العدد : ١٤١٩٧ - السبت ٤ فبراير ٢٠١٧ م، الموافق ٧ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٩٧ - السبت ٤ فبراير ٢٠١٧ م، الموافق ٧ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ

رسائل

«أخبار الخليج» تنشر مذكرات سفير البحرين الأسبق لدى طهران (10)
كتاب: «في بازار الآيات.. كانت لنا أيام»

بقلم: حسين راشد الصباغ



أتطرق هنا إلى زيارة برونو كرايسكي مستشار النمسا الأسبق للبحرين في 08-12-1981، حيث كان في استقباله سمو ولي العهد الشيخ حمد بن عيسى وهو عاهل البلاد وملكها اليوم، وكان يرافقه معالي الشيخ محمد بن مبارك وزير خارجية البحرين آنذاك. تأتي زيارته هذه للبحرين وغيرها من دول عربية أخرى في اطار توجهه إلى تقوية علاقات بلاده بالدول العربية ومنها الدول العربية الخليجية وكان مكان تقدير واهتمام من قبل القيادة العليا في البحرين. ان كرايسكي هو رجل المواقف الوسط طوال حياته السياسية التي استغرقت نحو 24 سنة. وكان مستشار النمسا طوال 13 عاما بدءا من عام 1970 إلى عام 1983. وقد انضم كرايسكي إلى الشباب الاشتراكي وهو في الخامسة عشرة من شبابه ودرس القانون في جامعة فيينا ثم انخرط في نشاطات معادية للأنظمة الفاشية. وقد هرب من النمسا بعد ان ضمت عنوة إلى ألمانيا النازية سنة 1938 في عهد هتلر. وقد لجأ إلى السويد بعد ذلك حيث مارس الصحافة حتى سنة 1949، وتم تعيينه وزير دولة في بلاده سنة 1953، وشارك بصفته هذه في إبرام معاهدة وحصول النمسا على استقلالها سنة 1955.

وفي عام 1959 اصبح وزيرا للخارجية في النمسا، عندها اقدم على مبادرات سياسية، حيث اصبح للنمسا دور مشهود على الساحة الدولية بالرغم من انها دولة أوروبية صغيرة محايدة، وقد ترأس الحزب الاشتراكي النمساوي سنة 1967 وأصلحه برمته، ما جعله يفوز في الانتخابات التشريعية ثلاث مرات بين 1971 و1975 و1979. وفي سن 72 من عمره اعتزل السياسة وألقى خطابا مؤثرا في البرلمان حيث صفق له الجميع من النواب من كل الانتماءات السياسية وهم واقفون، ويعتبره النمساويون من أهم وأكبر قادة بلادهم في القرن العشرين.
واكتسب بعدا عالميا لكونه أول رئيس حكومة غربية يستقبل رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات رسميا في فيينا 1979. وفي إسرائيل اعتبرت حكومة مناحين بيجن اعتراف النمسا بمنظمة التحرير الفلسطينية خيانة عظمى. وكان يرى قبل غيره من القادة الغربيين ان مفتاح ولب حل مشكلة الشرق الاوسط هي القضية الفلسطينية والتي سببت احباطات الامة العربية، ولا سيما بعد ان اصبح معظم العالم العربي تحت الهيمنة والحماية البريطانية والفرنسية بعد الحرب العالمية الاولى وبروز معاهدة فرساي وهي خيانة ونكث بالوعود التي قدمتها بريطانيا للعرب من اجل استقلالهم بعد الحرب. كانت هناك ردة فعل جماهرية عربية من اقصاه إلى ادناه. هذه الجماهير رحبت بتيار هتلر الاشتراكي والوطني في ألمانيا ولا يعادله الا تيار موسيليني الفاشي في إيطاليا. وظهرت أجيال عربية بعد الحربين العالميتين معجبة بتيار هتلر النازي. نظروا إليه على انه شخصية ساحرة لانه سوف يحطم الهيمنة البريطانية والفرنسية في العالم العربي. وبالرغم من كراهيته وعدائه للشيوعية كان أول من بدأ الحوار مع الدول الشيوعية المجاورة. ومن المعلوم انه قد ولد سنة 22-01-1911 في اسرة يهودية برجوازية في فيينا، ويقال انه منذ بداية شبابه يحمل شخصية متناقضة