الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٣٢ - السبت ١١ مارس ٢٠١٧ م، الموافق ١٢ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الثقافي

د. نادر كاظم في أمسية نوعية بأسرة الأدباء والكتاب:
هدم الجدران المحرمة للحقيقة التي يعيشها النقد العربي المعاصر وطرح تساؤلٍ حول وظيفة النقد بوصفه مجرد اشتغال قول على قول



اعتمد الباحث والمهتم بالنظريات النقدية والثقافية الدكتور نادر كاظم في دراسته الأخيرة على مائدة البحث العلمي المتواصل وعلى مجمل المعطيات التي قدمها حول عملية النقد وما فيها من مضامين وأشكال وأزمات ووظائف ومستجدات، مشيرًا إلى أن ما مر به في هذا الجانب من اشتغال متواصل ودؤوب في كلية الآداب ومن حالة نشطة جدا داخل الأفق الرحبة، التي كانت في واقعها مضيئة وممتدة طويلا وفي ظل الحماسة التي كانت تموج آنذاك وتلقفها جيل التسعينيات، لتستمر إلى اليوم مع هذا الشكل من أشكال النقد إلى جانب من بقي من مجموعة المنشغلين به وفي الوقت الذي ودعت فيه المجموعة من ابتعد عنها أو غاب برحيله السريع ومنهم الأديب الراحل محمد البنكي، وجاء ذلك في الأمسية التي أقامتها اللجنة الثقافية بأسرة الأدباء والكتاب في مقر الأسرة بالزنج ضمن برنامجها الثقافي الجديد في الثامنة والنصف من مساء الأحد الماضي تحت عنوان «هل تكون الدراسات الثقافية هي الحل لأزمة النقد؟» وأدار الأمسية باقتدار الدكتور عبدالقادر المرزوفي.

