العدد : ١٤١٧٣ - الأربعاء ١١ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٣ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٧٣ - الأربعاء ١١ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٣ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

بصمات نسائية

حكاية أم لطفلة مريضة بالتوحد.. لا تملك سوى القوة والإيمان .. إنسية عبدالرسول شهابي لـ«أخبار الخليج»:
المجتمع لا يرحم الطفل المريض بالتوحد!!

أجرت الحوار: هالة كمال الدين



حكاية أم نرجس، حكاية يجب أن تدرس، وخاصة لهؤلاء الذين يختبرهم الله سبحانه وتعالى بابتلاء أحد أبنائهم بمرض ما، فهي نموذج نسائي يقتدى في كيفية مواجهة الشدائد، والتعامل مع المحن بصبر وإيمان شديدين بقضاء الله وقدره، فهي على قناعة بأن الخالق إذا أحب إنسانا ابتلاه. إنسية شهابي، لديها طفلة وحيدة أراد الله لها أن تصاب بمرض التوحد، الذي اكتشفته بصعوبة بعد المرور بأكثر من تجربة تشخيص من قبل الأطباء، حتى كانت الصدمة حين قال لها أحدهم إنها تعاني من التوحد الشديد، إلا أنها لم تستسلم للآراء المحبطة، ولم تشعر باليأس من علاجها، فطرقت كل الأبواب، وبالفعل نجحت محاولاتها في تحسين حالة نرجس بدرجة كبيرة خلال فترة وجيزة من احتضان أحد المراكز الخاصة لها، لتشرق شمس الأمل من جديد في عيون تلك المرأة التي لا تملك في الحياة سوى إيمانها وقوتها، وخاصة بعد إصابة زوجها بإعاقة بصرية فرضت عليها أن تقوم بعدة أدوار في الحياة.


