الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤٢٠٨ - الأربعاء ١٥ فبراير ٢٠١٧ م، الموافق ١٨ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

بصمات نسائية

ولدت بالسعودية ودرست بأمريكا واستقرت بالبحرين .. أول امرأة حولت فن التغليف إلى صناعة .. سيدة الأعمال نهال العمري لـ«أخبار الخليج»:
تعلمت الحياة في مكتبة أبي التي تضم سبعة آلاف كتاب



«لن أورثكم المال.. بل سأورثكم العلم»!
تلك كانت مقولة أبيها رحمه الله لأبنائه، والتي مازالت تتذكرها حتى اليوم، فقد ترك لأسرته إرثا عظيما عبارة عن مكتبة تضم سبعة آلاف كتاب في مختلف المجالات، تعلمت منها الحياة، واستطاعت بالعلم والكفاح على مر السنوات أن تترك بصمتها على عالم الأعمال.هي سيدة الأعمال نهال العمري التي ولدت بالسعودية وتعلمت بأمريكا واستقرت بالبحرين منذ سنوات طوال، استطاعت خلالها أن تشق طريقها بكل مهارة ونجاح، حيث كانت أول من أدخل فن تغليف الهدايا كحرفة وصناعة في الرياض حين أطلقت مشروعها الخاص.
نهال امرأة متعددة المواهب، فهي شاعرة وأديبة، وتهوى الديكور، وتعزف الموسيقى، ورغم أن دراساتها في مجالي تطوير الموارد البشرية والانثروبولوجي، فإنها خاضت في عالم الأعمال بمشروع مختلف تماما، بدأ بشركة متواضعة من الصفر، وتوسعت اليوم لتضم تسعة أفرع لها.
«أخبار الخليج» حاورتها حول رحلة العمل والكفاح والحياة وذلك في السطور الآتية:
متى بدأت رحلة البحث عن الذات؟
رحلة البحث عن الذات بدأت مبكرا للغاية، فقد كنت طفلة ذات ميول أدبية وفنية متعددة، ولديها إبداعاتها الخاصة، تهوى الشعر والموسيقى وتعشق الفن والجمال بشكل عام، وأذكر أنني قمت بتصميم مجلة في طفولتي، وألفت قصيدة عند سن العاشرة، ولكني وجدت نفسي في مجال دخلته بالصدفة، ولا يرتبط بدراستي مطلقا، ولعل أهم ما أفادني في مسيرتي هو نهمي للعلم والقراءة، وأدين بالفضل في ذلك لوالدي رحمه الله الذي ترك لي إرثا عظيما.
وما هو ذلك الإرث؟
والدي كان يقول لنا دائما «لن أورثكم المال.. بل سأورثكم العلم» وبالفعل كان قارئا ومثقفا بشدة وقد ترك لنا مكتبة تضم سبعة آلاف كتاب في مختلف المجالات، ومن هذه المكتبة تعلمت الكثير عن الحياة، واستفدت بدرجة بالغة في تسيير أموري خلال مشواري، وقد كان والدي محافظا بحكم المجتمع الذي ينتمي إليه، إلا أنه رغم ذلك كان يملك عقلية منفتحة للغاية.
وما هي أوجه الانفتاح؟
لقد كان أبي عاشقا وبشدة للعلم والمعرفة، ورغم أنه كان يعيش في مجتمع محافظ كالمملكة العربية السعودية، فإنه قرر أن يبعثني للتعلم في أمريكا أنا وأختي، رغم معارضة البعض له في تلك الفترة الزمنية، وبالفعل أثرى حياتي بتجربة علمية استفدت منها الكثير، وصنعت الكثير من ملامح شخصيتي.
كيف أثرت الغربة على شخصيتك؟
