقون يعانون من مرارة انقطاع التيار الكهربائي؛ بسبب عدم وجود بنية تحتية كافية لإنتاج الطاقة، حيث أكدت وكالة الطاقة الدولية (IEA) أنه من المتوقع أن تستحوذ الهند على ربع زيادة الطاقة المتوقعة في استهلاك الطاقة الكهربائية بين عامي 2015 و2040. وعليه، اعتمدت الهند على الواردات من الطاقة، والتي توفر دول مجلس التعاون أكثر من نصفها، حيث سجّلت صادراتها إلى الهند نموا سنويا بمعدل نسبته 43% على مدى العقد الماضي، وهو النمو الأسرع بين جميع شركاء الدول الخليجية التجاريين الآخرين.
ولعقود من الزمن، ركّزت زيارات المسؤولين الهنود إلى دول مجلس التعاون الخليجي على العلاقات الاقتصادية فقط، من دون أن تتعرض للقضايا الاستراتيجية، بيد أن الخطاب الذي انبثق عن زيارات رئيس الوزراء الهندي إلى السعودية والإمارات عام 2016. يشير إلى تغير لافت في هذا الصدد، حيث اتفقت الحكومتان؛ الهندية والسعودية على تحويل طبيعة العلاقات من علاقة بين مشترٍ وبائع إلى شراكة حقيقية تركز على الاستثمارات والمشاريع المشتركة في مجمّعات البتروكيماويات، إلى جانب الأنشطة الاستراتيجية والدفاعية من خلال إجراء مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل الزيارات بين الخبراء في الشؤون العسكرية، حيث تم تأكيد الترابط بين استقرار منطقة الخليج وأمنها وبين شبه القارة الهندية. وفي هذا الإطار، اتفق الطرفان؛ الهندي والإماراتي، خلال زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى الهند في فبراير 2016. على إنشاء صندوق استثمار إماراتي - هندي في البنية الأساسية، بهدف الوصول إلى 75 مليار دولار لدعم الاستثمار في خطط الهند للتوسع السريع في أنشطة الجيل المقبل من مشروعات البنية الأساسية، وبصفة خاصة السكك الحديدية والموانئ والطرق والمطارات والحدائق الصناعية، بحيث تصبح دولة الإمارات الشريك الأول للهند في برامج التنمية، وكانت زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى دولة الإمارات في نفس العام، بداية لإرساء حجر الأساس لعلاقات استراتيجية راسخة بين البلدين، ترتكز على التعاون في مجال الطاقة، ومكافحة الإرهاب، وتعميق الروابط الأمنية والاقتصادية، عزز من ذلك انفراد الهند من بين القوى العالمية الأخرى، بميزة الانتشار في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة في منطقة الخليج، فالهنود أكبر قوة عاملة أجنبية في المنطقة، إذ يبلغ عددهم حوالي 7 ملايين هندي، يرسلون تحويلات مالية إلى الهند تُقدر بحوالي 40 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل بدوره دعامة للاقتصاد الهندي.
على الجانب الآخر، فإن هذه العمالة تمثل عنصرا ضروريا لسير الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي، فعلى سبيل المثال، يعيش في السعودية حوالي 3 ملايين هندي، وفي بعض الأحيان يُشكل المواطنون الهنود أكثرية نسبية في دول مجلس التعاون، فتضمّ الإمارات مثلاً حوالي مليونين وستمائة ألف هندي، أي تقريبا نسبة 30% من إجمالي تعداد السكان الأصليين.
وعليه، ينطوي دور العمالة الهندية في دول مجلس التعاون على مصدرين، أحدهما ربما يخلف حالة من الصدام، وذلك مع كثرة المزاعم المتعلقة بانتهاكات العمل، والتي كثيرا ما كانت تدعو الحكومة الهندية إلى التدخل والضغط، أما الآخر، فيُعتبر مصدرًا قويًا للشراكة، وهذا هو الأهم.
كما أنه بإمكان الهند الاستفادة من موقعها كصديق لكلّ من روسيا والولايات المتحدة، وهما القوتان الأكثر نفوذا في الشرق الأوسط؛ لتعزيز نفوذها بين دول المجلس، والاضطلاع بدور وسيط جديد ومحايد لتأمين التقارب والمصالحة بين تلك الدول وإيران، أو حتى إسرائيل، وخاصة أنه من المرجح، أن يشهد العالم تراجعًا لدور واشنطن في الشرق الأوسط، مثلما كان هو الحال في عهد الرئيس الأمريكي السابق أوباما، الأمر الذي قد يضطر واشنطن إلى تحميل بعض الأعباء على الحلفاء الإقليميين، كالهند على سبيل المثال.