قصة إنسية الإنسانية تستحق التوقف عندها، ليتعلم منها الجميع كيف يمكن للمرء أن يخلق من الألم أملا، ومن العثرات نجاحات، ولنقرأ معا تفاصيلها في السطور التالية من خلال الحوار التالي الذي أجرته معها «أخبار الخليج»:
متى تم اكتشاف مرض نرجس؟
لقد تمت خطوبتي أثناء دراسة دبلوم تقنية المعلومات بمعهد البحرين، وأنجبت نرجس أول طفلة لي قبل تخرجي، وهي طفلتي الوحيدة حتى الآن، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يبتليها بمرض التوحد، وقد تم اكتشاف المرض بعد أن أكملت عامها الثالث.
كيف تم التشخيص؟
كانت نرجس كثيرة البكاء بشدة، وقد اكتشفت أن لديها مشكلة في السمع وأنها لا تتحدث، وبعد عرضها على أكثر من طبيب قيل لي إنها تعاني من ربط تحت لسانها بسبب وجود قطعة لحم زائدة، وأن ذلك لا يؤثر على النطق، وتوصل التشخيص إلى وجود تجمع مائي وراء طبلة الأذن، الأمر الذي حرمها من حاسة السمع، وقد تم إجراء عملية جراحية لها لإزالة تلك المياه، كما تم استئصال قطعة اللحم من تحت اللسان، وبعد العملية مباشرة بدأت بنطق عدة كلمات بسيطة، كما كشفت الفحوص عن معاناتها من مرض التوحد الذي تم تشخيصه مرتين مرة توحد عادي ومرة أخرى توحد شديد.
وماذا كان رد فعلك حين تم تشخيص المرض؟
في البداية أصبت بصدمة نفسية شديدة، وخاصة أنها أول طفل لي، ولكن سرعان ما تعافيت وقررت ألا أستسلم، أو أستمع للآراء من حولي، والتي نصحتني بغلق الباب عليها، بحجة أنه لا يوجد علاج لهذا المرض، فللأسف المجتمع لا يرحم مريض التوحد، ويحكم عليه حكما قاسيا بالعزلة، حيث ينظر إليه على أنه معاق وليس له هوية، الأمر الذي يتسبب في جرح عميق لنفسية المريض وأهله.
ومتى بدأت رحلة العلاج؟
بدأت مشوار العلاج مؤخرا، وبعد بحث طويل، طرقت كل الأبواب، وكانت قد بلغت من العمر أربعة أعوام ونصف العام، لم تتحسن خلالها الحالة، بل انها ازدادت سوءا، فلم تكن تنطق حرفا واحدا ولا تستطيع الذهاب إلى الحمام، وكانت تعاني من حالة عزلة وانطواء شديدين، وتسيطر عليها مشاعر الخوف والرعب من التعامل مع الآخرين حتى انها كما كانت ترفض كل الأصوات من حولها، إلى أن جاء الفرج.
كيف جاء الفرج؟
أخبرني أحد الأطباء بوجود مركز خاص شهير بالمملكة لعلاج هذه الحالات، وذهبت إليه بالفعل بعد أن حاولت الانضمام إلى قسم النطق بمستشفى الملك حمد، إلا أن مشكلة قوائم الانتظار واجهتي هناك، وكان ذلك بعد أن أجريت عملية ثانية للأذن، وتم تشخيص حالتها بأنها حالة شديدة من التوحد، وفي ذلك المركز الخاص تحسنت حالتها إلى درجة كبيرة.
وماذا قدم لها المركز الخاص؟
بفضل الله سبحانه وتعالى ركز الاختصاصيون بالمركز في علاج كثير من المهارات لديها وتدريبها بكفاءة عليها، ووعدني القائمون عليه بالتكفل بعلاجها وعدم التخلي عنها، وتم احتضانها بشكل طبي وإنساني حتى أنه خلال فترة وجيزة تحسنت حالتها بشكل ملحوظ، وذلك من خلال تدريبها في المنزل على يد اختصاصيين، حتى أصبحت قادرة على دخول الحمام بمفردها، كما تعلمت لغة الإشارة، وصارت قادرة على نطق بعض الكلمات باللغة الإنجليزية، وتستمع إلى التعليمات، وقد اكتسبت خبرة واسعة في كيفية التعامل معها أثناء مرافقتي لها إلى المركز بشكل يومي.
هل انكسر حاجز العزلة لديها؟
نعم لقد انكسر حاجز العزلة لديها بشكل ملحوظ حتى أصبحت الآن تحفظ الأناشيد وتتغنى بها وباقي زملائها يرددون وراءها، كما أصبحت تستمتع بالتحاور مع غيرها، وبالذهاب إلى السوبر ماركت واختيار احتياجاتها وغيرها من الأمور الحياتية، ولم يتبق سوى مشكلة مهمة هي الهاجس الأول لي اليوم.
