الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٤١٧٣ - الأربعاء ١١ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٣ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ
(العودة للعدد الأخير)

زاوية غائمة

الطفل أجمل ثمرات وآيات النجاح



قرأت في صحيفة عربية حكاية أب ضايقه صراخ طفله الذي لم يبلغ من العمر ثلاث سنوات، فطلب من الأم إسكاته، فعرضت عليه الرضاعة ولكنه واصل البكاء، فطفقت تهدهده وتغني له، ولكن صراخه غطى على صوتها، فما كان من الأب، إلا انهال عليه ضربا حتى سكت، وهرعت به الأم جزعة فزعة الى المستشفى، ولزم الطفل السرير الأبيض شهورا، ثم غادره عائدا الى البيت محمولا ومشلولا، وفاقدا القدرة على البكاء او الضحك.
أتذكر جيدا يوم شكت ابنتي مروة من ارتفاع في ضربات قلبها، ومنذ مولد طفلي الأول وعندي في البيت موازين أشكالا وأنواعا لقياس درجة حرارة الجسم، ثم اشتريت سماعة طبية ثم جهازا لقياس ضغط الدم وآخر للسكري، وقد تمر شهور لا أستخدم فيها تلك الأجهزة، كما أن وجودها في بيتي لا يعني أنني أقوم بتشخيص أمراض أفراد عائلتي، بل استخدمها فقط للتأكد من أن أحدهم يحتاج أو لا يحتاج الى زيارة الطبيب على نحو عاجل.
مروة مثل بقية عيالي وعيال غيري «نعمة» كبرى، وشكر الله على تلك النعمة يكون بالحرص على دوامها قدر المستطاع، فأقنعتها بالذهاب معي إلى قسم الطوارئ بالمستشفى، حيث أكدت الفحوص أن ضربات قلبها بالفعل فوق المعدل الطبيعي، وأجروا لها تحليلات للدم لتقصي وظائف بعض الغدد، وقالوا: انتظر النتائج! وبالطبع لم أنتظر النتائج فقد بدأ قلبي بدوره ينبض بدرجة أقلقت منام الجيران، وعرضتها على أخصائي قلب فقال: علينا إجراء فحوص لمعرفة إذا ما كان هناك خلل في وظائف الغدة، و.. لم أجعله يكمل: الله يخليك اترك جماعة المختبر يتقصون ذلك، وعليك التركيز على وظائف القلب.. كنت قبلها قد لجأت إلى مستشاري الأول «الإنترنت» لمعرفة بعض الحقائق عن «الخفقان» ورغم جهلي بمعظم المصطلحات التي وجدتها هناك، فإنني فهمت أشياء عن إجراءات التيقن من أنه ناشئ أو غير ناشئ عن خلل في القلب، ولكن ليس من عادتي أن أقدم «الاقتراحات» لأي طبيب أتعامل معه، بل ألف وأدور إلى أن يأتي هو على ذكر ما هو «في بالي»، وهكذا ما إن قال إن الخطوة التي تلي استبعاد وجود خلل في الغدد، ستكون تزويدها بجهاز هولتر مونيتور الذي يرصد أداء القلب على مدى 24 أو 48 ساعة حتى قلت له: شوف يا دكتور.. لن يهدأ لي بال حتى أحصل على شهادة ببراءة قلبها من أي تهمة، فلا تجعل ارتداءها لـ«الهولتر» رهناً بظهور نتائج تحليل الدم.. النتائج الأولية عن حالتها مطمئنة «طبياً»، ولكنني لن أعرف طعم الطمأنينة الحقيقية حتى يقول لي الطبيب إنه لا داعي لتحديد موعد جديد لها في العيادة.
في الثلاثين من سبتمبر الماضي أصدرت السلطات الصحية في بريطانيا تحذيرا إلى النساء، بأن اللواتي يؤجلن الحمل والإنجاب إلى ما بعد الثلاثين تنخفض احتمالات الحمل عندهن بنسبة 50%.. ويقول التقرير إن الكثير من النساء صرن يؤجلن الحمل بحجة أن عليهن تحقيق بعض النجاح في الحياة العملية أو الحصول على شهادات عليا، ولكن من طبيعة النفس البشرية أنه عند تحقيق نجاح في مجال ما، ترتفع هرمونات الطموح ويصبح النجاح هدفاً مطلقاً وهلامياً ومبهماً و(مفتوحا ع الآخر)، فلا تكون هناك محطة يتوقف عندها الإنسان ليقول: الحمد لله هذا هو النجاح الذي تمنيته.. والمصيبة أن هناك رجالاً يرغمون زوجاتهم على تأجيل الحمل لأنهم لا يتحملون دوشة العيال (إلى أن يحصل على الماجستير مثلاً).. وهؤلاء لا يدركون أن الساعة البيولوجية لا تتوقف عن الدوران وأن تأجيل الولادة الأولى قد يؤدي إلى «تأجيلها كلياً»، وهم لا يدركون أيضا أنه ما من نجاح أحلى من إنجاب عيال يقلبون البيت «فوق تحت».
ليكن الطموح الأول هو الإنجاب فهو -وليس النجاح المهني أو الأكاديمي- مفتاح السعادة الحقيقية للإنسان السويّ.. وأدعو الله أن يمنح نعمة الإنجاب لأولئك الذين حرموا منها لأسباب فسيولوجية، فهم على استعداد لحرق شهاداتهم وثرواتهم مقابل سماع صرخة الميلاد الأولى.




jafabbas19@gmail.com


نسخة للطباعة

مقالات أخرى...

الأعداد السابقة