في الوقت الذي تسعى كل من روسيا والصين إلى تحقيق تقدم أكبر في الشرق الأوسط، وهو ما يُثير حالة من الشك والخوف لدى الولايات المتحدة، لذا، ترى أنه من خلال تشجيع الهند على القيام بدور أكبر في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، قد تتمكن بذلك من منع هذه الدول، المُعارضة لسياستها، من فرض هيمنتها المتنامية على الخليج.
وربما تكون الهند مجهزة تجهيزًا جيدًا لأداء هذا الدور، فجنبًا إلى جنب مع أعداد الهنود الكبيرة في المنطقة، تتمتع أيضًا بمتطلبات وقدرات القوة الناعمة في المنطقة، فهناك تاريخ ثقافي وهوية مشتركة بين الطرفين، ويوجد بالهند حوالي 255 مليون نسمة من المسلمين. وعلاوة على ذلك، تنظر دول مجلس التعاون الخليجي إلى القيم الهندية بشكل إيجابي، في حين أنها تُشكك في نوايا الصين وروسيا. فروسيا، على سبيل المثال، أبدت رغبة قوية لدعم الأسد في سوريا، وكانت حليفًا مهمًا استراتيجيا لإيران، بينما حرصت الهند دائما على التزام الحياد.
وخلافًا للولايات المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة، فإن الهند لا تقودها أي دوافع سياسية حيال الشرق الأوسط ولا توجهها أي آيديولوجية في هذا الصدد، كما أنه من المرجح أن تقاوم دلهي أي ضغوط مهما كانت للانحياز إلى أي من طرفي الصراع بين دول الخليج وإيران. وعلى الجانب الآخر، ترى دول الشرق الأوسط أن الهند صوت عالمي ذو نفوذ في القضايا التي تهمها، إلا أنه في المقابل، تُواجه الهند عقبات، داخلية وخارجية، أمام تعزيز علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي؛ أما القيود الداخلية، فتتمثل في تواضع القدرة على التخطيط الاستراتيجي وتطوير السياسات وتنفيذها، بالرغم من رؤية القادة، نظرا إلى أن القادة السياسيين الهنود يتعاملون مع مجموعة واسعة من القضايا، بالتالي، يصبح اهتمامهم متوزّعًا إلى حدّ يشارف على التشتّت. وتبرز قيود أيضًا، في التعاون العسكري بسبب موارد الهند المحدودة، فعليها مثلاً تحديث معداتها العسكرية المتقادمة.
وبالنسبة إلى العقبات الخارجية، فتواجه الهند قيودا على مساعيها لإقامة علاقات أقوى مع دول مجلس التعاون الخليجي، ففيما يتعلق بسوريا، على سبيل المثال، فلقد عارضت الهند الجهود الغربية والخليجية لعزل الأسد، وثمّنت سوريا الدعم الذي تقدمه الهند لها في مجلس الأمن.
أما ما يتعلق بالعلاقات مع الدول المنافسة، فتتمتع الدول الخليجية، خاصة السعودية، بعلاقات طيبة مع باكستان، التي تنظر لها الهند كمنافس من الممكن له أن يستغل هذه العقبات ليُعزز علاقاته مع دول الخليج كما تفعل الهند، بل يُحد من نفوذها في المنطقة، إلا أنه مع اقتراب الهند من أن تصبح قوة عالمية، ستستعد نيودلهي إلى اتخاذ خطوات تُحد من وطأة التوتر مع البلدان المجاورة لها مستعينة بالدول الخليجية في التفاوض لتحقيق ذلك.
وإجمالاً، تُعد الهند وسيطا، «مؤهلا»، يتّسم بالقوة والاحترام وبعدم الانحياز النسبي، فهي تسعى للانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة، في حين يسعى منتجو الطاقة الرئيسيون في دول مجلس التعاون الخليجي إلى تنويع اقتصاداتهم، وهو ما قد يتيح مزيدا من الفرص للتعاون والانتقال بالعلاقات، بعيدًا عن علاقة تقتصر على إرسال العمالة واستقبالها.
























نسخة للطباعة

الأعداد السابقة