وتضمن الموضوع الذي تناوله الدكتور نادر كاظم خلال الأمسية شكلا من أشكال المصادرة بحسب وجهة نظره الشخصية التي أفصح عنها منذ البداية وفي الوقت الذي اهتم فيه الدكتور نادر بالبحث عن جواب للتساؤل المحير الذي طرحه على الحضور إن كان النقد العربي المعاصر فعلا يعيش في أزمة، وليقترب أكثر من الدائرة المحيرة للجميع ويلامس خطوط التماس الحمراء المسيجة حول المنشغلين بالنقد الأدبي في حقبة السبعينيات وما بعدها حيث إن وجودهم لا يشكل إضافة حقيقية كما يرى، ولأن الأمثال تضرب للناس ضرب الدكتور نادر كاظم مثالا قريبا جدا من الواقع المعاش والذي تلمس حقيقته قائلا: ماذا لو استيقظنا من النوم وقد اختفى الأدباء، الأطباء، المهندسون أو حتى عمال البلدية «المسؤولون عن النظافة»، سنشعر بأن هناك شيئا ما ناقصا في حياتنا وستكون هناك أزمة شيء جميل نفتقده ويختفي من العالم، وعلى العكس من ذلك لو استيقظنا في صباح أحد الأيام وقد انقرض كل النقاد فلن يحدث أي تغيير على الإطلاق ولن يشعر أحد منا بفقد شيء مهم وخطير.
وتابع الدكتور نادر كاظم حديثه وتساؤله إن كانت الدراسات الثقافية هي الحل لأزمة النقد قائلا: هل النقد يؤدي وظيفة حقيقية، هو في الأصل مجرد خطاب اشتغال قول على قول وأن الناقد ينتظر ظهور نص جديد ليشتغل عليه، وهذا يعني أن عملية النقد هي شغل على النصوص وخطاب على خطاب وكلام على كلام والنقد الثقافي أو الدراسات الثقافية تأسست على قوت النص وأي ممارسة للنقد محكومة بعلاقات الناقد مع النص. وتابع في السيرورة العامة للنقد المعتزل قائلا: في عام 1987 نشر راسل جاكوبي المفكر اليساري الأمريكي كتابه آخر المثقفين: الثقافة الأمريكية في عصر الأكاديميا، وهو كتاب يرسم معالم حقبة جديدة يهيمن فيها نوعية جديدة من المثقفين، وهو يطلق على هذه الحقبة اسم عصر المثقف الأكاديمي، والكتاب بشكل عام رثائي وهجائي في الوقت ذاته، فهو يرصد بحزن ظاهرة اختفاء المثقف العام أو المفكر الحر الذي كان يكتب بحيوية وقوة، ويتمتع بالجرأة والشجاعة والوضوح في طرح أفكاره في الحياة العامة، وباختفاء هذا النوع من المثقفين الذين أثروا الحياة العامة بكتاباتهم ومواقفهم، حلّ محلهم مجموعة من أساتذة الجامعات الذين يستحوذ عليهم تخصصهم الدقيق ولغتهم الاصطلاحية الغامضة، والمفارقة أن المجتمع لم يعد يعيرهم أي اهتمام، وهم في المقابل لم يعودوا يعيرون هذا المجتمع اهتماما كبيرا.
ويضيف وبحسب جاكوبي، فإن نموذج هذا المثقف الخصوصي يتمثل في أستاذ جامعي متخصص في الأدب، منغلق على نفسه وعلى تخصصه، ولا يستهويه التعاطي مع العالم خارج حدود قاعة التدريس، وإذا كتب فإنه يكتب كتابة مملّة، وبلغة اصطلاحية عصية على الفهم، وغرضه الأساسي من الكتابة هو الترقي الأكاديمي لا التغيير الاجتماعي أو السياسي، إدوارد سعيد من جهته، لم يجد أفضل من مثال الناقد الأكاديمي أو أستاذ الأدب في الجامعة لتوضيح فكرته عن «المثقف المحترف» والمستسلم للنزعة التخصصية الآخذة في التوسع، وهذا نموذج لمثقف توقّف عن التفكير في أي شيء خارج الحقل المباشر لاختصاص المرء.
النقد العربي خارج السيطرة
بين الدكتور نادر كاظم أن البداية شهدت تركيزا على الطبقية وكان ينبغي التصدي لهذا الخطاب وقد تم مهاجمته عن طريق الكشف عن تحيزه الطبقي وممارسات الخطابية الخاضعة لعلاقات الهيمنة والقوة على اختلاف أنواعها وانحيازها إلى طبقة أو جنس أو فئة، معززا بذلك من أهمية ومكانة أدوات التأثير في النص وإحداها المجاز حيث النقد قبل السبعينيات كان أديولوجيا، مشتبكا بقضايا ملحة ولم يكن النقد بعيدا عنها أو منفصلا بعمومه عن التحولات الاجتماعية والتغيير السياسي والتنوير وكان النقد جزءا من الفكر العربي، وذكر الدكتور نادر أن انفجار النقد العربي وظهور الدراسات النقدية الحديثة من بنيوية وأسلوبية وغيرها حدث في أواخر عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي، وظلت حتى اليوم تسير في مجادلة تحويل النقد إلى علم لديه منهجية منضبطة، فلم يعد النقد يقوم بالوظيفة التقليدية بحكم الدخول في عصر جديد الغالب عليه هو لغة التخصص، ذاهبا إلى ما أشار إليه الأديب إدوارد سعيد بوصفه الناقد بالمثقف المحترف وهو يعني بذلك الناقد صاحب الحرفة التي تدر عليه المال.
وتساءل الدكتور نادر كاظم عن جدوى وأهمية وجود نقد من هذا النوع في الساحة الثقافية بكل ما فيه من غموض ولغة غمز ولمز وأن القارئ العام لم يعد معني بما يكتب نقدا إلا من كتب عنه الناقد وحيث اللغة التي يكتب بها الناقد لم تعد ذات جذب، ولم يعد أحد يقرأ للنقاد سوى النقاد أنفسهم، وتساءل «ما جدوى أن تتم دراسة ملامح الحب في الشعر الفيكتوري مثلا وما عساه أن يقدم للمجتمع، مؤكدا أن النقد العربي لم يعد قادرا على تصحيح ذاته وأنه بات محبوسا في أدبيته وفي الوقت الذي باتت فيه أبواب النقد الشامل مفتوحة على مصراعيها وهي تطرق القضايا الاجتماعية والسياسية وتقدم نصا أدبيا تتحول فيها الظواهر إلى نصوص وأعمال أدبية فيها كثير من المجازفة والخطورة».
ورسم الدكتور نادر كاظم علامة استفهام عريضة على النقد العربي وهو يتابع حديثه ويسرد خدعة سوكال قائلا: باتت العملية النقدية موصومة بعلامة استفهام حول النقد العربي لأنه بات خارج السيطرة وعلى العكس من النقد الغربي الذي يصحح نفسه وأن الحل هو في أن يتجاوز النص نفسه وأن ينفتح على الضوء الآخر، وفي منتصف عام 1996 نشر أستاذ في الفيزياء في جامعة نيويورك اسمه آلان سوكال مقالة مطولة في مجلة نقدية أمريكية مرموقة وهي مجلة النص الاجتماعي، كان عنوان المقالة جذابا «انتهاك الحدود: نحو هيرمنوطيقا تحويلية للجاذبية الكمية»، وقد صيغ هذا العنوان بطريقة تهكمية دمجت «الهيرومنوطيقا» بـ «التحويلية» والـ «جاذبية» بـ «النظرية الكمية»، وعلى الرغم من الطابع التهكمي في العنوان الفرعي إلا أن العنوان الرئيسي «انتهاك الحدود» كان من ذلك النوع المتداول في الكتابات النقدية ما بعد الحديثة، ولهذا لم يكن مستغربا أن تبادر مجلة متخصصة في ما بعد الحداثة والدراسات الثقافية إلى نشر المقالة.
وفتحت الدراسة التي قدمها الدكتور نادر كاظم مساحة رحبة للردود والمداخلات التي رأى البعض فيها تحاملا على النقد وأن الدراسات الثقافية هي التي تعني بالهموم والقضايا الاجتماعية، فيما ذهب آخرون إلى أن النقد مارس سلطة قاسية على الأدباء وباتت نصوصه خالية من المنفعة العامة وليس فيها من الجمال من شيء، بينما ركزت آراء أخرى على أن النقد مشروع جديد يجب أن يطور، وهناك من ذهب إلى أن النقد لم يمت ولكن هناك ظاهرة كونية ودوران والنقد ضمن هذه الدائرة الكونية وعليه أن يتغير لأن هناك مساحة لتطور العملية النقدية، ومن جانبه توجه الناقد حسن علي بجزيل شكره إلى الدكتور نادر كاظم على ما قدمه، مقدرا له المساحة الجميلة والدقيقة في عالم النقد وانتقاله من عالم النص إلى عالم الثقافة، إلا أنه يرى بأن المشكلة في أنه لا يوافق الدكتور نادر في أنه لا أهمية للنقد البنيوي والأسلوبي والبلاغي لعدة أسباب، فالنقد ما قبل الثقافي ركيزة ولكن الجيد منه قليل.



نسخة للطباعة

مقالات أخرى...

الأعداد السابقة