وما هي تلك المشكلة؟
لقد بحثت كثيرا عن مدرسة خاصة لإلحاقها بها، ولكني لم أجد من يقبل بحالتها، وبالنسبة الى المدارس الحكومية التي تدمج مثل تلك الحالات أرى من الصعوبة بمكان إدماجها في إحداها وذلك لأنها تتحدث اللغة العربية، وأخشى لو التحقت بها أن يحدث لها انتكاسة شديدة بعد تحسنها، ولم يعد أمامي سوى مركز عالية للتدخل المبكر ولكن تم وضعها أيضا على قائمة الانتظار بعد قبولها، الامر الذي يؤرقني كثيرا، وخاصة أنني في انتظار مولودي الثاني بعد شهور قليلة، ومن المؤكد أن مسؤولياتي ستتضاعف بعد ميلاده.
ألم تخشي الحمل بطفل آخر يحتمل إصابته بالمرض نفس؟
لقد قررت أنا وزوجي عدم الإنجاب مرة ثانية، خوفا على الطفل الثاني من الإصابة بالمرض نفس، رغم أننا لسنا أقارب ولا توجد حالات مشابهة في عائلتينا، ولكن أراد الله سبحانه وتعالى أن يحدث الحمل بمشيئته، ومن المؤكد أننا نشعر ببعض الخوف والقلق، وبالطبع توكلنا على الله في كل شيء.
كيف لك بتدبيرالإنفاق على المركز الخاص؟
بعد إصابة زوجي بإعاقة بصرية مؤخرا لم يعد بالطبع قادرا على العمل فاضطر الى التقاعد، وبالنسبة الى تكاليف العلاج الخاص فقد لجأنا إلى القروض البنكية للايفاء بها وهي باهظة تصل إلى آلاف الدنانير شهريا، هذا في الوقت الذي تبلغ فيه إعانة التنمية مائة دينار شهريا، ولكن تمسكي بالعلاج داخل هذا المركز الخاص جاء بسبب أنه يضم كفاءات هائلة استطاعت خلال فترة وجيزة تحسين الكثير من حالة ابنتي التي أصبحت شخصية مغايرة تماما بعد اتباع العلاج الوظيفي والسلوكي معها ومحاولة حل مشكلة النطق لديها.
وكيف تدبرين أمورك الحياتية والمادية بعد عجز زوجك؟
لم أفقد الأمل مطلقا، بل انني أساعد زوجي في كل شيء، وأتحمل بعضا من مسؤولياته، حتى أنني أقوم بتوصيله إلى عمله رغم أنني لا أملك سيارة بل أتدبر يوميا أمر التنقل له ولابنتي، هذا فضلا عن أننا لا نملك سكنا خاصا بل نقيم في حجرة بمنزل عمي المتواضع القديم في فريج المحرق ملحق بها حمام، ولكن ليس هناك مطبخ أو مكان ملائم لحالة ابنتي التي بحاجة الى الحركة واللعب.
هل تقدمت بطلب إسكان؟
تقدمنا بطلب إسكان منذ عام 2005، ومؤخرا ومنذ حوالي عشرة شهور تقدمنا بطلب استعجال نظرًا إلى حالة ابنتي، ولكني أيضا وقعت تحت رحمة مشكلة قوائم الانتظار التي تطاردنا في كل شيء يخص حياتنا.
بماذا تنصحين أي أم لديها طفل متوحد؟
أنصح أي أم لديها طفل متوحد أن تخرج به الى الدنيا، ولا تغلق الباب عليه، وألا تيأس من تحسن حالته، وعلاجه، وأن تطرق كل الأبواب، ولا تستمع لآراء من حولها، وخاصة المحبطة والخاطئة عن المرض.
ما هي أصعب مرحلة؟
مسؤولية نرجس صعبة وكبيرة، وكل المراحل صعبة، وما يشغلني حاليا هو مستقبلها، وكيف ستشق طريقها في الحياة، وأنا لا أطمح في علاج كامل ولكن كل ما أتمناه أن تتحسن حالتها، ولو بقدر ليس بكبير، ولكن كل ما يؤلمني هو كلام الناس وحكمهم على حالة ابنتي، فهذا هو أصعب شيء يسبب لي ألما نفسيا شديدا.
كيف أثرت حالة نرجس على علاقتك بزوجك؟
لم تؤثر حالة نرجس على علاقتي بزوجي بشكل سلبي، فهو متفائل للغاية ومتفهم لظروفي، لكنه بالطبع يشعر بالقلق على مستقبلها مثلي تماما وهو يدعمني نفسيا ويشاركني في مسؤولياتها، وبات بعد تحسنها يصطحبها معه في بعض الأماكن بعد أن كانت ترفض التعامل معه، كما اننا متفقان على عدم اعتبار ابنتنا معاقة بمعنى اللفظ حتى اننا نرفض أن يطلق عليها هذا اللقب الذي كتب في بطاقة التنمية الاجتماعية، حيث ذكر أنها معاقة نفسية وذهنية، فنحن نرى أن التوحد أخف بكثير من هذا المسمى.


aak_news