بالرغم من انه نشأ في اسرة فاحشة الثراء والغنى. وبعد مبادرة الرئيس النمساوي كرايسكي ولقائه بياسر عرفات، ففي مستهل شهر مايو 1979 استقبل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران في قصر الإيليزيه في باريس السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية. وقابلت إسرائيل هذه المبادرة الفرنسية بلقاء عرفات بميتيران بردود سلبية للغاية، وقد شجب اسحاق شامير رئيس وزراء إسرائيل آنذاك وكذلك وزير خارجيته موشى ارينيز هذا اللقاء الفرنسي الفلسطيني. وان إسرائيل تعارض اي حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية التي تعتبرها منظمة إرهابية. ترى إسرائيل ان هذا اللقاء يدفعها إلى عدم الوثوق بفرنسا كثيرا طالما انها تريد ان تلعب دور الوسيط في صراع الشرق الاوسط، ويجب على فرنسا ان يكون لها موقف محايد. وقال اسحاق شامير ان لقاء عرفات بالرئيس ميتيران يعد تشجيعا لعمليات العنف ضد إسرائيل. وفي تلك الفترة كانت هناك انتفاضة فلسطينية متصاعدة، وقد دخلت شهرها الثامن عشر من دون توقف، وقتل اربعة فلسطينيين في اشتباكات مع جنود إسرائيليين. وان اكثر من 350 فلسطينيا قد اصيبوا بجراح في تلك الاشتباكات بين خفيفة وشديدة. وبعد ذلك ندد عرفات باحتلال إسرائيل لغزة والضفة الغربية واطلق على ذلك باليوم الاسود وناشد مجلس الامن الدولي لينعقد لكي يناقش جرائم ومذابح إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. ومن الجدير بالذكر انه في 11 مايو 1949 تم قبول إسرائيل عضوا في هيئة الامم المتحدة. من ناحية أخرى، نشير إلى ان قضية الرهائن الأمريكان في إيران تأتي في صلب اهتمامات مستشار النمسا ورفاقه من وفد الاشتراكية الدولية. ولكن لنبدأ من أول فصولها. يعد السيد حسين شيخ الإسلام الوكيل المساعد للشؤون السياسية الإيراني لوزارة الخارجية الإيرانية من أهم من شاركوا في احتلال السفارة ثم احتجاز الرهائن الأمريكان وقد زار البحرين وقد استقبله مع وفد رفيع يرافقه عند وصوله إلى مطار البحرين قادما من دولة قطر مساء 29-08-1988. هذا المسؤول الإيراني قد حظي باستقبال سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ومعه وزيرا الخارجية والداخلية في دولة البحرين. كان سمو الأمير الراحل صريحا للغاية في حديثه إلى الضيف الإيراني. وعقب هذا الاجتماع استقبل معالي الشيخ محمد بن مبارك وزير الخارجية حسين شيخ الإسلام. كان اللقاء بمثابة جلسة عمل تناولت شتى مناحي العلاقات السياسية بين البلدين واعقب ذلك مقابلة معالي وزير الداخلية الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة لهذا الضيف. ركز وزير الداخلية على ضرورة اغلاق المكاتب الإيرانية المعادية للبحرين ومنها على سبيل المثال جبهة التحرير الإسلامية لتحرير البحرين. وقد ودعت حسين شيخ الإسلام ومرافقيه مساء 31-08-1988 كانوا متوجهين إلى سلطنة عمان. وكنت قد اعددت محاضر وافية للقاء هذا المسؤول الإيراني بسمو الامير ووزيري الخارجية والداخلية بل وتغطية شاملة لزيارته للبحرين. وفي هذه الفترة ما بين بداية 1987 ثم سنوات 1988 و1989 شهدت دولة البحرين ودول مجلس التعاون سيلا من زيارات المسؤولين الإيرانيين، اذكر منهم زيارة مصطفى حائري سفير إيران لدى دولة الامارات العربية في 03-08-1988. وفي 19-12-1987 زار محمد لوساني مدير عام الدائرة السياسية بوزارة الخارجية الإيرانية.
