العدد : ١٤١٧٢ - الثلاثاء ١٠ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٢ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

العدد : ١٤١٧٢ - الثلاثاء ١٠ يناير ٢٠١٧ م، الموافق ١٢ ربيع الثاني ١٤٣٨ هـ

الخليج الطبي

أطباء في المهجــر

بقلم: د. سلطان فهيد التمياط



قبل مدة قصيرة تشرفت بإقامة ورشة عمل لتدريب أطباء أتراك وعرب من دول مجلس التعاون، مصر. الأردن والجزائر في جراحات البدانة في جامعة أجي بادم التركية العريقة في مدينة إسطنبول.
وعلى هامش هذا الملتقى أُتيحت لي الفرصة للتعرف على نشاط وهموم بعض الأطباء العرب الذين فقدوا أوطانهم ووجدوا في إسطنبول ملاذًا آمنًا وربما محطة محتملة للبحث عن وطنٍ جديد باتجاه الغرب!!
هؤلاء الأطباء أتوا من سوريا، العراق، ليبيا واليمن، لكل منهم حكاية يجمعهم رفضهم وإدانتهم الشديدة لهذا الصراع والدمار الذي حّل بأوطانهم وإن اختلفوا حول المسببات والحلول، تحدثوا عن أوطانهم بكثير من الألم والحرقة، وآمال المستقبل وإمكانية التغيير، بعيدًا عن شعارات الثأر والانتقام، كان الأطباء السوريون أكثرهم عددًا وأبلغهم جرحًا، فالدمار الذي حلّ ببلادهم فاق الوصف والخيال، ورغم بقاء العديد منهم في السنوات الأولى للثورة في وطنهم ومحاولتهم إسعاف وإنقاذ المصابين، فإن استهدافهم من قبل النظام السوري بالبراميل المتفجرة أدى إلى مقتل وإصابة العديد من الكوادر الطبية، هذا القصف الهمجي طال المستشفيات الميدانية البدائية، كما أن النقص في المستلزمات الطبية والأدوية الأساسية جعل من الصعب على أي طبيب أو مسعف أن يشارك بإنقاذ أرواح المصابين، هذه الأسباب كانت كفيلة لهم بالرحيل ومغادرة بلادهم بكثير من الألم والحسرة، الأطباء السوريون يُقدرون بالآلاف من كافة التخصصات وعلى جميع المستويات العلمية وهم يقيمون في تركيا مع قرابة الثلاثة ملايين من أبناء جلدتهم، صحيح أن الحكومة التركية منحت السوريين بالذات الفرصة للبحث عن العمل وتتم معاملتهم مثل معاملة الأتراك من دون إذن عملٍ مسبق، إلا أن أكثرهم وبسبب حاجز اللغة وامتحانات المعادلة الصعبة غير قادرين على الانخراط في المنظومة الطبية التركية، بل اقتصرت أعمالهم على التعاون مع بعض الجهات الخيرية في المجتمع المدني أو المنظمات الدولية التي تُعنى بشؤون اللاجئين.
ومع الأخبار الواردة بشأن نية الحكومة التركية منح الجنسية التركية للمقيمين على أراضيها بصورة متواصلة لمدة ثلاثة أعوام بدلاً من خمسة أعوام (كما تنص قوانين الهجرة التركية) فإنه يلوح في الأفق أمل جديد بإمكانية البقاء في تركيا والعمل كمواطن وليس لاجئا أو مقيما لقد رأيت أطباء تخلقوا بصفات الرحمة والعطف والإنسانية، ورغم معاناتهم الجسيمة وتضحياتهم الكبيرة فإن لديهم رغبة كبيرة وصادقة في تجاوز أحداث الماضي والاستمرار بمهمتهم الإنسانية النبيلة وإن ما يعيقهم هو لغتهم العربية فهم لا يجيدون التركية وهي اللغة المعتمدة في المؤسسات الطبية في جميع أنحاء الجمهورية التركية.
كنا نتوقع ان تتاح لنا فرصة طويلة لحوار مفتوح، مع هـؤلاء الزملاء لمعرفة المزيد عن نشاطاتهم الطبية، ندواتهم وعن أعدادهم وتخصصاتهم إلا أن الأيام الصعبة التي مروا بها وهم يَرَوْن مدنهم تمتلئ بالحرائق والدمار حتى وهم في المنفى ثم معاناتهم في مدن الشتات وما مر بهم من ذُل السؤال والاستجداء قد جعلهم كثيري الترحال من مكان إلى آخر بحثًا عن خبزهم اليومي، والآن لعلي أستعيض عما فاتني وأضع أمام أعينكم حالة هؤلاء الأطباء العرب وهنا أتوجه إلى الإخوة الزملاء التنفيذيين في القطاعات الصحية في دول مجلس التعاون بشكل عام وأتساءل، ماذا لو قمنا بدراسة إمكانية استقطابهم بما يعود بالنفع على الخدمات الصحية في أوطاننا، وحيث أننا نشهد علاقة متنامية وزيارات متبادلة بين كبار تنفيذيي وزارتي الصحة في المملكة وتركيا في الآونة الأخيرة لعلها فرصة مواتية لبحث هذا الأمر؟ أعرف أنه من الممكن الحكم على مبادرة كهذه بأنها سريعة وعاطفية وربما أنها لا تفي بالغرض، إلا أن ما رأيته من انفعال في وجوه هؤلاء الرجال وما عبروا عنه من آمال وأحلام في مواصلة مهنتهم النبيلة، يجعل من هؤلاء الأطباء (الناطقين بالعربية) عونًا لنا في مواجهة التحديات الكبيرة في تطوير الخدمات الصحية في أوطاننا العربية.






aak_news