بالطبع في ذلك العصر لم يكن هناك وسائل الاتصال المتوافرة حاليا، ولا شبكة الإنترنت، لذلك كانت الغربة صعبة للغاية، لكنها صنعت مني شخصية مسؤولة وقوية وقادرة على التأقلم مع من حولها مهما اختلفوا عني أو معي، واذكر أنني خلال العام الدراسي الأول قاسيت كثيرا وكنت أشعر بوحدة شديدة، إلا أنني تعلمت الكثير عن الآخرين واستقيت من تجاربهم، وانفتحت على العالم الذي يختلف كثيرا عن عالمنا العربي، وهناك استخلصت العديد من العبر والدروس.
مثل ماذا؟
على سبيل المثال عرفت وللمرة الأولى في حياتي ما هو الإلحاد، من خلال فتاة من الشرق الأقصى كانت تشاركني السكن، ومع ذلك تأقلمت على العيش معها وتحملت مسؤولية نفسي بشكل كبير، وكلما كنت أشعر بحنين للعودة إلى وطني وأهلي وبقسوة الغربة، كنت أقول لنفسي لن أخذل أبي، وبالفعل صمدت وثابرت وواصلت ونجحت، وخاصة أنني سعدت كثيرا بأسلوب التعليم هناك الذي يختلف كثيرا عن عالمنا.
وما هي أهم أوجه الاختلاف؟
في أمريكا يتعلم الشخص كيف يكون نفسه وليس غيره، بمعنى آخر كيف يحقق ذاته بعد أن يكتشفها، وأذكر أن أحد الأساتذة قال لي حين قرأت كتابا وحفظت مضمونه وسردت له هذا المضمون إنه لا يرغب في سرد ما جاء على لسان الكاتب بل يريد أن يتعرف على رؤيتي الخاصة تجاه مضمون الكتاب، وقد كان عمري حينئذ 18 عاما، وبذلك أسهم أسلوب التعليم هذا البعيد عن الحفظ والتلقين، في أن يدفعني إلى التفكير والتعبير عن مكنون شخصيتي لأنه الأسلوب الصحيح بكل تأكيد.
وماذا عن تجربة الزواج؟
لقد تعرفت على زوجي في أمريكا، وهو دبلوماسي يعمل في السفارة السعودية هناك، وتزوجت وقضيت هناك ثماني سنوات، وبعد إنهاء دراستي بعد حصولي على البكالوريوس في مجال الانثروربولوجي ثم الماجستير في الموارد البشرية من أمريكا، بدأت مشواري العملي هناك كمراسلة صحفية، وذلك تماشيا مع ميولي التي تعشق الكتابة والشعر والأدب، ثم بعد عودتنا أنا وزوجي إلى السعودية اخترنا مشروعنا الخاص في مجال تغليف الهدايا.
ولماذا التغليف؟
عند عودتنا إلى الرياض استمررت في عملي كمراسلة صحفية، ولكني قررت ترك هذه المهنة لأنني كنت أعمل من المنزل ولم تتوافر لي سبل ومستلزمات العمل المتكامل فبحثت عن عمل آخر لا يكون من وراء الكواليس، فعملت في جمعية النهضة الخيرية كاستشارية موارد بشرية مدة ثلاث سنوات، ثم خضت مشروعي الخاص في مجال التغليف نظرًا إلى وجود حاجة فعلية له في ذلك الوقت ولأسباب أخرى مساعدة.
كيف جاءت الفكرة؟
في ذلك الوقت كنا نفتقد التغليف الجيد والجميل والمعبر عند تقديم أي هدية في أي مناسبة، ولأنني أحب الجمال في كل شيء، نبعت الفكرة بداخلي، وبالفعل شاركني زوجي الحماس وأنشأنا مشروعنا في محل صغير متواضع لا تتعدى مساحته ستين مترا مربعا، وقمت بتنفيذ ديكوراته من الألف إلى الياء، وكان مثار ضجة كبيرة ما بين مشجع ومستهزئ، وقد واجهنا في البداية صعوبات جمة، ولم نكن نتوقع كل هذا النجاح الذي حققناه ثم توجهنا إلى البحرين، بسبب عمل زوجي ونقلت المكتب الرئيسي هنا بالمملكة.