واورد هنا تلخيصا لما دار في لقاء هؤلاء المسؤولين من نقاش ونتائج لزيارتهم. والسيد حسين شيخ الإسلام والمسؤولون الإيرانيون الآخرون في تلك اللقاءات المهمة مع الجانب البحريني الرفيع يدعون ان الحكومة الإيرانية ليس لها اي إشراف كامل على تلك المطبوعات الاعلامية التي تهاجم البحرين وتسيء إليها. ولا شك ان هذا ادعاء وافتراء فهناك ادلة قوية على دعم الحكومة الإيرانية القوي والواضح لجبهة تحرير البحرين بل وكذلك تدريب اعداد كبيرة من البحرينيين على حمل السلاح. وقد رصدته بكل تفاصيله خلال عملي الدبلوماسي في إيران ما بين 1979 و1982. ان هؤلاء المسؤولين الإيرانيين اتهموا اعلام البحرين بمهاجمة إيران بل ومباركتها للحرب العراقية الإيرانية وضرب المدن الإيرانية وتدميرها وتشريد سكانها. وإيران مصرة على استمرار هذه الحرب حتى اسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين. وان هذه هي رغبة الامام الخميني المعلنة حتى ولو استمرت تلك الحرب عشرين عاما. ويجمع هؤلاء المسؤولون ان صدام ما هو الا عميل أمريكي ينفذ اجندات أمريكية وأوروبية. ان هؤلاء المسؤولين انتقدوا قرار مجلس الامن رقم 598 والذي يدعو الجانبين إلى وقف اطلاق النار، وهذا ما كانت ترفضه إيران تماما. ومن الجدير بالذكر ان هذا القرار قد دعمته أمريكا والدول الأوروبية بل حتى الروس. وإيران تريد اولا قبل وقف اطلاق النار ومعرفة من بدأ اولا بهذه الحرب الظالمة.
وبعد ذلك قبلت إيران قرار مجلس الامن رقم 598 من غير قيد أو شرط. وان إيران لا تريد تحقيق النصر على العراق من خلال اصرارها على مواصلة الحرب، وانما تريد تحقيق حقوقها المعلنة. من ناحية ثانية تتهم إيران الدول الأوروبية بتقديمها الاسلحة الكيميائة المحرمة دوليا للعراق، والتي استخدمها في غاراته على المدن الإيرانية، حيث قتل اهلها وشرد سكانها، وبعد ذلك حصل العراق على اسلحة أوروبية متقدمة للغاية. وان هذه ادت إلى تفوق العراق العسكري على إيران. وقد قبلت إيران وقف اطلاق النار بعد ذلك بالرغم من معارضة قادة الجيش الإيراني والحرس الثوري لوقف اطلاق النار ويرددون دائما ان العراق عندما شن الحرب في 22-09-1980 وهاجم منطقة الاحواز واحتل خرم شهر. ولكن الجيش الإيراني والحرس الثوري دحروا الجيش العراقي لينسحب إلى الجنوب حيث الحدود الدولية بين البلدين.
وان الامام الخميني اتخذ قرار استمرار الحرب واتخذ بعد ذلك قرار إحلال السلام. وهي شجاعة من سماحته. وفي خطابه للامة الإيرانية ايد موافقته على قرار مجلس الامن بالرغم من انه بمثابة تجرعه للسم وان هدف الامام الخميني هو قيام الدولة الإسلامية في إيران اولا وتوحيد المسلمين ومحاربة إسرائيل وتحرير القدس. اما الرئيس العراقي صدام حسين كان يردد دائما ان انتصار العراق على إيران هو قادسية جديدة ضد نظام الامام الخميني. وكان يشبه نفسه بالقائد العظيم صلاح الدين الايوبي الذي حرر القدس من ربقة الصليبيين في القرن الثاني عشر الميلادي. وان الفرق بينهما ان صلاح الدين بعد تحرير القدس قد افرج عن اسرى الصليبيين بل وكرم اليتامى والارامل وتلك صفات ناصعة في تاريخ العرب والمسلمين.
وان موضوع الرهائن الأمريكان الذي بدأ باحتجاز 52 دبلوماسيا أمريكيا بدءا من 04-11-1979 من أهم القضايا التي نالت اهتماما من جميع الدول الأوروبية والعالمية.
ويعد المهندس عباس عبدي من أهم الذين قاموا باحتجاز الرهائن الأمريكان وهو الوجه السياسي البارز ومستشار الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي. ولا بد هنا من الاشارة إلى شخصية مهمة اخرى شاركت في احتلال السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن الأمريكان انه حسين شيخ الإسلام الذي اصبح بعد ذلك وكيلا لوزارة الخارجية الإيرانية وزار البحرين لاحقا وحظي باستقبال صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وكذلك وزير خارجية البحرين انذاك وقد شاركت في لقاء هذا المسؤول الإيراني وأعددت محضرا حول لقائه.
