العدد : ١٤١٧٣ - الأربعاء ١١ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٣ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٧٣ - الأربعاء ١١ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٣ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

قضايا و آراء

القضية الفلسطينية مازالت تجمع الأمة

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي



في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العربية يمكن القول بأنها تمر بأسوأ حالة منذ الغزو المغولي. تحديات كثيرة تواجه الأمة منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدينية. لا يمكن أن تتعامل مع هذه التحديات وهي مقسمة وممزقة وتتقاتل فيما بينها على مستوى الدول وفي الدولة الواحدة بين فئات المجتمع.
الظروف التي تمر بها الأمة على المستوى السياسي، والتحولات الاقتصادية التي تمر بها الدول النفطية، والصراعات التي نتجت عن السنوات الست الماضية تفرض علينا إيجاد صيغة تعالج هذه الأمراض والانقسامات التي تنخر في جسد الأمة والأوطان.
معالجة هذه الأمراض هي مسؤولية الجميع، وتستوجب قيام كل طرف بما يمكنه للمساهمة في العلاج من حكام ومحكومين، ولا يمكن لأي طرف أن يتمسك بمواقفه وامتيازاته ويدافع عنها باستماته تحت عناوين مختلفة مثل الاستقرار أو التقاليد أو السيادة الوطنية وغيرها من العناوين التي تخفي الدوافع الحقيقية للاستماتة من اجل مصالح وامتيازات على حساب الوطن والمواطن.
على المستوى البحريني نرى ان هناك عددا من المجموعات الوطنية تحاول التحرك للمساهمة بما في إمكانياتها من تعزيز الوحدة الوطنية ولمِّ الشمل في نطاقها المحدود إما من خلال ندوات وإما مقالات أو اجتماعات مصغرة. وفي كل من هذه اللقاءات يتم طرح السؤال كيف الخروج من الازمة وكيف نعالج الوضع ونتعامل مع ما نتج من اخطاء سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. محاولات كثيرة جرت وتجري لتقريب وجهات النظر مع نجاحات متواضعة في أحسن الحالات. في خضم هذه التحركات المجتمعية، وفي استغلال للانقسام المجتمعي نظن ان البعض حاول أن يمرر خطوة من خطوات التطبيع مع العدو الصهيوني بدعوة جماعة صهيونية تقيم حفلات رقص وغناء تروج للتطبيع وتتعدى بشكل فاضح على مشاعر البحرينيين.
ردة فعل المجتمع البحريني بجميع فئاته وقواه السياسية والاجتماعية احبط هذه المحاولة وارسل رسالة الى من تبنى دعوة الصهاينة -تحت لافتات تجارية- وساهم الرفض الشعبي في الترويج لحقيقة هي ان شعب البحرين يرفض الكيان الصهيوني ويرفض التطبيع معه ويرفض وجوده في خاصرة الأمة.
من الفعاليات التي أقامها المجتمع كانت ندوة في تجمع الوحدة الوطنية التي حاضر فيها سفير فلسطين وآخرون وطالبوا برفض التطبيع وإعادة فتح مكتب المقاطعة. حضر هذه الندوة ممثلون من جميع التوجهات السياسية التي كانت تمثل فريقين يختلفان سياسيا ولهما مواقف متعارضة حول الإصلاح في البحرين.
هذه الحادثة أثلجت صدور المجموعات التي تحاول لم شمل المجتمع وإعادة تنظيمه ليبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي الهادف إلى ازدهار الوطن وتقدمه وتقويته لمجابهة التحديات والأخطار. أثبت المجتمع البحريني أنه يمكن أن يتعامل مع القضايا بروح وطنية وينسى الانقسام والقضايا الخلافية والتركيز على القضايا التي تجمعه وتقويه. في هذه المرحلة نحتاج إلى مزيد من هذه القضايا وما اكثرها.
أثبتت القضية الفلسطينية انها من المصالح الوطنية الكبرى الجامعة على الرغم من محاولات طمسها من قبل الاعداء وللاسف من قبل قيادات عربية تلبية لمصالح سياسية أو إرضاءً لقوى خارجية استعمارية جديدة. وكل دفاع عن مواقف متخاذلة ومتواطئة يحصل على من ينبري لها ويتصدى، كما رأينا في زيارة الوفد الصهيوني للبحرين.
اليوم يدور الحديث في دوائر ضيقة ومجموعات صغيرة غيورة على الوطن وعلى حقوق جميع المواطنين ويهمها ازدهار وتقدم البلد. تبحث هذه المجموعات عن قضايا جامعة مثل القضية الفلسطينية لمعالجة الانقسام ولم شمل المجتمع وتقويته للتعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتأثير الانقسام عليها. والسؤال هو كيف يمكن ان تتحول هذه المجموعات إلى حركة وطنية تسعى إلى خلق واقع سياسي واقتصادي واجتماعي يتجاوب مع المواطن ويستمع إلى صوته، ويتجاوب مع مطالب مختلف المصالح في المجتمع.
تَحَول التحركات المنفردة هذه إلى حركة وطنية تتطلب فهم المجتمع وتفهم مختلف المصالح والمخاوف والتطلعات لكل فئة من المجتمع والعمل على احترامها. في هذه المرحلة، فإن أهم القضايا التي يمكن ان يجتمع عليها المجتمع هي القضايا الاقتصادية والتنموية ومحاربة الفساد وخلق فرص عمل.
فمثلا التقرير الصادر عن منظمة «اليونيدو» الأخير يوضح تأثير مثل هذه القضايا، وخصوصا توافر فرص عمل للشباب، على الامن والاستقرار، فيقول المنسق الإقليمي لبرنامج ادارة الحكم في الدول العربية في برنامج الامم المتحدة الانمائي انه «اذا لم تتح للكتلة الشبابية فرصة اكبر في مجتمعاتهم، فانهم سيكونون عرضة بشكل اكبر للجنوح إلى العنف». ان العنف والتطرف وتدني الاداء الاقتصادي وغيرها من أمراض المجتمع هي نتيجة لسياسات وقوانين وتقاليد وتراث تحتاج إلى مناقشة وتنقيح وتصحيح وإصلاح. تقع مسؤولية كبيرة في هذا الخصوص على الجمعيات السياسية في طرح هذه القضايا بروح جديدة ورؤية مختلفة وخطاب تشاركي تصالحي يتسع للجميع.
كذلك هناك العديد من الدراسات التي تناقش تحديات ما بعد النفط، والتي ينبغي الاستفادة منها وتوطين ما ينفع منها، لكن ذلك يحتاج إلى تحول في بعض السياسات الاقتصادية ومناقشتها بانفتاح. هذا الانفتاح ينبغي ان تتبناه السلطة، وخصوصا مجلس التنمية الاقتصادية والحكومة. كان بودنا ان تتم مناقشة هذه القضايا في مجلس النواب الذي يتمتع بحرية اكبر في طرح القضايا وفي التعبير، لكن افرازات الممارسات المعمول بها لا ينتج عنها مجلس قادر على مثل هذا النقاش بموضوعية وبتجرد من المنازعات والصراعات ومخلفات ما حدث في السنوات الست الماضية. لذلك فلا بديل عن تحرك الفئات الغيورة على الوطن للتعامل مع إفرازات السنوات الست الماضية.

mkuwaiti@batelco.com.bh





aak_news