كيف تطور مشروعك؟
التغليف فن، وهو ترجمة للمشاعر، وللأسف كان غائبا بشكل احترافي ومتخصص، وقد حاولت الربط بين قيمة الهدية وأسلوب تقديمها، لأنه يضيف إلى تلك القيمة، ويعبر عن مشاعر صاحب الهدية، وكنت أول امرأة تدخل هذا الفن بشكل احترافي وتحوله إلى صناعة، ثم تطور المشروع الصغير بعد ذلك وأصبحت اليوم أملك تسعة فروع ما بين السعودية والبحرين.
هل كان حلمك أن تصبحين سيدة أعمال؟
أنا لا أعتبر نفسي سيدة أعمال، بل امرأة عاملة، فأنا اتبع نظام إدارة مختلفا، خاصا بي يعتمد على التعامل مع الموظفين كبشر وليسوا كأرقام ونعمل سويا كفريق أو كعائلة، كما أنني لا أقدم أي تنازلات في البيزنس على حساب أخلاقيات العمل وقد أخسر أحيانا بسبب ذلك لكنني في النهاية أكسب نفسي وهذا يكفيني.
هل اختفت أخلاقيات العمل؟
يمكن القول إن الماديات تطغى اليوم على الأخلاقيات، وهذا يجعلنا نتخوف على الجيل الحالي الذي يعطي الأولوية للبيزنس، لذلك حاولت أن أغرس تلك الأخلاقيات في نفوس أبنائي الذين حرصت دائما على منحهم الأولوية في حياتي ولم أسمح مطلقا بأن يأتي عملي على حسابهم، وحين التحقوا بالجامعة بدأت أتفرغ لعملي، وأعطيه معظم وقتي.
كيف تعلمتِ أصول البيزنس؟
بالمفهوم الاجتماعي أستطيع أن أقول إنني تعلمت البيزنس بالفطرة، وبتلقائية وأنني دخلته صدفة، ومن باب ملء الفراغ لي ولزوجي، لذلك وكما ذكرت سالفا لا أطلق على نفسي سيدة أعمال.
ماذا عن المنافسة؟
المنافسة ليست شديدة، فكل ممتهن لهذا الفن يعبر عن مذاقه وذوقه، وأنا أفضل الدمج بين الذوق الغربي واللمسات الشرقية، كما أن ذوق صاحب الهدية ومتطلباته أمر يلعب دورا أيضا، وعلينا أن نستجيب له حتى لو ارتأيناه غريبا أو غير معهود، فمثلا جاءتنا زبونة ذات يوم بطلب غريب وهي أن نغلفها هي شخصيا للظهور في حفلة تنكرية فاستجبنا لطلبها في حدود المتاح من الإمكانيات والأفكار.
ما هي أكبر محنة تعرضتِ لها؟
مرض ابني الكبير كان أكبر محنة مرت بي، والحمد لله بعد فترة من الألم والانعزال عن العالم، وبالإيمان تخطيت هذه الأزمة المريرة واليوم هو يشاركني إدارة الشركة ويقف إلى جانبي في مشروعي ويقاسمني طموحاتي وأحلامي.
وما هو حلمك القادم؟
أحلم بالوصول إلى العالمية، وأن نصل بمشروعنا إلى مصاف الشركات العالمية ونعمل حاليا أنا وابني على تحقيق هذا الحلم.
هل ترين أن الجيل الحالي بقدر المسؤولية؟
في الواقع أنا أشعر بأن هناك حاجزا أو جسرا غير مرئي بين جيلنا وبين الجيل الجديد، فنحن اعتدنا أن نستفيد من خبرات الآخرين، أما الجيل الحالي فهو يفضل خوض التجارب بنفسه، الأمر الثاني هو أن الشباب اليوم يضع العمل في صدارة أولوياته وهذا ليس خطأ، ولكن الخوف هو أن تضيع وسط ذلك بعض الأخلاقيات المهمة وخاصة في زمن الماديات الذي نعيشه اليوم.





نسخة للطباعة

مقالات أخرى...

الأعداد السابقة