كان عباس عبدي قد ابدى اسفه الشديد للمعاناة التي تعرض لها 52 دبلوماسيا أمريكيا خلال فترة احتجازهم. لقد احتجزوا من قبل طلبة خط الامام الخميني. كان عبدي آنذاك احد قادتهم البارزين إنهم مثل غيرهم من الشبان الثوريين المتحمسين ضد الاستكبار الأمريكي والغربي والامبريالية وذلك في بداية الثورة انه بعد ذلك من الذين انتقدوا الثورة بشدة ويعتبره كثيرون من الإصلاحيين. وان احتجاز الرهائن يعتبر في إيران هو الثورة الثانية بعد ثورة الامام الخميني الاولى ووصوله إلى سدة الحكم. لقد اقتحموا السفارة الأمريكية وكان عددهم آنذاك مائة وثلاثين شابا وعدد قليل من الشابات الإيرانيات. بقي الرهائن الأمريكان 444 يوما في الاعتقال حتى افرج عنهم في 20 يناير 1981. في هذه الفترة حدثت تطورات سياسية مهمة واذكر جيدا وانا امارس عملي الدبلوماسي وكنت قريبا من السفارة الأمريكية مع دبلوماسيين آخرين، ففي يوم 4 نوفمبر حدثت مظاهرات صاخبة حول مجمع السفارة الأمريكية لقد اشترك فيها اكثر من نصف مليون إيراني. حدث هذا في ساعة مبكرة من هذا اليوم وحتى غروب الشمس لم يتفرق كل المتظاهرين وكانوا يرددون هتاف (مكياك) اي تسقط أمريكا. قام المتظاهرون بتسلق سور السفارة الخارجي وانتشروا وسط مباني السفارة الكبيرة ووقف بعضهم امام مكتب السفير. كان بعض المتظاهرين يحملون بنادق وطلبوا من حراس السفارة من المارينز تسليم اسلحتهم وبعد ذلك وضعوهم نحو الحائط ووضعوا على عيونهم عصابات من القماش. واقتادوهم إلى خارج المبنى. ولم تكن هناك مقاومة تذكر من جنود المارينز إطلاقا، وهذا ما اثار انتباه كثير من الدبلوماسيين. كان هناك كراهية لأمريكا وللشاه يقابل ذلك شعبية كبيرة للامام الخميني، كان ايضا هناك احساس وخوف لدى كثير من الإيرانيين بعد قرار أمريكا استقبال الشاه لكي يعالج من مرض السرطان الذي انتشر في جسمه. كانوا متخوفين من قيام الاستخبارات الأمريكية بإعادة الشاه إلى الحكم ثانية مثلما فعلت عام 1953 حيث اسقطت حكومة الزعيم الوطني مصدق رئيس الوزراء الإيراني بعد قيامه بتأميم النفط الإيراني. ومن المعروف ان هؤلاء الطلبة قد استولوا على وثائق السفارة وخفايا السياسة الأمريكية تجاه إيران. وقد حبس معظم الرهائن حبسا انفراديا ولكنهم احسنوا معاملة الرهائن احيانا بل مدوهم بما يحتاجون اليه من طعام. كان يوم اعتقال هؤلاء الرهائن مفاجأة شديدة لهم وكذلك يوم الافراج عنهم، وقد لمست من خلال متابعتي لهذا الامر ان بعض الإيرانيين كانوا ضد الافراج عنهم الا عندما تعتذر أمريكا عما فعلت بإيران في حقبة الزعيم محمد مصدق.
لا يخفى ان الذين اشعلوا فتيل الثورة الإيرانية هم قوى من الشباب اليساريين والليبراليين والعلمانيين، ولكن رجال الدين بل ورجال تجارة البازار المؤيدين لخط الامام قد اختطفوا هذه الثورة. لقد اطلق على هذا الاقتحام في السفارة الأمريكية انذاك انها وكر التجسس الأمريكي.
