العدد : ١٤١٧٢ - الثلاثاء ١٠ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٢ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٧٢ - الثلاثاء ١٠ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٢ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

نقرأ معا

محمد كامل القليوبي .. حياة بلا ضفاف



«محمد كامل القليوبي.. حياة بلا ضفاف» كتاب من تأليف المفكر والمخرج السينمائي سيد سعيد صادر عن صندوق التنمية الثقافية في مصر.
الكتاب يعتبر من أهم الكتب السينمائية التي صدرت في مصر لأسباب كثيرة.
الكتاب يوثق لسيرة حياة وأعمال واحد من أكبر المبدعين السينمائيين المصريين هو محمد كامل القليوبي -المخرج السينمائي والباحث والأستاذ الجامعي- والذي أثرى السينما المصرية بعدد من أهم الأعمال في تاريخها مثل أفلام «ثلاثة على الطريق» و«البحر بيضحك ليه» و«أحلام مسروقة» و«اتفرج يا سلام» و«خريف آدم» وغيرها، وأيضا عدد مهم من الأفلام الوثائقية.
ومما يعطي للكتاب أهمية خاصة ان مؤلفه هو سيد سعيد، وهو مخرج سينمائي مصري ومن أهم الباحثين السينمائيين في مصر اليوم.
المؤلف يقدم سيرة حياة وأعمال القليوبي بشكل غير تقليدي بعيدا عن السرد الممل، وبأسلوب ساحر متدفق، عبر حوارت مطولة مع القليوبي أجراها المؤلف، وأجراها مبدعون آخرون، يقدم حياة القليوبي وسيرته وفكره السينمائي ورؤيته عموما وآراءه في اطار الوضع الاجتماعي والسياسي في مصر عموما منذ ستينيات القرن الماضي. كما يقدم شهادات لمبدعين كبار عن القليوبي مثل صلاح عيسى وفريدة النقاش وسمير فريد وعلي ابوشادي وحسني شاه وايريس نظمي وخيرية البشلاوي وغيرهم. كما يقدم رصدا توثيقيا لأعمال القليوبي، وملفا مصورا.
ولعل من أهم ما كتب عن الكتاب ما كتبته الناقدة المعروفة أمل الجمل.
كتبت تقول: كتاب «محمد كامل القليوبي.. حياة بلا ضفاف» للمؤلف سيد سعيد، والصادر عن صندوق التنمية الثقافية المصري يمكن اعتباره أحد أهم الكتب السينمائية التي صدرت في مصر في الفترة الأخيرة، لأسباب عدة، في مقدمها عاملان لا يُمكن فصل أحدهما عن الآخر، وهما المُحاوِر وموضوع الحوار، أي سيد سعيد والقليوبي، لأنهما كانا ولا يزالان رفيقي درب وحياة، تلازما سنوات تجاوزت الأربعين، خاضا تجارب مشتركة، عاشا مرارات وأوجاعا، مرّا بانتصارات وانكسارات، كان كل منهما سنداً للآخر في وقت الشدة، تعاركا واختلفا؟!.. ربما. مع ذلك نقش كل منهما اسمه في ذاكرة الآخر، وبقيت الصداقة رباطاً قوياً يجمعهما.
تشي تلك العلاقة الإنسانية الحميمة بأن سرد الكتاب لن يكون موضوعياً مع صاحب السيرة، وبأن صديقه ربما يُقدّم صورة مغايرة للحقيقة، أو على الأقل موشاة بكل المظاهر الإيجابية، خالية من العيوب والسلبيات، فيرسم صورة بطولية يُحب المحتفى به أن يظهر بها على جمهوره وقرائه. يعترف مؤلف الكتاب نفسه ضمناً وتصريحاً في أكثر من مناسبة بأن شهادته ستكون مجروحة وربما تنتفي عنها الحيادية والموضوعية. مع ذلك ما إن نبدأ في مطالعة الكتاب حتى نغرق فيه ومعه، ويتلاشى الاتهام فلا يبقى له أثر، وخصوصاً في ظل الأسئلة الاستفزازية التي جعلت «القليوبي» يفض مغاليق خزانته، لكنها في أحيان أخرى لم تنجح في سبر أغواره كما حدث في تيمة علاقته بالمرأة التي أفلت منها بذكاء فلسفي مُراوغ.