على اثرها استقال مهدي بازارجان رئيس الوزراء من منصبه وفي إيران يطلق عليه زعيم حركة الحرية. لقد اعتبر بازارجان ان هذا العمل خرقا للقوانين المتعلقة بحصانة البعثات الدبلوماسية بل والاسس الاخلاقية للمجتمع الإيراني الذي يعتبر هؤلاء الدبلوماسيين ضيوفا في إيران ويؤدون عملهم بحسب القوانين الدبلوماسية. اذكر بعد احتجاز الرهائن بأيام التقيت بعض الإيرانيين المعتدلين الذين ندموا على دعمهم للثورة التي اصبحت دموية بعد ذلك وهذا ضد تعاليم الإسلام الحقة. كانوا مؤيدين لبازارجان ورفاقه وهم امتداد لحركة مصدق بطل تأميم النفط، بل وحارب الاستعمار البريطاني والأمريكي. وطالما نتحدث عن تاريخ الاعتداءات الإيرانية على المقرات الدبلوماسية فلا بد من الاشارة إلى حادثين مهمين تعرضت لهما سفارتنا في طهران خلال عملي الدبلوماسي. انه في يوم 12-11-1979 اقتادت عناصر اللجان الثورية حارس السفارة إلى مقرها وطلبت منه تفتيش السفارة وقد رفض بناء على تعليماتنا الصارمة، عندها اقتادته إلى مقرها. وكان للمسؤول الفلسطيني البارز الموجود في إيران المرحوم هاني الحسن دور مهم في الافراج عن هذا الحارس نظرًا إلى صلاته الوثيقة بالقيادة الإيرانية المقربة من الامام الخميني. اما الحدث الثاني المهم ففي صباح الاربعاء 18-06-1980 قام فريق من المتظاهرين يتراوح عددهم بين ثلاثين شابا كانوا يخفون وجوههم بالكوفية ومعهم اربع نساء واحدة ترتدي العباءة البحرينية التقليدية والاخريات يرتدين الجادر الإيراني الاسود، حمل هؤلاء المتظاهرون شعارات من القماش مكتوب عليها الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين كانوا يهتفون باللغة الفارسية على طريقة شعارات مواكب العزاء في أيام عاشوراء. ومن حسن الحظ ان ابواب سفارتنا كانت موصدة ولبثوا على هذا الحال حتى الساعة الثانية بعد الظهر بسبب ان رجال الشرطة ورجال الحرس الثوري لم يصلوا في الحال.
وفي سنة 1987 حدث اعتداء على سفارتي السعودية والكويت بعد اشتباكات بين قوات الامن السعودية وحجاج إيرانيين قاموا باعمال تخريبية في الحرم المكي. وفي سنة 1988 قام متظاهرون بالهجوم على سفارة الاتحاد السوفيتي لدعم هذه الدولة الحرب ضد إيران والوقوف مع العراق. وفي 2006 حدث اعتداء على سفارة الدنمارك وفي 2009 قام متظاهرون بمهاجمة سفارة باكستان، ومن أهم الامور في 2011 هو اقتحام السفارة البريطانية بعد فرض عقوبات اقتصادية على إيران بسبب برنامجها النووي. وفي 2016 تم اقتحام السفارة السعودية وقنصليتها في مشهد وإحراقها. وقضية الرهائن الأمريكان هذه استقطبت كثيرا من اهتمام العالم، وأذكر جيدا وفد الاشتراكية الدولية الذي ضم الرئيس النمساوي برونو كرايسكي ورئيس الوزراء السويدي السابق اولف بالمة وكذلك مندوبها اديب الداوودي. وعقد مؤتمر هذه اللجنة الاشتراكية الدولية يوم السبت 31-05-1980 في طهران وتابعته باهتمام عن قرب ناقش في جلساته طبيعة العلاقات الإيرانية الأمريكية خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية وحضره قادة اشتراكيون من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا.
واذكر جيدا في تلك الفترة الحرجة ان الرئيس الإيراني ابوالحسن بني صدر قد بذل جهدا كبيرا في الاعداد لعقد هذا المؤتمر المهم. وان فالدهايم الامين العام للامم المتحدة دعم هذا المؤتمر بشدة وكذلك قادة الاشتراكية الدولية. وطلب هؤلاء جميعا من إيران موقفا معتدلا تجاه الرهائن الأمريكان والافراج عنهم قريبا. وكذلك ان تبدي إيران موقفا واضحا في ايقاف حملات رجال الدين في اطار تصدير الثورة إلى دول الجوار الخليجية. واذكر جيدا وانا أمارس عملي الدبلوماسي في بيروت خلال شهر اغسطس 1979 ان وزارة الاعلام في حكومة البحرين بتاريخ 18-08-1979 اصدرت بيانا تضمن طلب البحرين من إيران التوقف عن حبك الدسائس ضدها وان هذا سيؤدي إلى تعكير صفو العلاقات القائمة بين البلدين ونفت وزارة الاعلام انباء لصحيفة إيرانية بان مسيرة للفلسطينيين بتاريخ 17-08-1979 قد قمعت وان البحرين معادية للثورة الإيرانية. وذكر البيان ان مثل هذه المزاعم الإيرانية تهدف إلى خلق اعداء للثورة الإسلامية بدل حشد الاصدقاء لها. واذكر جيدا ان صحف النهار والانوار والسفير اللبنانية قد نشرت هذا البيان آنذاك في صفحاتها الأولى. من ناحية ثانية يقول الرئيس الإيراني بني صدر إن الامام الخميني كان سعيدا بعقد مؤتمر الاشتراكية وإنجاحه بالسرعة الممكنة. وأخبرني سفير باكستان ان وزير خارجيته علي ارشاد هو في طهران وسيقابل الامام الخميني. وان هذه الزيارة لوزير خارجية باكستان تصب في اطار حل قضية الرهائن، كما ان ياسر عرفات سيكون في طهران بدعوة من الامام الخميني وسيلتقي ايضا فالدهايم. وخاصة ان السويد تتمتع بقوة اخلاقية وكانت في الماضي تدعم موقف فيتنام الشمالية ماديا ونضالها التحرري ضد أمريكا. ومن المعروف ان اولف بالمة بعد عودة حزبه الاشتراكي الديمقراطي إلى الحكم بذل جهودا كبيرة بالتصدي لانهاء الحرب العراقية الإيرانية التي هي مشتعلة بين البلدين بدءا من عام 22-09-1980 وتوقفها في اغسطس في عام 1988. وقد زار اولف بالمة إيران خلال ذلك الوقت ولخمس مرات متتالية وقوله انذاك ان العراق وإيران لم يتعبا بعد من القتال أو لانهما لا يزالان يملكان مخزونا كبيرا من الاسلحة الفتاكة. وبعد ذلك اغتيل اولف بالمة في بلاده في 3 يوليو. من ناحية اخرى امر الرئيس الايطالي كوسيا سلطات بلاده بالتحقيق في التهم الموجهة إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والى المحفل الماسوني الايطالي السيئ السمعة بي 2. بانهما تآمرا في اغتيال اولف بالما. وقد جرت في تلك الفترة مقابلات تلفزيونية مع اشخاص في (السي اسي اي) تعاونت مع المحفل الماسوني بالترتيب لاغتيال بالمة وكذلك مع تنظيم عمليات إرهابية في ايطاليا خلال سنوات السبعينيات. وطلب الرئيس الايطالي بإجراء تحقيق قانوني كامل بعد المقابلات التلفزيونية التي جرت ما بين 28 يونيو و2 يوليو كما يقول عميل في أول هذه المقابلات وقوع بالمة في صفقة بين وكالة (السي اي اي) وإيران لاطلاق سراح الرهائن الأمريكان في طهران. كان بالمة بمثابة فراشة وقعت في العسل فطلبنا من المحفل الماسوني ان يسحقها بالتعاون مع السي اي ايه. وان هذا المحفل الماسوني الايطالي له نشاط واسع في كل من النمسا وسويسرا وألمانيا ويقال ان الامن الايطالي متورط في هذا الحادث. وهناك حادث اوستيكا فقد وقعت في الثمانينات عندما اسقطت طائرة من طراز دي سي 9 بصاروخ من قاعدة عسكرية فوق جزيرة اوستيكا الايطالية وقد لقي جميع الركاب مصرعهم. ويقال ان هذا الحادث قد وقع نتيجة محاولة فاشلة لاسقاط طائرة كانت تحلق قريبا في نفس اليوم وتحمل معمر القذافي. وان الاجهزة الامنية والقضائية في السويد اعتقلت كريستي