موضوع الكتاب يدور حول سيرة حياة، وإبداعات شخصية ثرية كان صاحبها محسوباً على اليسار في مرحلة ما، اعتُقل وخاض تجربة السجن والحرب، درس الهندسة ومارسها قليلاً أو كثيراً، لكنه اختار السينما عندما سكنته وسكنها، فأصبح كاتب سيناريو ومخرجاً سينمائياً وباحثاً ومنقباً وموثقاً لتاريخ السينما المصرية إلى جانب عمله كأستاذ أكاديمي. منذ صباه، كان القليوبي مولعاً بالمسرح والفن التشكيلي والكتابة. طبيعته الساخرة العنيدة المحتفية بالحياة منحته القدرة على اختبار حياة الصعلكة والتورط فيها عن رغبة عنيفة. دخل في معارك كثيرة، حقق نجاحات، ونالته بعض الإخفاقات. يعترف بأن شخصيته تتسم بالجرأة، والاندفاع أحياناً إلى حد العنف، ولأنه شخصية مزاجية، أحياناً يكون مشوشاً أو مضطرباً على حد وصفه، ويبدو أحياناً متناقضاً وأحياناً أخرى فضولياً، وهذا كله ينبع من رغبته في التجربة والاكتشاف، لكنه في النهاية راض عن حياته، مُلمحاً إلى أنه دخل في دروب استثنائية، مُؤكداً أنه لو أُتيح له اختيار حياته من جديد لاختار الحياة التي عاشها نفسها.
«رغم كل ما سبق، ومن دون أدنى شك، لو كان كتاب «محمد كامل القليوبي.. حياة بلا ضفاف» جاء مُوقعاً باسم آخر غير اسم سيد سعيد، لما تحققت عند قراءته تلك المتعة والبهجة التي تسرق المتلقي من محيطه الزماني والمكاني. إنه كتاب أشبه بقصيدة متفردة، ما إن ينتهي المرء من قراءته حتى يتمنى لو كان هو كاتبه. ينجح فيه مؤلفه، المخرج السينمائي سيد سعيد، الذي يُعَدّ أحد أبرز مفكري ومنظري السينما المصرية، في أن يصبغ الكتاب بأسلوبيته الصوفية البديعة، مع ذلك يمنحه نكهة ساخرة عذبة، ويُضمِّنه لمحات كاريكاتورية، وخصوصاً في بعض المواقف والوقائع الحقيقية التي صاغها في مشاهد سينمائية تعتمد في أغلبها على الحوار الشعري.
يقع الكتاب في 327 صفحة تحتشد بالذكريات والصور المتوهجة، تشهد على حياة «القليوبي» ومنجزه السينمائي، وكل ما يتعلق بتجربته الإبداعية والإنسانية. يبحث سيد سعيد عن الخيوط، يضع بعضها الى جانب بعض، أو بعضها في مواجهة بعض، ليُفسر بعضها بعضاً. يعكس تصورات صاحب السيرة عن نفسه، فتتداخل معها تصوراته هو عن صديقه الحميم صاحب هذه السيرة، ومن ثم يترك مساحة أخرى للقارئ حتى يبني تصوراً ثالثاً.
طوال هذه الرحلة الشيقة تعكس صفحات الكتاب مناخ الستينيات السياسي والفكري والإبداعي، وترسم ملامح جيل من المبدعين، يحكي عن تلك الأيام والمشاريع التي لم تتحقق. يسرد كمّاً هائلاً من النصوص، والحكايات، والوقائع من خلال سلسلة حوارات مع «بطل» الكتاب حول كل مرحلة من حياته منذ خروجه إلى موسكو وسنوات اغترابه التي ضمنت له علاقات إنسانية رائعة مع مبدعين من شتى أنحاء العالم، مروراً بتسكعه وتصعلكه في ألمانيا وباريس بكل ما فيها من ثراء ثقافي، وبهجة وأزمات مالية طاحنة، ثم قرار عودته إلى مصر. ويتخلل الحوارات شهادات كتبها مبدعون، جمعت الغربة بينهم وبين القليوبي، مثل منير عياد، وسيد سعيد، والمخرج السينمائي والمسرحي محمد قارصلي، بالإضافة إلى جلسة جماعية مع الأصدقاء والصديقات كانت تستدعي الماضي وتُسائله في محاولة لاستكشاف الدلالات العميقة لما صنعه، ولما أضاعه هذا الجيل. إلى جانب تحليلات وكتابات النقاد عن أعمال محمد كامل القليوبي السينمائية الروائية والوثائقية.






aak_news