بارتم الذي اعترف باغتياله لاولما، الا انه توفي في 29-09-2004 في حادث غريب، وهو ما زاد في الامر غرابة ودهشة. لقد اغتيل أولف بالمة في 28-02-1986 بعد خروجه ليلا من السينما مع زوجته، كان انذاك لا يزال يشغل منصب رئيس الوزراء الذي شغله منذ سنة 1969. لقد اشتهر اولف بالما بمواقفه الجريئة في دعم القضايا الدولية مؤيدا جميع حركات التحرير العالمية، ولا سيما القضية الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات. وقد وجه إلى عرفات دعوة لزيارة السويد في عام 1982، ما اثار غضب إسرائيل. وبعض المصادر تشير إلى ان اجهزة المخابرات في جنوب إفريقيا ذات النظام العنصري كان لها دور مهم في اغتيال بالمة بسبب مناهضته لتيار الفصل العنصري التي كان يعاني منها السود الافارقة، وهناك اتهام لبريطانيا ورئيسة وزرائها مارغريت تاتشر التي كانت تدعم نظام جنوب إفريقيا العنصري وهو مدعوم بطبيعة الحال من ادارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان. وان الخاتمة في الشأن الإيراني انني اتذكر جيدا وانا في طهران 05-07-1980 بعد انتهاء اعمال مجلس الثورة. برز حينئذ خلاف واضح بين رجال الدين النافذين المناضلين والذين قادوا الشارع. وغيرها من حلفائهم القادة المدنيين ذوي الميول الليبرالية والمعارضين لنظام الشاه، حيث تعرضوا آنذاك لصنوف من التعذيب من جهاز السافاك. لقد اصبح هذا الخلاف واضحا وجليا بل ورفع من وتيرته صعود آية الله أحمد بهشتي رئيس الحزب الجمهوري. بل وغيره من رجال الدين، حيث احتلوا مناصب رفيعة في سلم النظام الجديد. بالرغم من ان معظمهم كانوا خارج إيران خلال حقبة اندلاع الثورة الإيرانية ونجاحها بعد ذلك وعادوا ليقطفوا ثمار الثورة من دون غيرهم من المناضلين المدنيين. ان هؤلاء المثقفين والمؤيدين للثورة الإيرانية يرددون دائما عند لقائنا بهم ان الامام الخميني نسي أصدقاءه من امثال مهدي بازارجان الذي اعفي من منصبه كرئيس وزراء مؤقت، وذلك بعد احتجاز الرهائن الأمريكان في 04-11-1979. وان مثله إبراهيم يزدي وزير الخارجية في حكومة بازارجان. كان لإبراهيم دور مشهود في أمريكا، حيث استطاع هناك استقطاب كل الطلبة الإيرانيين لدعم ثورة الامام الخميني. هؤلاء كانوا مناضلين وهم من جماعة الزعيم الإيراني محمد مصدق بطل تأميم النفط عام 1953 وكذلك إنهاء التبعية لأمريكا والدول الغربية، واضيف إلى ذلك منهج الامام الخميني الذي يدعو إلى انهاء الاستلاب الروحي اعتمادا على الشعب المسلم الملتزم بخط الامام وتمسكه الشديد بولاية الفقيه. اذًا هناك صراع على السلطة بين النخبة الثورية في إيران. وقد لاحظته اكثر في نهاية 1981 وما يمثله من توجهات اديولوجية عامة ومنها اقامة نظام إسلامي متعدد الاحزاب. وقد عارضه اليمين الإيراني التقليدي، بل تصدى له بالقوة. انه تيار الامام الخميني ويقابله تيار المرجع الديني الكبير المعارض آية الله العظمى شريعة مداري. انه عارض بشدة بشكل اساسي شكل الدولة الإسلامية التي تبناها الامام الخميني. انه نظام له بنى معقدة بل له اصرار قوي على الصمود والبقاء بالرغم من الصراع على السلطة وحتى وسط اركان النظام انفسهم. هناك سلطة رسمية تمثلت في الدستور والتشريعات الحكومية في الدولة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كل اربع سنوات.
ولكن السلطة الفعلية تبقى في يدي المرشد الأعلى وله نظام محكم من رجال الدين التابعين له. ويقابل البرلمان مجلس صيانة الدستور والجيش الإيراني الذي يقابله الحرس الثوري الإسلامي ذو السطوة والنفوذ الكبيرين، والتي ترجحه دائما على سلطة الجيش واجهزته النظامية المختلفة.








aak_news